ميساج

هل بدأت أوروبا تستفيق من سُبات عمّقته غشاوةُ الاستعمار القديم؟*

هل بدأت أوروبا تستفيق من سُبات عمّقته غشاوةُ الاستعمار القديم؟*

شاهدتُ هذا الصباح فيديو بثه مصدر فرنسي على التيكتوك، أغرب ما فيه أنه “يعترف باكتشافه لأول مرة أن إسبانيا تُبقي قدمها مغروسةً في تراب غير أوروبي، بل إفريقي، مغربي تحديداً، يحمل اسمين مغربيين تاريخيين، هما سبتة ومليلية”، الأمر الذي جعل المتكلم يطرح بالمناسبة سؤالاً منطقياً مستوحى من توجهات السياسة الدولية الراهنة: “ما الذي ما زالت تفعله إسبانيا داخل التراب المغربي في القرن الحادي والعشرين، والألفية الثالثة؟”… ثم يجيب بكل صراحة وأريحية: “إن هذا لا يمكن وصفه إلا بكونه استعماراً لأراضي المغرب، الذي يُفترَض أنه بلد مستقل” !!

شخصيا، لقد اعتبرتُ محتوى هذا البث غريباً، لأن الفرنسيين بالذات، هم أول مَن ينبغي عليهم إدراك المعنى القدحي لتعبير “الاستعمار القديم”… فهم مواطنو الدولة التي كانت تتقاسم السلطة الحِمائية داخل المغرب مع إسبانيا لأزيد من اثنتين وأربعين سنةً، بل لأكثر من اثنتين وسبعين سنةً، بحساب تاريخ المسيرة الخضراء والخروج الإسباني المُذِل من تراب الأقاليم المغربية الجنوبية، بل ينبغي ترك هذا الحساب الزمني مفتوحاً إلى غاية استكمال استقلال باقي الثغور المغربية الواقعة تحت الإدارة الإسبانية ضدّا على القوانين والمعاهدات والاتفاقيات والقرارات الدولية، المتعلقة بتصفية الاستعمار في صيغته القديمة على الأقل، والتي صادقت عليها إسبانيا، لكنها ما زالت تتعامل معها بمكياليْن يُثيران الكثيرَ من الهزء والسخرية لدى البعض، بدليل الفيديو الفرنسي سالف الإشارة، والكثيرَ أيضاً من القرف والغثيان لدى بعض آخر، وأقصد المغاربة تحديداً، وبعض الدول الشقيقة والصديقة التي لا تجد حرجاً في دعم الموقف المغربي من هذا الملف بالغ القِدَم…

وبطبيعة الحال، أستثني من ذلك البعض الأخير من الأشقاء والأصدقاء دولاً وأنظمةً منافقةً تلعب على الحبلين، وأخرى تساند الاستعمار الإسباني صراحةً، بالمدينتين المغربيتين والجزر، بكل بجاحة، وبغوغائية تثير الاستنكار والاشمئزاز في كل بقاع العالم… وأستنكف من ذكر أسماء تلك الدول والأنظمة حفاظا على اتزان لغة هذا المقال وموضوعيته !!

حسناً… هل بدأت أوروبا تستفيق فعلاً من سُباتٍ فَاقَمَتْهُ غشاوةُ الاستعمار في صيغه القديمة والكلاسيكية؟

إن فرنسا والاتحاد الأوروبي، خاصةً منذ انسحاب بريطانيا من عضويته، عندما يتعلق الأمر بصخرة “جبل طارق”، ومطالبة إسبانيا باسترجاعه من المملكة المتحدة بوصفه “محضَ احتلال”، تتحرك يمينا وشِمالا لدعم الموقف الإسباني، ولو بلباقة ولياقة لائقتين بمخاطبة التاج البريطاني التليد، لكن عندما يتعلق الأمر بسبتة ومليلية والجزر المغربية، فإن هذه الأخيرة تتحول فجأة إلى “مدينتين وجزر أوروبية”. وهذا هو منطق الكيل بمكيالين الذي لم يعد يُقنع أحداً في “زمن شفافية المعلومات”.

من جهتها، تمارس الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن نوعاً غريباً من “الرقص الغجري”، في تعاملها مع هذا الملف القديم، فتصدر عشرات القرارات بتصفية الاستعمار فوق رُقَع عشرات الخرائط، ولكنها تترك سبتة ومليلية والجزر الجعفرية خارج هذا التصنيف، بفعل “فيتو ناعم” اسمه العلاقات التاريخية… فهل القانون الدولي يُطبَّق بالانتقاء؟

إنّ ما يثير التفاؤل في فيديو التيكتوك الذي افتتحتُ به هذا المقال، هو أنه ليس صادراً عن سياسي ولا إعلامي رسمي، بل هو صوت مواطن فرنسي/أوروبي عادي، بدأ يسأل ويبحث ويكسر الصورة النمطية التي رسمتها المناهج الدراسية الفرنسية والأوروبية لعقود طويلة… وبالتالي فلربما بدأت فرنسا الفرنسيين وأوروبا الأوروبيين تستفيقان فعلاً، رغم التزام بعض أنظمتهما بصمت الأموات.

ويبقى القول، إن المغرب لم يتنازل يوماً عن شبر من ترابه، وملف سبتة ومليلية والجزر ليس ملف حدود، بل هو ملف سيادة مكتملة ينبغي أن تتكرّس على أرض الواقع، والواضح أن الدبلوماسيا المغربية، اليوم، تتعامل معه بهدوء الصياد الذي يعرف أن التاريخ لا بد أن يَنصِف في النهاية.

إن اعتراف فرنسي واحد على التيكتوك لا يصنع سياسةً، ولا يغيّر تاريخاً، ولكنّه يكسر جدار صمت. فإذا كان مواطن فرنسي استطاع أن يرى ما لم تره حكومات فرنسية وأوروبية لعقود، فمعنى ذلك أن “غشاوة الاستعمار القديم” بدأت فعلاً تتشقّق.

ختامُه، إنّ إسبانيا اليوم تقف أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تُنهي آخر مظاهر استعمارها في إفريقيا، وتلتحق بمنطق القرن الحادي والعشرين وألفِيته الثالثة؛ وإما أن تبقى أسيرةَ ماضٍ أكل عليه الدهر وشرب، وتُصبح الاستثناء الوحيد في خريطة عالم قال بكل اللغات: “لا للاحتلال”… والتاريخ، كما علّمتنا المسيرة الخضراء بالذات، لا يمشي إلى الوراء أبداً… عجبي !!!
______________
* محمد عزيز الوكيلي
** إطار تربوي متقاعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى