21 شتنبر .. اليوم الدولي للسلام… واقعٌ يُنهي الكلام
العالم يرفع شعار «استثمروا في السلام» فيما الحروب والتهجير والتسلح تتولى الرد… فحين تصبح الوقائع أبلغ من الخطب، لا يعود السلام مناسبة للاحتفال بقدر ما يصبح سؤالًا محرجًا للبشرية كلها

اليوم الدولي للسلام… واقعٌ يُنهي الكلام
العالم يرفع شعار «استثمروا في السلام» فيما الحروب والتهجير والتسلح تتولى الرد… فحين تصبح الوقائع أبلغ من الخطب، لا يعود السلام مناسبة للاحتفال بقدر ما يصبح سؤالًا محرجًا للبشرية كلها
بقلم: بوشعيب حمراوي
يحل اليوم، 21 شتنبر، اليوم الدولي للسلام، فتُرفع الحمائم البيضاء، وتُقرع أجراس السلام، وتصدر الرسائل والبيانات، ويتحدث القادة عن الحوار والتسامح والتعايش وحق الشعوب في الأمن والكرامة، وكأن العالم على موعد سنوي مع استراحة أخلاقية قصيرة يتذكر خلالها أن الإنسان لم يُخلق ليعيش تحت القصف، وأن الحدود لا ينبغي أن تتحول إلى مقابر، وأن الخلاف السياسي مهما اشتد لا يفترض أن ينتهي بصاروخ أو بطائرة مسيّرة أو بقافلة من النازحين.
لكن الواقع لا يحتاج إلى كثير من الكلام.
يكفي أن نضع خريطة العالم أمامنا في هذا اليوم بالذات: حرب مستمرة في أوكرانيا، وشرق أوسط تتشابك فيه جبهات غزة وإيران واليمن والخليج والبحر الأحمر، وسودان ما زال ينزف، وشرق الكونغو لم يستقر، وملايين البشر موزعون بين مخيمات النزوح واللجوء، فيما تستمر سباقات التسلح وترتفع النفقات العسكرية إلى مستويات تاريخية، وتتعثر اتفاقات وقف إطلاق النار أو تتحول إلى فترات هشة بين جولتين من القتال. ويجتمع قادة العالم هذا الأسبوع في نيويورك فيما تصف الأمم المتحدة هدف الدورة الحالية بأنه دفع العمل الجماعي من أجل السلام والكرامة والمساواة.

ثم نسأل: ماذا بقي للكلام عن السلام عندما يصبح الواقع أكثر بلاغة من كل الخطب؟
فالعالم الذي خصص يومًا للسلام هو نفسه العالم الذي سجل خلال سنة واحدة أكبر عدد من النزاعات المسلحة المرتبطة بدول منذ بدء الإحصاء الحديث، وأنفق قرابة ثلاثة تريليونات دولار على جيوشه، وترك أكثر من مائة مليون إنسان خارج بيوتهم قسرًا بسبب الحروب والعنف والاضطهاد. ولهذا فإن 21 شتنبر لا يبدو هذه السنة عيدًا للسلام بقدر ما يبدو موعدًا سنويًا لمحاسبة العالم على فشله في تحقيقه.
يوم أُحدث لكي تصمت الأسلحة
أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة اليوم الدولي للسلام سنة 1981، ثم قررت سنة 2001 تثبيت 21 شتنبر يومًا عالميًا للاعنف ووقف إطلاق النار. أي أن الفكرة الأصلية لم تكن صناعة مناسبة بروتوكولية جديدة، بل دعوة العالم إلى أن يجرب، ولو ليوم واحد، أن يوقف القتال ويمنح السياسة والحوار فرصة.
أما شعار سنة 2026 فهو:
«استثمروا في السلام: من أجل الجميع، في كل مكان، كل يوم».
وتوضح الأمم المتحدة أن السلام ليس مجرد غياب الحرب، بل أن يعيش الإنسان في أمان وكرامة، وتتوفر له الفرص، ويشعر بأنه جزء من مجتمع قادر على التعاون والحوار. كما تكرم المناسبة هذه السنة من تسميهم المنظمة «مهندسي السلام اليوميين»؛ أولئك الذين يبنون الاستقرار داخل المدارس والأحياء والمجتمع المدني بعيدًا عن عدسات المؤتمرات الكبرى.
العالم يستثمر… لكن أين؟
إذا كانت الأمم المتحدة تطلب من العالم أن يستثمر في السلام، فإن تقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام يضع أمامنا رقمًا يستحق التأمل: الإنفاق العسكري العالمي بلغ 2.887 تريليون دولار خلال سنة 2025، وهو أعلى مستوى سجله المعهد، وللسنة الحادية عشرة على التوالي من الارتفاع. وقد استحوذت الولايات المتحدة والصين وروسيا وحدها على 51 في المائة من مجموع الإنفاق العالمي.
لا يعني ذلك أن الدفاع عن الدول لا يحتاج إلى ميزانيات أو أن كل إنفاق عسكري مرادف للحرب، لكن المقارنة تصبح مشروعة في يوم عنوانه «استثمروا في السلام».
كم ينفق العالم على منع الحروب قبل وقوعها؟ وكم يستثمر في الوساطة والتعليم والصحة والتنمية ومحاربة الهشاشة والإقصاء وبناء المؤسسات القادرة على استيعاب الخلافات قبل أن تتحول إلى بنادق؟
إن السلام الذي لا نرغب في تمويله قبل الحرب يصبح أغلى بكثير عندما نضطر إلى تمويل الإغاثة وإعادة الإعمار واللاجئين وحفظ السلام بعدها.
65 نزاعًا… والرقم وحده يكفي
سجل برنامج أوبسالا لبيانات النزاعات خلال سنة 2025 65 نزاعًا مسلحًا كانت دولة طرفًا في أحد جانبيها على الأقل، وهو أعلى رقم منذ بدء الإحصاء سنة 1946، كما صُنف 13 منها حروبًا تجاوزت كل واحدة ألف قتيل مرتبط بالمعارك خلال سنة واحدة، وهو أعلى عدد منذ 1992. وبلغ عدد ضحايا العنف المنظم خلال السنة نحو 244 ألفًا و600 شخص.
هذه الأرقام وحدها تكفي لكي تجعل من اليوم الدولي للسلام مناسبة للمساءلة لا للاحتفال.
فبعد أكثر من ثمانية عقود على إنشاء الأمم المتحدة حتى لا تتكرر كوارث الحرب العالمية، ما زالت البشرية قادرة على تطوير تكنولوجيا الحرب بسرعة أكبر من قدرتها على تطوير أدوات منعها.
117.8 مليون إنسان خارج بيوتهم
أما الوجه الإنساني للحرب فتلخصه مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين: 117.8 مليون إنسان كانوا نازحين قسرًا بنهاية 2025 نتيجة الاضطهاد والنزاعات والعنف وانتهاكات حقوق الإنسان والاضطرابات الخطيرة. ومن بينهم عشرات الملايين من اللاجئين وطالبي اللجوء والنازحين داخل بلدانهم.
لكن عبارة «117.8 مليون نازح» باردة جدًا.
وراءها بيت تُرك، وأب فقد مصدر رزقه، وطفل استبدل مدرسته بخيمة، وأم تنتظر خبراً عن مفقود، وأسرة لا تعرف إن كانت ستعود يومًا إلى المكان الذي تسميه وطنًا.
الحرب تُكتب على الخرائط بخطوط الجبهات، لكنها تُعاش في التفاصيل الصغيرة لحياة البشر.

حتى الهدنة ليست سلامًا
غزة تقدم مثالًا صارخًا على الفرق بين وقف الجزء الأكبر من القتال وبين بناء السلام. فبعد وقف إطلاق النار، ما زال الإعمار متعثرًا، ويعيش عدد كبير من السكان في مساكن مؤقتة أو مبان متضررة؛ وفي 17 شتنبر فقط أدى انهيار مبنى متضرر سابقًا من القصف إلى مقتل 21 شخصًا، بينما أنقذ 45 من تحت الأنقاض.
فالسلام ليس أن تتوقف القنبلة اليوم فقط.
السلام أن يجد الناجي بيتًا غدًا، وأن يعود الطفل إلى المدرسة، وأن يستعيد المستشفى قدرته على العلاج، وأن تصبح التسوية السياسية أقوى من الرغبة في العودة إلى الحرب.
والحرب لم تعد تبقى داخل حدودها
في مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة والتجارة في العالم، لم تعبر خلال عطلة نهاية الأسبوع الأخيرة سوى 17 سفينة بضائع، مقابل متوسط يقارب 125 سفينة يوميًا قبل الحرب. وأصبحت شركات نقل النفط تلجأ إلى ترتيبات أكثر كلفة وتعقيدًا لضمان استمرار الإمدادات.
وفي اليمن، أدت عودة القتال خلال الأسابيع الأخيرة إلى نزوح 112 ألف شخص على الأقل داخل البلاد، بينما فر قرابة ثلاثة آلاف بحرًا إلى جيبوتي.
وهكذا، قد ينطلق الصاروخ على بعد آلاف الكيلومترات من المواطن، لكن أثره يصل إليه في فاتورة الوقود وثمن الغذاء والنقل والتضخم.
الحرب أصبحت عالمية حتى عندما تبدو محلية.
ومع ذلك… الجميع يعود في النهاية إلى التفاوض
رغم كل هذا التصعيد، لا تختفي الدبلوماسية. تتحرك وساطات في الشرق الأوسط، وتجري اتصالات لاحتواء المواجهات، وفي الملف الأوكراني اتفق الرئيس فولوديمير زيلينسكي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب على لقاء في نيويورك وسط مساعٍ جديدة لدفع جهود إنهاء الحرب.
وهنا تكمن واحدة من أكبر مفارقات الحروب:
لماذا يعود الجميع في النهاية إلى الوسطاء وطاولات التفاوض، بعد أن يكون آلاف البشر قد قُتلوا وملايين شُردوا؟
إذا كان الحوار هو المحطة التي لا مفر منها، فلماذا لا نصل إليها قبل المقابر؟
غوتيريش: السلام أصبح نادرًا بصورة خطيرة
لم يقدم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش رسالة احتفالية مريحة هذا العام. بل قال إن العالم يواجه وقتًا أصبح فيه السلام «نادرًا بصورة خطيرة»، وإن النزاعات تتوسع وتزداد تعقيدًا وتتجاوز الحدود، بينما يتعثر الحوار وتتراجع روح التضامن الدولي. ودعا إلى الاستثمار في الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية وحقوق الإنسان، وإلى تعزيز أدوات الدبلوماسية والحوار والتفاوض وحفظ السلام.
وقد قال عند قرع جرس السلام يوم 9 شتنبر إن هذه ستكون المرة الأخيرة التي يقرع فيها الجرس بصفته أمينًا عامًا للأمم المتحدة.
لكن السؤال ليس كم مرة سيُقرع الجرس.
السؤال: هل يسمعه من يقررون الحرب؟
اليوم الدولي للسلام… واقعٌ يُنهي الكلام
لا يحتاج العالم إلى إلغاء اليوم الدولي للسلام لأن السلام لم يتحقق.
بل ربما يحتاج إليه أكثر من أي وقت مضى، لكن ليس باعتباره يومًا للحمائم والصور والرسائل الجاهزة، وإنما موعدًا لمحاسبة البشرية على المسافة بين ما تقوله وما تفعله.
فالسلام ليس كلمة في خطاب، ولا هدنة تسمح للجيوش بإعادة ترتيب مواقعها، ولا صورة مصافحة أمام الكاميرات.
السلام طفل لا يعرف صوت الصاروخ، ومدرسة لا تُقصف، وأسرة لا تهرب من بيتها، ومواطن لا يدفع ثمن حرب لم يخترها، ودولة تعتبر الحوار قوة لا ضعفًا.
وفي عالم أنفق سنة واحدة 2.887 تريليون دولار عسكريًا، وسجل 65 نزاعًا مسلحًا مرتبطًا بدول، وترك 117.8 مليون إنسان مهجرين قسرًا، يصبح شعار الأمم المتحدة أقل شبهًا بجملة احتفالية وأكثر شبهًا بنداء عاجل: استثمروا في السلام. ليس في 21 شتنبر فقط.
بل قبل أن تصبح الحرب خبرًا عاجلًا، وقبل أن يصبح الإنسان رقمًا، وقبل أن يأتي يوم سلام آخر ليعيد علينا الكلمات نفسها… فيما الواقع يُنهي الكلام.



