كتاب البديل

الدعوة لوقف هجرة العرب والأفارقة تحديداً إلى فرنسا… ياله من غباء سياسي مُقيم !!

محمد عزيز الوكيل

مَن يبحث في الإحصائيات الرسمية للمهاجرين النشطين، المقيمين بالجمهورية الفرنسية، لن يعدم أن يصاب بصدمة ارتدادية، تزيد في تفاقمها هذه المطالبة اليمينية، الغبية، بوقف استقبال المهاجرين المتوافدين على بلاد فولتير، ومونتيسكيو، وفيكتور هيغو… لمجرد استثمار ذلك في منافسات انتخابية يعلم الفرنسيون، قبل غيرهم، أنها ما عادت تبشر بأي خير، خصوصاً بعد أن أصيبت الطبقة السياسية هناك بآفات لم تكن تنتشر في العادة سوى بين سياسيي بلدان العالم الثالث، او بالأحرى، بعد أن تحولت مناطق واسعة من الذهنية الجمعية في فرنسا ذاتها إلى عالم ثالث بكل المعايير.

إذَنْ، ما الذي يمكن أن تقوله لنا تلك الإحصائيات الرسمية؟

لقد عدّ النائب البرلماني الأوروبي فرنسي الجنسية، “كريم زريبي”، أبرزَ أرقامِها عدّاً مصحوباً بنبرةٍ جليةٍ مِلْؤُها الخزيُ والمهانة:

– أربعون في المائة من عمال النظافة في فرنسا هم من المهاجرين؛
– ثلاثون في المائة من عمال قطاع البناء مهاجرون؛
– اثنان وثلاثون في المائة من الحراس الممارسين في المؤسسات الخصوصية للحراسة والأمن مهاجرون؛
– خمسة عشر في المائة من الأطباء هم أيضاً مهاجرون، وتصل نسبتهم إلى ثلاثين في المائة على الصعيد الجهوي، وأكثر من ذلك من الممرضين وتقنيي الصحة من مختلف التخصصات؛
– خمسة وعشرون في المائة من الطُّهاة ومستخدمي المطابخ الفرنسية مهاجرون، وواحد من كل اثنين منهم (أي 50%) ب”ليل دو فرانس” هم كذلك مهاجرون؛
– خمسة عشر في المائة من تجار الصناعات التقليدية مهاجرون…

هؤلاء المهاجرون في سوادهم الأعظم، يضيف ذلك النائب البرلماني الأوروبي، يحترمون القيم الوطنية الفرنسية، ويلتزمون بالتشريعات والقوانين الجاري بها العمل في فرنسا، ويُحبون فرنسا، ويعبرون عن ذلك بمختلف الممارسات والوسائل واللغات، بل إن العسكريين الفرنسيين الذين يعملون خارج الوطن، ضمن مختلف برامج حفظ السلم والأمن، هم أيضا في غالبيتهم العظمى مهاجرون.

ولا يقف الأمر عند الخدمات الدنيا. ذلك أنه بحسب معطيات المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء INSEE، يساهم المهاجرون بـنسبة 15% من الناتج الداخلي الخام الفرنسي، بينما لا يتلقون سوى 9% من المساعدات الاجتماعية. وهذا يُفنّد الأسطورة اليمينية التي تصوّرهم عبئاً على الخزينة العامة. بل إن صندوق التقاعد الفرنسي نفسه يعيش على أكتافهم. لأن فرنسا التي يبلغ فيها معدل الخصوبة 1.8 طفل لكل امرأة، كانت ستدخل في حالة انهيار ديموغرافي لولا الدماء الشابة لهؤلاء المهاجرين.

والغريب المضحك في هذه المفارقة، أن من يطالبون بطرد المهاجرين اليوم، ينسون مثلاً أن منتخب فرنسا لكرة القدم، الذي فاز بكأس العالم في دورتَيْ 1998 و2018، كان 80% من لاعبيه من أصول مهاجرة. فهل سيطالبون أيضاً بوقف هجرة الكؤوس والبطولات إلى بلادهم؟

شخصيا، أكاد أجزم بأن تلك الإحصائيات، “الرسمية”، ينقصها الكثير من الصدق، ومن الشفافية لكونها رسمية بالذات، لأن مئات آلاف آخرين، بل ملايين من هؤلاء المهاجرين ممن لا أوراق لهم، ولا وضعية نظامية، يحملون هم الآخرون فوق كواهلهم الهمَّ التنموي وبالتالي الأمني الفرنسي، ولن يفطن الفرنسيون، المتذمرون من هؤلاء المهاجرين، إلى الخدمة الجسيمة التي يؤديها هؤلاء لاقتصاد فرنسا، ولأمنِها واستقرارِها الداخليَّيْن، إلاّ يوم “يباتو هؤلاء ما يصبحو”، كما يقول التعبير المغربي الدارج، وساعتئذ، ستتوقف الحياة هناك، ويُصاب عَصَبُها بالشلل الجزئي، وربما الكُلّي، في جميع القطاعات المشار إليها في معرض كلمة ذلك البرلماني أعلاه.

وبالمناسبة، فقد ألقى النائب المذكور تلك الكلمة في جلسة من جلسات برلمان الاتحاد الأوروبي، مطالباً في نهايتها بإيلاء هؤلاء المهاجرين ما يستحقونه من الاعتبار، ومن الاعتراف بالجميل، لأنهم يفنون زهراتِ شبابهم وأعمارَهم من أجل أن تحتفظ فرنسا بمكانتها الريادية، التي أصبحت مهزوزة أكثر من أي وقت مضى، فكيف سيكون حالُها لو أن مسؤوليها انصتوا وتفاعلوا إيجابيا مع دعوة اليمين، الذي يتخذ من المهاجرين حائطاً قصيراً يمارس هوايةَ القفز فوقه عند كل استحقاق انتخابي جديد !

أوقفوا الهجرة إذَنْ إن استطعتم، وانظروا ماذا سيحدث في اليوم الموالي. ستكتشفون حينها أن فرنسا التي يحلم بها اليمين، فرنسا “البيضاء النقية”، ليست سوى ورشات بناء مهجورة، ومستشفيات بلا أطباء، ومطاعم بلا طُهاة، وبنايات ومرافق ومؤسسات بلا عسس…

إنه فعلاً غباءٌ سياسي مُقيم، لكنه غباء انتحاري بكل تأكيد… عجبي !!!
____________

محمد عزيز الوكيلي

إطار تربوي متقاعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى