هل يخشى الاتحاد الأوروبي فعلا اجتياحاً روسياً لأراضيه ؟

هل يخشى الاتحاد الأوروبي فعلا اجتياحاً روسياً لأراضيه ؟!
بالأمس، كتبتُ عن سبتة، وعمّن يقولون “سبتة مغربية” ومن يقولون “سبتة إسبانية”. واليوم أكتشفُ أن العقول التي تريد أن تبيعنا الوهم في سبتة، هي نفسها التي تبيع الوهم لشعوبها في بروكسيل وبرلين وباريس ومدريد… وهلمّ تخويفاً وهَلْوَسةً !
يبدو السؤال في العنوان أعلاه مُحَمَّلاً بزخّة وازنة من الغباء، ولكنه ليس غباء السائل، بل غباء وسائل الإعلام والبروبغاندا الأوروبية، والفرنسية/الإسبانية على الخصوص، وهي تتطرق لقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسحب خمسة وعشرين ألفاً من جنود المارينز القابعين منذ سنوات في القواعد الأمريكية المنبثّة فوق الخريطة الأوروبية، في إطار الاتفاقيات المبرمة بين الولايات المتحدة والدول أعضاء حلف الناتو منذ فترات الحرب الباردة، حينما كان هناك، بالفعل، تهديد سوفياتي بذلك الاجتياح.
مناسبة الخوض في هذا الموضوع، أنني طالعت بالصدفة فيديوهاً يبدأ بعنوان ناري جاء فيه: “أمريكا تتخلى عن أوروبا عسكريا”، ويتضمن إخباراُ بعزم الرئيس الأمريكي، كما سلف القول، سحب حوالي ثلث الجنود الأمريكيين الموجودين بقواعد الناتو الأمريكية بأوروبا، ومعهم أرتال كبيرة من الطائرات والصواريخ والرادارات والتجهيزات العسكرية الأخرى المُصاحِبة.
غير أن هذا الفيديو طَفِقَ مُنَشّطُه يتحدث عن كون قيادة الناتو سبق لها أن حذّرت الاتحاد الأوروبي من اكتساح روسي محتمل، مما يجعل هذه العملية “الترامبية” (نسبة إلى ترامب) تُخالف آمال الأوروبيين المساكين في استمرار تمتعهم بحماية المارينز من جهة، وتُشكّل من جهة أخرى، خرقاً سافراً لقرارات الكونغرس الأمريكي، الذي سبق له أن أصدر قانوناً يتعلق بتفاصيل تلك الحماية بالذات، مما يتعين معه، إما رفض الكونغرس لفكرة التخفيف من الوجود العسكري الأمريكي بدول الاتحاد الأوروبي؛ وإمّا المبادرة إلى تعديل القانون المذكور ليواكب ويؤطّر القرار الرئاسي القاضي بذلك التقليص.
شخصياُ، ما يهمني في هذا المقال ليس راحة دول الاتحاد الأوروبي، ولا أعتقد أن هناك مغربيةً أو مغربياً واحداً يمكن أن ينشغل بهذا المطلب، أو بمآل علاقات دول ذلك الاتحاد بالولايات المتحدة أو بالروس أساساً، وإنما الذي أثارني، هي هذه المغالاة الإعلامية في تضخيم الخطر الروسي، وكأن روسيا بوتين تُخاطب دولاً متخلفة، ضعيفة، في مثل تخلف وهَوان بلدان الوسط أو الجنوب الإفريقيّ، أو الجنوب اللاتيني الأمريكي، بينما هي في واقع الأمر، بإزاء دول يتوفر بعضها على السلاح النووي، ويتمتع بحق الفيتو في مجلس الأمن، وربما من بين تلك الدول من تستطيع منفردةً أن تٌقارع الجيوش الروسية دون الاستعانة بشقيقاتها الأوروبيات، ما دام “توازن الرعب” مضموناً بين روسيا من جهة، ودولتين أو ثلاثٍ من الدول الأوروبية على الأقل، من جهة ثانية. ويكفي أن أذكر من بين هذه الأخيرة فرنسا وبريطانيا وألمانيا… فإلى أين يذهب هؤلاء المُغالون المُهَوِّلون وصُنّاعُ الإثارة ؟!
وأعيد السؤال: كيف لدول تمتلك النووي والفيتو والرافال والتايفون (أقصد مقاتلات eurofighter typhoon الأوروبية المشترَكة) والغواصات النووية، أن تخاف من اجتياح بري أو بحري روسي، وكأننا نعيش في سنة 1945؟
هناك إذَنْ، تضخيم مقصود يراد به التلاعب بمشاعر الشعوب، لأن أوروبا في حقيقة الأمر “لا تخاف روسيا”، بل “تخاف انسحاب أمريكا” تحديداً. وبالتالي فهذه البروباغندا المنذرة ب”الاجتياح الروسي” ما هي إلا ورقة ضغط على ترامب، و من خلاله على الكونغرس، ليُبقِيَ على جنوده هناك، وليُبقيَ على فاتورة الحماية، التي تسددها الولايات المتحدة من خزينتها العامة، أو من الهبات السخية للخزائن المالية لبعض دول الخليج العربي، التي تدفع أحياناً “ثمن الجهود الأمريكية للحفاظ على السلم العالمي”. وبذلك فالخوف هنا ليس من الدب الروسي، بل هو خوفٌ من فاتورة الدفاع التي ستضطر أوروبا إلى دفعها من جيبها المثقوب.
ثم هناك مسألة “توازن الرعب”، التي ذكرتُها أعلاه، حيث فرنسا وحدها تمتلك 290 رأس نووي، وبريطانيا 225 رأس مماثل. وهذا وحده كفيل بجعل بوتين يحسب ألف حساب قبل حتى أن يفكر في أي اجتياح لمجال أوروبي تملأه عن آخره ثلاث دول نووية مجتمعة، هي الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، ومعها ألمانيا كقوة صناعية تستطيع في 6 أشهر أن تصنع جيشاً يفوق الجيش الروسي عدداً وعُدّة. وفضلا عن هذا، فروسيا التي عجزت في الواقع عن حسم معاركها ضد أوكرانيا لثلاث سنوات، هل تستطيع أن تجتاح برلين وباريس ولندن؟.. إن هذا مجرد هراء إعلامي وبكل المعايير.
حسناً، فما الذي يهمنا في كل هذا الصخب نحن المغاربة؟
ما يهمني، كمغربي، أن هذه البروباغندا الأوروبية هي نفسها التي تُستعمل ضدنا عند تناوُل الأوروبيين لقضايانا سواء الوطنية، أو المشترَكة. فهذه الآلة الدعائية، التي تضخّم خطر روسيا لتُقنع أمريكا بالبقاء في الفضاء الأوروبي، هي نفسها التي تضخم خطر “تهديد سيادتنا على الصحراء” أو “خطر عدم استقرار المتوسط” من جراء الهجرة غير النظامية، وذلك من أجل أن تبقى قواعدْها العسكرية منبثّةً في سبتة ومليلية والجزر. وبذلك يتضح أن أوروبا التي تريد حمايةً مجانيةً من أمريكا، هي نفسها التي تريد بقاءً مجانياً للاحتلال في شمال إفريقيا، داخل حيّزنا الجغرافي والتاريخي، الذي لا ينازعنا عليه إلاّ مُعتدٍ آثِمٍ أو معتوه.
إذن لا روسيا ستجتاح أوروبا غداً، ولا المارينز سيهربون الليلة، وكل ما في الأمر مجرد مسرحية هجينة وقديمة: أمريكا تريد من أوروبا أن تدفع، وأوروبا تريد من أمريكا أن تحميها مجاناً، وبينهما إعلام يقتات على خوف الشعوب.
أما بالنسبة لنا نحن المغاربة، فالدرس واضح وصريح: مَن لا يصنع سلاحه بيده، ومن لا يُحَلّي ماءَه الشَّروبَ بسواعده، ومن لا يزرع ويحصد قمحَه بآلات يُنتجُها من تلقاء ذاته، فسيظل يبحث عن “مارينز” يحميه إلى آجال غير مُسَمّاة. وقد اخترنا نحن المغاربة أن نصنع “مارينزنا” بأيدينا، في مصانعنا العسكرية الجديدة، بصواريخنا البالستية ومُسَيَّراتنا المتطوّرة… وما خفي كان أعظم وأمثل.
فلْيخافوا هم من روسيا أو غيرِها كما يشاؤون، أمّا نحن فسنستمر في بناء مغربنا بعيدا عن ترّهاتهم ودعاياتهم الغبية… و… عجبي !!!
_____________
محمد عزيز الوكيلي
إطار تربوي متقاعد.



