🚨🚩👈🏼👳🏽♀️حين يتحول الدين إلى ورقة انتخابية

🚨🚩👈🏼👳🏽♀️حين يتحول الدين إلى ورقة انتخابية
بقلم حميد فوزي
يعود توظيف الدين في الانتخابات إلى الواجهة كلما اقترب موعد الاستحقاقات السياسية، فتظهر خطابات تستند إلى المرجعية الدينية لاستمالة الناخبين، أو لتقديم بعض الأحزاب والمرشحين باعتبارهم أكثر التزاماً بالقيم الإسلامية من منافسيهم. غير أن الإشكال لا يكمن في حضور القيم الدينية في المجال العام، بل في تحويل المقدس إلى أداة للمنافسة السياسية، واستعماله لتغطية عجز البرامج أو لإضفاء شرعية أخلاقية جاهزة على اختيارات بشرية قابلة للنقاش والخطأ.
حين يصبح التصويت لحزب معين، في الخطاب الانتخابي، أقرب إلى واجب ديني أو امتحان في الإيمان، فإن العملية الديمقراطية تفقد جزءاً من معناها. فالانتخابات يفترض أن تكون مناسبة لمقارنة البرامج وتقييم الحصيلة ومساءلة المرشحين، لا مجالاً للمزايدة في التدين أو لاحتكار الحديث باسم الدين.
👈🏼بين المرجعية الدينية والاحتكار السياسي
من حق الأحزاب والمرشحين أن يستلهموا من الدين قيماً مثل العدل، والأمانة، والتكافل، وصون الكرامة، ومحاربة الفساد. لكن لا يحق لأي جهة سياسية أن تقدم نفسها بوصفها الممثل الحصري للدين، أو أن توحي بأن التصويت لها يعادل نصرة الإسلام، في حين أن التصويت لغيرها يمثل موقفاً مناقضاً للعقيدة أو للأخلاق.
فالدين، بما يحمله من مكانة روحية ورمزية عميقة، أسمى من أن يتحول إلى شعار انتخابي عابر. أما الحزب، فهو تنظيم بشري له برنامج ومصالح وتقديرات واجتهادات، ويظل خاضعاً للمساءلة والنقد والتقييم. والخلط بين المجالين يؤدي إلى تحصين الفاعل السياسي ضد المحاسبة، إذ يصبح انتقاد أدائه، في نظر بعض أنصاره، انتقاداً للمرجعية الدينية نفسها.
هنا تحديداً تكمن خطورة الخطاب الذي يرفع عناوين دينية عامة، من دون أن يقدم أجوبة دقيقة عن البطالة والتعليم والصحة والسكن والعدالة المجالية والقدرة الشرائية والحريات وتدبير المال العام. فالقيم لا تعوّض البرامج، والنيات المعلنة لا تكفي لإدارة دولة معقدة، كما أن رفع شعار «الحكم بما أنزل الله» لا يجيب تلقائياً عن كيفية تنزيله في واقع دستوري ومؤسساتي واقتصادي واجتماعي متغير.
👈🏼وعود تتجاوز حدود الممكن
تزداد خطورة توظيف الدين حين يُبنى الخطاب الانتخابي على وعود يعرف أصحابها، أو يفترض أن يعرفوا، صعوبة تنفيذها بمجرد الوصول إلى رئاسة الحكومة. فالحكومة لا تعمل في فراغ، ولا تملك وحدها إعادة تشكيل المجتمع وفق تصور ديني محدد، بل تتحرك داخل منظومة دستورية وقانونية، وتحت رقابة المؤسسات، وضمن توازنات سياسية واقتصادية واجتماعية، فضلاً عن التزامات الدولة الداخلية والخارجية.
لذلك، فإن تقديم الشريعة باعتبارها برنامجاً حكومياً جاهزاً وقابلاً للتطبيق الفوري قد يكون تبسيطاً مضللاً لمسألة شديدة التعقيد. فحتى داخل الفكر الإسلامي توجد اجتهادات متعددة بشأن مفهوم الشريعة، ومجالات تطبيقها، والعلاقة بين الثابت والمتغير، وحدود السلطة السياسية، وحقوق المواطنين، وتدبير الاختلاف. ولا يمكن اختزال هذه القضايا في عبارات انتخابية فضفاضة أو في وعود عاطفية تستهدف الناخبين المتدينين.
إن الحزب الذي يدرك أنه لن يستطيع تطبيق ما يرفعه من شعارات دينية، ثم يواصل تسويقها انتخابياً، لا يقدم التزاماً سياسياً بقدر ما يمارس تضليلاً انتخابياً. أما إذا كان المقصود بالشريعة منظومة قيم أخلاقية عامة، فعليه أن يوضح ذلك صراحة، وأن يترجم هذه القيم إلى سياسات عمومية قابلة للقياس، بدلاً من تركها في مستوى الإيحاء والتأويل.
👈🏼من المعارضة إلى السلطة
كشفت التجربة السابقة أن الخطاب الديني، حين يوظَّف انتخابياً، قد يرفع سقف انتظارات الناخبين إلى مستوى غير واقعي، قبل أن يصطدم، بعد الوصول إلى السلطة، بقيود المؤسسات والتحالفات وموازين القوى. فما إن تسلّم أصحاب ذلك الخطاب مقاليد السلطة حتى تبدلت لهجتهم السياسية، وانتقلوا من لغة الوعود الحاسمة والمواقف المبدئية إلى خطاب أكثر براغماتية، اختُزل في عبارة «عفا الله عما سلف».
وبموازاة ذلك، أُبرمت تحالفات مع قوى سياسية سبق أن نُعِتت، خلال الحملة الانتخابية، بأنها جزء من منظومة الفساد أو من أسباب الاختلالات التي تعهّد الخطاب الجديد بمحاربتها. ولم يكن التحالف السياسي في حد ذاته موضع الاعتراض، فالعمل الحكومي يفرض أحياناً التوافق والتنازل وتدبير التوازنات. غير أن الإشكال الحقيقي تمثّل في الفجوة الواسعة بين ما قيل للناخبين قبل الوصول إلى السلطة، وما جرى اعتماده بعد تولّي المسؤولية.
فحين تُقدَّم بعض الأطراف باعتبارها خطاً أحمر، ثم تصبح شريكاً في تدبير الحكومة، يبرز سؤال مشروع حول طبيعة الشعارات السابقة: هل كانت مواقف مبدئية فعلاً، أم مجرد أدوات انتخابية لاستقطاب الناخبين؟
أما عبارة «عفا الله عما سلف»، فقد بدت لكثيرين انتقالاً من منطق المحاسبة السياسية إلى منطق التسامح الانتقائي. فالعفو، بوصفه قيمة أخلاقية، لا ينبغي أن يتحول إلى غطاء لإغلاق ملفات المسؤولية، أو إلى وسيلة لتعليق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. ولا يستقيم أن يُطلب من المواطنين نسيان ما قيل عن الفساد والريع وسوء التدبير، من دون توضيح ما إذا كانت تلك الاتهامات قد ثبت بطلانها، أو جرى التراجع عنها، أو أن ضرورات التحالف هي التي فرضت تجاوزها.
👈🏼الحكومة ليست منبراً للوعظ
تتطلب رئاسة الحكومة إدارة المرافق العمومية، وصياغة السياسات الاقتصادية، والتفاوض مع الشركاء، وتدبير الأزمات، وضمان استمرار الخدمات، واحترام الدستور والقانون. وهذه مهام عملية لا تُقاس بمدى ارتفاع الشعارات، بل بقدرة المسؤولين على التخطيط والتنفيذ وتقديم النتائج.
ومن ثم، فإن تحويل الحملة الانتخابية إلى منافسة في إظهار التدين يزيح النقاش عن جوهر السياسة. ويصبح الناخب أمام سؤال: من يبدو أكثر التزاماً؟ بدلاً من أن يطرح على المرشح أسئلة من قبيل: ما برنامجك؟ ما كلفته؟ ما آجاله؟ كيف ستموّله؟ وما مؤشرات نجاحه؟ وبذلك تتحول الانتخابات من مناسبة لاختيار السياسات العمومية إلى امتحان ظاهري في التقوى، مع أن الناخب لا يملك وسيلة موضوعية لقياس النيات، في حين يستطيع مساءلة البرامج والنتائج.
كما أن استدعاء الدين في مواجهة الخصوم قد يهدد السلم السياسي والاجتماعي، لأنه يقسم المجتمع إلى «أخيار» و«أشرار»، أو إلى مؤمنين وغير مؤمنين، بناءً على الاختيار الانتخابي. وهذا من أخطر أشكال الاستقطاب، إذ ينقل الخلاف السياسي من مجال الاجتهاد المشروع إلى مجال الاتهام الأخلاقي والديني.
👈🏼مسؤولية السياسي والناخب
لا تقع مسؤولية هذا الوضع على الأحزاب وحدها، بل تشمل أيضاً الناخب ووسائل الإعلام والنخب الثقافية والدينية. فالناخب مطالب بأن يميز بين الدين بوصفه مرجعية روحية وأخلاقية، وبين استعماله وسيلةً للتأثير الانتخابي. كما أن الإعلام مطالب بعدم إعادة إنتاج الشعارات الدينية من دون تفكيك مضامينها، وبطرح الأسئلة الضرورية حول قابلية الوعود للتنفيذ، ومدى احترامها للدستور والحقوق والحريات.
أما الفاعل السياسي، فعليه أن يتحلى بقدر أكبر من الصراحة. فإذا كان برنامجه مستلهماً من قيم إسلامية، فليقدمه في صورة سياسات محددة: محاربة الرشوة، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وحماية الفئات الهشة، وترسيخ الأمانة في تدبير المال العام، وتحسين الخدمات العمومية. فهذه القيم لا تحتاج إلى احتكار ديني، بل إلى مؤسسات فعالة، وقوانين عادلة، ومراقبة ديمقراطية.
المشكلة ليست في أن يكون السياسي متديناً، ولا في أن يستند إلى قناعاته الدينية في بناء مواقفه. وتبدأ المشكلة عندما يحوّل قناعاته الخاصة إلى معيار لتوزيع الوطنية أو الشرعية، وعندما يعد المواطنين بتطبيق نموذج يعرف مسبقاً أنه غير قابل للتنفيذ ضمن الصلاحيات المتاحة له.
وختاما نقول أن الانتخابات تحتاج إلى منافسة بين برامج واقعية، لا إلى مزايدة في استعمال الرموز الدينية. فالمقدس ينبغي أن يظل بعيداً عن الابتزاز الانتخابي، لأن إدخاله في صراعات الأحزاب يسيء إلى الدين بقدر ما يسيء إلى السياسة. وحين يفشل الحزب الذي رفع شعاراً دينياً، فإن الفشل لا يُحسب عليه وحده، بل قد يُستغل لتشويه القيم التي ادعى تمثيلها.
إن احترام الدين يقتضي عدم توظيفه لتسويق وعود مستحيلة، واحترام الناخب يقتضي تقديم الحقيقة كاملة، لا الاكتفاء بما يثير العاطفة. أما رئاسة الحكومة، فلا تُنال بإظهار الادعاء الأخلاقي، بل بالكفاءة والشفافية والقدرة على تحويل المبادئ العامة إلى قرارات عمومية قابلة للتنفيذ والمحاسبة.
لذلك، لا ينبغي أن يكون السؤال الانتخابي: من يرفع شعاراً دينياً أعلى؟ بل: من يملك برنامجاً أكثر واقعية، ومؤسسات أكثر نزاهة، وقدرة أكبر على خدمة المواطنين؟ فالدين قيمة سامية، والسياسة مسؤولية بشرية، وأخطر ما يمكن فعله هو استخدام الأولى لتبرير العجز عن أداء الثانية.


