السينما و التلفزيون

المخرج المغربي طارق رسمي: «السينما انعكاس لوعينا بالواقع»

في حوار مع مجلة «ضد السينما»: الفيلم لا يقدم الأجوبة بقدر ما يطرح الأسئلة.. والسينما تكتسب قيمتها عندما تفتح باب التأويل

المخرج المغربي طارق رسمي: «السينما انعكاس لوعينا بالواقع»
في حوار مع مجلة «ضد السينما»: الفيلم لا يقدم الأجوبة بقدر ما يطرح الأسئلة.. والسينما تكتسب قيمتها عندما تفتح باب التأويل

بديل بريس

نعيد في «بديل بريس» نشر هذا الحوار السينمائي الذي أجرته مجلة «ضد السينما» مع المخرج وكاتب السيناريو المغربي طارق رسمي، وحاوره محمود الجمني، ضمن العدد الثامن الصادر في غشت 2026، لما يحمله من أفكار ورؤى حول السينما المغربية، والفيلم القصير، والكتابة والإخراج، وعلاقة الصورة بالواقع والذاكرة والإنسان.

ويكشف طارق رسمي في الحوار عن جانب من تصوره الخاص للفعل السينمائي، باعتباره أكثر من مجرد وسيلة لسرد الحكايات؛ فهو بالنسبة إليه فضاء للتفكير وطرح الأسئلة والبحث في أعماق الإنسان وتحولاته، كما يتوقف عند تجربتيه السينمائيتين «غبار» و«نهاية أخرى»، موضحًا اختياراته المتعلقة بالصورة والإضاءة والإيقاع والتعليق الصوتي والرموز البصرية، فضلًا عن رؤيته لواقع الفيلم القصير في المغرب وإشكالات الإنتاج والتوزيع والحضور في المهرجانات.

وفي ما يلي نص الحوار كما نشرته مجلة «ضد السينما»:
السينما انعكاس لوعينا بالواقع

حاوره: محمود الجمني

طارق رسمي مخرج مغربي شاب انتقل إلى الجنس الروائي بعد أن مرّ بالسينما التجريبية، مزاوجًا بين صدقية الواقع وجرأة الفن. السينما لديه ليست مجرد «حدوتة»، وإنما هي فضاء تفكير ومرآة لما لا يُحكى. لا تخلو محاورته من نكهة فلسفية وبُعد شاعري، له معجميته الخاصة، وهي من قبيل «السهل الممتنع» الذي يشد صاحبه حتى وإن أرهقه.

 

س: قدم نفسك لقراء مجلة «ضد السينما» معرفًا بدوافع اختيارك لمهنة الإخراج؟

ج : أنا طارق رسمي، مخرج وكاتب سيناريو مغربي. دخلت عالم السينما من بوابة الصورة، فقد كانت علاقتي الأولى بالفوتوغرافيا، التي علمتني أهمية التفاصيل وقوة الصمت داخل اللقطة. ومع مرور الوقت، شعرت أن الصورة الثابتة لم تعد تكفي للتعبير عن الأفكار والأسئلة التي ترافقني، فوجدت في السينما الوسيط الذي يجمع بين الصورة والصوت والزمن، ويمنحني مساحة أوسع لبناء عالم كامل لا مجرد التقاط لحظة.

ما يدفعني إلى الإخراج ليس الرغبة في رواية القصص فقط، بل محاولة فهم الإنسان في لحظات ضعفه وتحولاته. أؤمن أن السينما ليست وسيلة لإعطاء الأجوبة، وإنما لطرح الأسئلة بطريقة حسية. لذلك أحرص على أن تكون أفلامي مفتوحة على التأويل، وأن يخرج المتفرج منها وهو يفكر أكثر مما يخرج وهو مقتنع بفكرة واحدة. بالنسبة إليّ، قيمة الفيلم تكمن في الحوار الذي يخلقه مع المشاهد، لا في الرسالة التي يحاول فرضها عليه.

س: في فيلميك «غبار» و«نهاية أخرى» هناك ثلاث خصائص مشتركة: بطء السرد، قتامة الإضاءة، واستبعاد الألوان في «غبار». على أي مقياس فلسفي وجمالي يرتكز أسلوبك؟

ج : أعتقد أن هذه الخصائص ليست قرارات جمالية مستقلة، وإنما جاءت من طبيعة القصص والشخصيات. عندما أكتب السيناريو، لا أفكر أولًا في شكل الصورة، بل في الحالة النفسية التي يعيشها أبطال الفيلم. فإذا كانت الشخصية تعيش عزلة أو فقدانًا أو صراعًا داخليًا، فمن الطبيعي أن ينعكس ذلك على الإيقاع، وعلى الإضاءة، وحتى على الألوان.
أما اختيار الأبيض والأسود في «غبار» فلم يكن بدافع الحنين إلى السينما الكلاسيكية، بل لأنه كان الأنسب لطبيعة الفيلم. كنت أريد أن أتخلص من كل ما قد يشتت انتباه المتفرج، وأن أختزل الصورة إلى عناصرها الأساسية: الضوء والظل والوجوه والفراغ.

الأب حاضر بقوة في الفيلمين، وقد قُتل رمزيًا في «غبار» وماديًا في «نهاية أخرى». هل لديك حسابات تريد تصفيتها؟
أفهم هذا التأويل، خصوصًا إذا نظرنا إلى حضور الأب في الفيلمين، لكن بالنسبة إليّ لم يكن الأمر يتعلق بتصفية حسابات شخصية. شخصية الأب في أعمالي لا تمثل فردًا بعينه، بل تمثل منظومة كاملة من القيم والسلطة والذاكرة والمسؤولية.

عندما يغيب الأب أو يموت، لا يكون الحدث مهمًا في حد ذاته، بل ما يتركه هذا الغياب داخل الشخصيات. ما يثير اهتمامي هو أثر الفقد، وكيف يغير الإنسان ويجبره على مواجهة نفسه واتخاذ قرارات لم يكن مستعدًا لها.

س: هناك لقطة متطابقة في الفيلمين، عبارة عن مشهد واسع خالٍ من الحياة إلا من شجرة كبيرة. ما دلالتها؟

ج : هذه اللقطة تكررت لأنها تحمل بالنسبة إليّ معنى بصريًا وإنسانيًا في الوقت نفسه. الفضاء الواسع والخالي يعكس شعور الشخصيات بالوحدة، بينما تمثل الشجرة نقطة مقاومة داخل هذا الفراغ. هي ليست مجرد عنصر من عناصر الطبيعة، بل حضور يذكّر بأن الحياة تستمر حتى في أكثر الأماكن قسوة.
ومن الناحية السينمائية، أحب أن أمنح المكان دورًا يوازي دور الشخصيات. في كثير من الأحيان لا يكون الفضاء مجرد خلفية للأحداث، بل يصبح جزءًا من الحالة النفسية للفيلم.
هل استقيت موضوعي هذين الفيلمين من واقع معيش أم من محض الخيال؟ وما المراحل التي تعتمدها عند كتابة السيناريو؟
أعتقد أن كل كتابة صادقة تبدأ من الواقع، لكنها لا تبقى أسيرة له. أستلهم تفاصيل من الحياة اليومية، من الأخبار ومن مواقف عابرة، ثم أعيد تشكيلها عبر الخيال حتى تصبح لها حياة مستقلة.

أما منهجي في الكتابة، فأبدأ دائمًا بصورة أو إحساس وليس بفكرة مجردة. بعدها أكتب ملاحظات كثيرة حول الشخصيات وعالمها، ثم أبني الهيكل الدرامي، وبعد ذلك تأتي مرحلة كتابة المسودة الأولى. أهم مرحلة بالنسبة إليّ هي إعادة الكتابة، لأن السيناريو الحقيقي يولد أثناء الحذف وإعادة الصياغة أكثر مما يولد في المسودة الأولى.

س : أحسنت استعمال الكادر داخل الكادر في «نهاية أخرى». هل الهدف تعميق فكرة الغلق؟

ج : أشكرك على هذه الملاحظة، لأنها تلامس جانبًا كنت واعيًا به أثناء التصوير. بالفعل، كان استعمال الكادر داخل الكادر مقصودًا، لكنه لم يكن بهدف إبراز الجمالية البصرية فقط. شخصيات «نهاية أخرى» تعيش حالة من الحصار، حصار نفسي وعائلي وأحيانًا اجتماعي.
لذلك حاولت أن تنقل الصورة هذا الإحساس من خلال الأبواب والنوافذ والممرات، وكل العناصر التي تضع الشخصية داخل إطار آخر، وكأنها محاصرة حتى وهي تتحرك بحرية.
هذا الاختيار له بعد آخر أيضًا، وهو توجيه نظرة المتفرج. عندما أضع الشخصية داخل إطار، فأنا لا أقول إنه يجب أن ينظر إليها فقط، بل أدعوه إلى التساؤل: ماذا يوجد خارج هذا الإطار؟ ما الذي لا نراه؟

س : التعليق الصوتي حاضر بكثافة في الشريطين. هل اعتمدته اقتصادًا للحوار؟

ج : لا أتعامل مع التعليق الصوتي باعتباره بديلًا عن الحوار، ولا ألجأ إليه لتقليل عدد الجمل التي تتبادلها الشخصيات. في أفلامي، الحوار يكشف ما تستطيع الشخصيات قوله للآخرين، بينما يكشف التعليق الصوتي ما تعجز عن البوح به.
هناك دائمًا مسافة بين ما يشعر به الإنسان وما يقوله، وهذه المسافة هي التي يهمني استكشافها. لذلك فإن الـ«Voix off» يمنحني إمكانية الاقتراب من العالم الداخلي للشخصية دون أن أفقد قوة الصورة.
بالنسبة إليّ، التعليق الصوتي ليس اختصارًا للحوار، بل طبقة سردية إضافية تمنح الفيلم بعدًا تأمليًا، وتساعد المتفرج على الاقتراب من الحالة الشعورية للشخصيات أكثر من تتبع الأحداث فقط.
حضور الحيوان بارز في فيلمك «غبار»؛ الحصان وقطيع الغنم. ما الذي تريد أن تمرر من خلال هذا التوظيف؟
في «غبار» لم يكن حضور الحيوان مجرد عنصر جمالي أو وسيلة لتأثيث الفضاء البصري، بل كان امتدادًا للحالة الإنسانية التي يعيشها أبطال الفيلم.
الحصان بالنسبة لي يرمز إلى الكرامة والحرية والقوة الكامنة، لكنه في الفيلم يبدو محاصرًا بواقع لا يسمح له بالانطلاق، تمامًا كما هو حال الإنسان الذي يحمل أحلامًا أكبر من الظروف التي يعيشها.
أما قطيع الغنم فيحمل أكثر من قراءة؛ فهو يعكس فكرة الجماعة والخضوع للمسار المفروض، لكنه يطرح أيضًا سؤال الفرد داخل المجموعة: إلى أي حد يملك الإنسان القدرة على اتخاذ قراره، وإلى أي حد ينجرف مع القطيع؟
ما يهمني في النهاية هو أن تبقى هذه الرموز مفتوحة على التأويل. لا أحب أن أفرض معنى واحدًا على المتفرج، لأن السينما بالنسبة لي تكتسب قيمتها عندما تثير الأسئلة أكثر مما تقدم الإجابات.

س : لو تحدثنا عن وضع الفيلم القصير بالمغرب إنتاجًا وتوزيعًا وحضورًا بالمهرجانات الوطنية والدولية

ج : رغم التطور الذي عرفه الفيلم القصير المغربي خلال السنوات الأخيرة، سواء من حيث جودة الأعمال أو حضورها في المهرجانات الدولية، فإنه ما يزال يعاني من إشكالات بنيوية.
على مستوى الإنتاج، تبقى الميزانيات محدودة، ويعتمد عدد كبير من المخرجين على التمويل الذاتي أو على منح متفرقة. أما التوزيع، فهو الحلقة الأضعف، لأن الفيلم القصير يكاد يكون غائبًا عن القاعات السينمائية والمنصات التجارية، ويقتصر مساره غالبًا على المهرجانات.
أما على المستوى الدولي، فقد استطاع الفيلم المغربي أن يحقق حضورًا متزايدًا في مهرجانات مرموقة، وهو ما يعكس تطور مستوى الكتابة والإخراج والتقنيات. لكن هذا النجاح يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل الإنتاج والتوزيع والترويج، حتى لا يبقى الفيلم القصير مجرد محطة عابرة في مسيرة المخرج، بل شكلًا سينمائيًا قائمًا بذاته له جمهوره وسوقه.
المصدر: مجلة «ضد السينما» – العدد الثامن، غشت 2026.
الحوار: محمود الجمني.
إعادة النشر: بديل بريس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى