ميساج

المغرب ينمو بـ4%… لكن ماذا لو حذفنا المطر من المعادلة؟

الفلاحة تقفز بـ21.2% والأنشطة غير الزراعية لا تتقدم سوى بـ1.5%، فيما تتراجع الصناعة… أرقام تفرض سؤالًا أكبر من نسبة النمو: أي اقتصاد نريد للمغرب؟

المغرب ينمو بـ4%… لكن ماذا لو حذفنا المطر من المعادلة؟

الفلاحة تقفز بـ21.2% والأنشطة غير الزراعية لا تتقدم سوى بـ1.5%، فيما تتراجع الصناعة… أرقام تفرض سؤالًا أكبر من نسبة النمو: أي اقتصاد نريد للمغرب؟

بقلم: بوشعيب حمراوي

حين تعلن مؤسسة رسمية أن الاقتصاد المغربي حقق نموًا بنسبة 4 في المائة، فإن الرقم يبدو، للوهلة الأولى، مطمئنًا؛ أربعة في المائة أفضل من الركود، وأفضل بكثير من الانكماش، ويمكن أن تصبح بسهولة عنوانًا مريحًا في نشرات الأخبار والخطابات الاقتصادية.
لكن الاقتصاد لا يُقرأ من عنوانه.
والرقم الذي يستحق أن نتوقف عنده ليس فقط 4 في المائة، وإنما الأرقام الموجودة تحته.

فحسب الحسابات الوطنية التي نشرتها المندوبية السامية للتخطيط بخصوص الفصل الثاني من سنة 2026، تباطأ النمو الاقتصادي إلى 4 في المائة مقابل 5.8 في المائة خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، بينما قفزت القيمة المضافة للقطاع الفلاحي بنسبة 21.2 في المائة، في حين لم تتقدم الأنشطة غير الزراعية سوى بـ1.5 في المائة.وهنا يصبح السؤال مشروعًا، ليس للتهويل ولا للتقليل من أهمية الموسم الفلاحي، ولكن لفهم طبيعة اقتصادنا:
ماذا لو حذفنا المطر من معادلة النمو؟

الحمد لله على المطر… لكن الاقتصاد لا ينبغي أن ينتظره

لا أحد يمكنه التقليل من أهمية الفلاحة في المغرب.
فالقطاع يوفر الشغل لملايين المواطنين بصورة مباشرة وغير مباشرة، ويرتبط بالعالم القروي والأمن الغذائي والصادرات، وكل موسم مطري جيد ينعكس على دخل الأسر القروية والاستهلاك والأسواق ومختلف الأنشطة المرتبطة بالفلاحة.


ومن حق المغرب أن يفرح بالمطر، وأن يستفيد اقتصاده من موسم فلاحي جيد.
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الفرق بين سنة اقتصادية قوية وسنة ضعيفة مرتبطًا بما تجود به السماء.
فالمطر نعمة، لكنه ليس سياسة اقتصادية.
والسؤال الذي ظل المغرب يطرحه منذ عقود هو نفسه الذي تعيده أرقام الفصل الثاني من 2026 إلى الطاولة:
متى يصبح الاقتصاد المغربي قويًا بما يكفي لكي يستفيد من المطر عندما يأتي، لكنه لا يتعثر عندما يغيب؟

الأرقام الرسمية تجعل السؤال أكثر إلحاحًا. فالقطاع الأولي حقق نموًا قويًا بلغ 20.9 في المائة، مدفوعًا بالفلاحة والصيد البحري، بينما انكمش القطاع الثانوي بنسبة 3.9 في المائة بعد أن كان قد سجل نموًا بـ5.8 في المائة خلال الفترة نفسها من السنة السابقة.
أي أن أحد محركات الاقتصاد يضغط بقوة على دواسة السرعة، بينما محرك آخر مهم يسير في الاتجاه المعاكس.

الصناعة هي الرقم الذي يجب أن يقلقنا
الأكثر إثارة للانتباه ليس فقط ضعف نمو الأنشطة غير الزراعية، بل ما وقع داخل الصناعة نفسها.
القيمة المضافة للصناعات التحويلية تراجعت بـ3.2 في المائة بعدما كانت قد ارتفعت بـ4.3 في المائة قبل سنة، بينما تراجعت الصناعات الاستخراجية بـ28.6 في المائة، وتباطأ نمو البناء إلى 2.8 في المائة، والكهرباء والماء إلى 1.9 في المائة.
وتؤكد معطيات أخرى للمندوبية الاتجاه نفسه؛ إذ تراجع مؤشر إنتاج الصناعات التحويلية، باستثناء تكرير النفط، بـ4.5 في المائة خلال الفصل الثاني من 2026، وإن كانت بعض الفروع قد سجلت أداءً إيجابيًا، ومنها صناعة السيارات التي ارتفعت بـ6 في المائة والصناعات المعدنية بـ11.6 في المائة.
إذن الصورة ليست سوداء ولا بيضاء.
هناك قطاعات صناعية تتحرك إلى الأمام، وأخرى تتراجع بقوة.
وهنا بالتحديد يجب أن يبدأ النقاش الجدي.
لأن المغرب الذي يريد أن يصبح منصة صناعية إفريقية ومتوسطية، ويراهن على السيارات والطيران والإلكترونيات والطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، لا يمكن أن يكتفي بمتابعة معدل النمو العام ويترك تفاصيل الصناعة في الهوامش.
فالاقتصاد القادر على خلق الوظائف المستقرة ورفع الإنتاجية وزيادة الصادرات يحتاج إلى مصانع تنتج، ومقاولات تستثمر، وبحث وتطوير، ويد عاملة مؤهلة، وأسواق خارجية، وليس فقط إلى موسم فلاحي جيد.

4%… ولكن من أين جاءت؟

ليست كل نقطة نمو مثل الأخرى.
يمكن لدولة أن تحقق النمو بفضل ارتفاع استثنائي في محصول زراعي، ويمكن لدولة أخرى أن تحققه بفضل الصناعة والتكنولوجيا والصادرات والاستثمار المنتج.
الرقم النهائي قد يكون نفسه.
لكن قدرة الاقتصادين على الصمود أمام الصدمات ليست نفسها.
وهذه ربما إحدى أهم الرسائل التي تحملها أرقام المندوبية.
فالأنشطة غير الفلاحية انتقلت من نمو بـ4.9 في المائة خلال الفصل الثاني من 2025 إلى 1.5 في المائة فقط خلال الفترة نفسها من 2026.
هذا الرقم الصغير ربما يستحق اهتمامًا أكبر من رقم 4 في المائة الكبير.

لأن الفلاحة ستظل بطبيعتها عرضة للمناخ والجفاف وتقلبات التساقطات، مهما تطورت تقنيات الري والتحلية والتدبير المائي.
أما الصناعة والخدمات ذات القيمة المضافة العالية والاقتصاد الرقمي والبحث والتطوير، فهي المجالات التي يمكنها منح الاقتصاد قدرة أكبر على الاستمرار عندما تكون السنة الفلاحية صعبة.

حتى التوقعات لم تصمد أمام الواقع

واللافت أن المندوبية نفسها كانت تتوقع في يوليوز أن يحقق الاقتصاد نموًا بـ4.8 في المائة خلال الفصل الثاني، مدفوعًا بتعزيز النشاط الزراعي وصمود الخدمات واستمرار الطلب الداخلي. لكن الحسابات الوطنية المنشورة في نهاية شتنبر أظهرت أن النمو الفعلي بلغ 4 في المائة.
لا يعني ذلك خطأ المؤسسة، فالتوقع الاقتصادي ليس وعدًا، بل تقدير مبني على المعطيات المتوفرة في لحظته.
لكنه يذكرنا بشيء مهم:
الاقتصاد أكثر تعقيدًا من أن يُدار بعناوين متفائلة، وأكثر تقلبًا من أن نكتفي بتوقع رقم النمو. المهم هو معرفة ما يوجد داخله.

الطلب الداخلي يحمل النمو… إلى متى؟

تقول المندوبية أيضًا إن النمو خلال الفصل الثاني كان مدعومًا أساسًا بالطلب الداخلي، في وقت تفاقمت فيه حاجة الاقتصاد الوطني إلى التمويل.
وهنا يظهر سؤال آخر. الاستهلاك والاستثمار ضروريان للنمو، لكن الاقتصاد يحتاج في المقابل إلى توسيع قاعدة الإنتاج والتصدير وخلق قيمة مضافة محلية أكبر، حتى لا تصبح زيادة الطلب سببًا دائمًا لزيادة الاستيراد والضغط على الميزان الخارجي.
المغرب ينجز اليوم أوراشًا ضخمة، ويستثمر في الطرق والسكك والموانئ والمطارات والملاعب والطاقة والصناعة.

وهذا الاستثمار يمكن أن يكون رافعة قوية للنمو إذا تحول إلى قدرة إنتاجية دائمة.
أما التحدي فهو ألا ينتهي الورش بانتهاء الإسمنت والحديد والآليات التي أنجزته، بل أن يترك خلفه مصانع ومقاولات وفرص عمل وتنافسية وإنتاجًا يستطيع المغرب بيعه داخليًا وخارجيًا.
لا نريد اقتصادًا ضد الفلاحة… بل اقتصادًا لا ترهنه الفلاحة
يجب ألا نفهم السؤال «ماذا لو حذفنا المطر من المعادلة؟» باعتباره دعوة إلى التقليل من الفلاحة.

العكس هو الصحيح. نحتاج إلى فلاحة أقوى وأكثر قدرة على مقاومة الجفاف، وإلى إنتاج غذائي أكبر، واستعمال أكثر عقلانية للماء، وتصنيع غذائي يحول المنتجات الفلاحية إلى قيمة مضافة ووظائف.
لكننا نحتاج في الوقت نفسه إلى اقتصاد تصبح فيه الفلاحة واحدًا من محركات النمو لا المحرك الذي ننتظر منه إنقاذ بقية المحركات كلما هطل المطر.

المغرب الذي يستعد لعام 2030 وما بعده يحتاج إلى صناعة قوية، وتكنولوجيا، وابتكار، وبحث علمي، ومقاولات صغيرة ومتوسطة قادرة على النمو، ومدرسة وجامعة تنتجان الكفاءات التي تحتاج إليها هذه التحولات.

الاقتصاد الحديث لا ينتظر الغيوم.

السؤال ليس كم نمونا… بل كيف نمونا؟
رقم 4 في المائة ليس رقمًا سيئًا في حد ذاته.
لكنه يصبح أقل طمأنينة عندما نضع إلى جانبه:
+21.2% للفلاحة.
+1.5% فقط للأنشطة غير الزراعية.
-3.9% للقطاع الثانوي.
-3.2% للصناعات التحويلية.
عندها يتغير السؤال.
لا يعود: كم نما الاقتصاد المغربي؟
بل: من الذي صنع هذا النمو؟ وهل يستطيع أن يصنعه مرة أخرى إذا كانت السماء أقل كرمًا؟
هذه هي القضية. لا نريد من المغرب أن يتوقف عن الدعاء من أجل المطر؛ فالماء حياة، والفلاحة ركيزة أساسية للاقتصاد والمجتمع.
لكن بين الدعاء للمطر وصناعة الاقتصاد توجد مسؤولية بشرية كاملة.
فلنفرح حين تمطر السماء… لكن لنبنِ اقتصادًا يستطيع أن ينمو حتى عندما تتأخر الغيوم. أو يؤجل الغيث موسمه السنوي…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى