كتاب البديل

التمكين السياسي للمرأة والتحول الديمقراطي بالمغرب: قراءة في الأبعاد الدستورية والاستراتيجية لتعيين الأستاذة فاطمة الزهراء المنصوري لرئاسة الحكومة

 

مقدمة :
يمثل القرار الملكي السامي القاضي بتعيين الأستاذة فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة قيادة حزب الأصالة والمعاصرة، رئيسةً للحكومة وتكليفها بتشكيلها بناءً على أحكام الفصل 47 من الدستور، حدثاً فارقاً في الممارسة الدستورية والسياسية بالمملكة المغربية.
إن هذا التعيين لا يشكل مجرد استجابة لنتائج الصناديق الانتخابية، بل يُعد تتويجاً استراتيجياً للتراكم التحديثي والمؤسساتي الذي قاده العرش على مدى عقود. إن قراءة هذا الحدث من منظور الفكر الدستوري والتحليل السياسي تؤكد أن تجربة المملكة المغربية صاغت نموذجاً فريداً يربط بين “الإصلاح في ظل الاستقرار” و”التمكين الفعلي للمرأة كفاعل رئيسي في قيادة الدولة”.

أولاً: التأسيس التاريخي للمواطنة السياسية (من دستور 1962 إلى مطلع التسعينيات)

أرست المملكة المغربية منذ أول وثيقة
دستورية لسنة 1962 القواعد الأساسية لمواطنة متكافئة. فقد نصت المادة الثامنة من دستور 14 ديسمبر 1962 صراحة على المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق السياسية، لاسيما ممارسة الحقوق الانتخابية ترشحاً وتصويتاً.
1. القطع مع الإقصاء التاريخي: أخرج النص الدستوري الأول المشاركة النسائية من منطق المساهمة التلقائية في الحركة الوطنية إبان فترة النضال من أجل الاستقلال، إلى الإطار المؤسساتي المنظم للدولة الحديثة.
2. التطور المتدرج في دساتير (1970 – 1972 – 1992): ظلت القاعدة الدستورية تؤكد الثابت المتعلق بالمساواة السياسية، غير أن دستور 1992 أحدث نقلة نوعية عبر النص صراحة في ديباجته على التزام المملكة بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالمياً، مما مهد الطريق لإزالة التناقضات بين التشريع الوطني والمعايير الدولية.

ثانياً: الدينامية الحقوقية والانفتاح على المرجعية الدولية (1993 – 2004)

شكل انضمام المغرب للاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW) سنة 1993 مدخلاً استراتيجياً لمراجعة الترسانة التشريعية الوطنية:
الملاءمة التشريعية والدستورية: أفرزت الدينامية الحقوقية المتفاعلة بين المطالب المدنية والتوجهات الملكية السامية بيئة ملائمة لإعادة هيكلة التشريعات الوطنية المناهضة للتمييز.
النضال النسوي والوعي المجتمعي: لعبت الحركة النسائية والمنظمات الأكاديمية والحقوقية دوراً محورياً في صياغة مذكرات ترافعية ركزت على تحويل “المساواة القانونية” إلى “مساواة فعلية” ترفع كافة صور الحيف عن المرأة.

ثالثاً: مدونة الأسرة لسنة 2004: الثورة الهادئة في بناء دولة المواطنة

تُعد مدونة الأسرة الصادرة عام 2004 إحدى أبرز المحطات الإصلاحية الفارقة في تاريخ المغرب الحديث، حيث تميزت برؤية ملكية متبصرة جمعت بين مقاصد الشريعة الإسلامية ومقتضيات الكونية والحداثة:
التحول من “الوصاية” إلى “الشركاء”: ألغت مدونة الأسرة التقعيد الفقهي القديم الذي ينظر للمرأة بعين القيد أو القصور القانوني، وأرست مبدأ “المسؤولية المشتركة بين الزوجين في تدبير الأسرة”.
الأهلية القانونية الكاملة: عبر رفع سن الزواج، وتأسيس القضاء الأسري المتخصص، وتقييد التعدد والتطليق للإضرار، استعادت المرأة مكانتها الكاملة كمواطنة مالكة لإرادتها وصانعة للقرار داخل الأسرة وخارجها، وهو ما عكس انعكاساً مباشراً على استقلاليتها الجسدية والمعنوية والسياسية.

رابعاً: هندسة المناصفة في وثيقة 2011: التحول من “الكوتا” إلى الاستحقاق الدستوري

ارتقى دستور 2011 بالحقوق السياسية للمرأة من مجرد ضمانات قانونية عامة إلى التزام دستوري صريح بالمناصفة والمساواة:
1. الهندسة المعيارية للفصل 19 من الدستور
أقر الفصل 19 تمتع الرجل والمرأة على قدم المساواة بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، وألزم الدولة بالسعي نحو تحقيق المناصفة بين الجنسين، مع إحداث “الهيئة المكلفة بالمناصفة ومحاربة كل أشكال التمييز”.
2. التمييز الإيجابي وتعزيز التمثيلية النيابية والترابية
تُرجمت الإرادة الدستورية عبر إصلاح القوانين التنظيمية المتعلقة بانتخاب أعضاء مجلس النواب ومجلس المستشارين والمجالس الجماعية والجهوية. ونتج عن هذه الإصلاحات:
الانتقال المتدرج للتمثيلية النسائية بالبرلمان من نسبة رمزية لا تتعدى 1% في التسعينيات إلى تجاوز نسبة 24% في الولايات الأخيرة.
اقتحام المرأة لمناصب تدبير مجالس الجهات والمجالس الجماعية الكبرى (كما أثبتت التجربة القيادية للأستاذة فاطمة الزهراء المنصوري كعمدة لمدينة مراكش).

خامساً: تعيين الأستاذة فاطمة الزهراء المنصوري لرئاسة الحكومة: القراءة الأكاديمية والأبعاد الاستراتيجية

إن النطق بالتعيين الملكي السامي للأستاذة فاطمة الزهراء المنصوري رئيساً للحكومة بناءً على نتائج الانتخابات التشريعية لسنة 2026 (والتي تصدرها حزب الأصالة والمعاصرة بـ 97 مقعداً) يمثل المرحلة العُليا في مسار التمكين السيادي للمرأة المغربية.
1. البعد المؤسساتي والدستوري
يؤكد التعيين النضج المؤسساتي للدولة المغربية؛ إذ يجسد التفعيل الكامل لمقتضيات الفصل 47 من الدستور الذي يقضي بتعيين رئيس الحكومة من الحزب الذي يتصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب. وبذلك، تجاوز النموذج المغربي النظريات التقليدية التي تحد تمثيلية النساء في قطاعات اجتماعية أو مناصب استشارية، ليتوج المرأة على رأس الهرم التنفيذي للدولة.
2. الشرعية الانتخابية والمهنية
إن العوامل المحددة لهذا التعيين استندت إلى تراكم متين:
التكوين الأكاديمي والمهني: ممارسة المحاماة والتخصص في القانون التجاري والعقاري.
الخبرة التدبيرية الترابية والوزارية: النجاح في قيادة الشأن المحلي بعمودية مراكش، والتمرس الوزاري على رأس وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة.
القيادة الحزبية: قيادة حزب سياسي وطني رئيسي ضمن صيغة القيادة الجماعية للحزب.
3. الرسالة الاستراتيجية الموجهة للخارج والداخل
يقدم هذا التعيين رسالة دالة للرأي العام الوطني والدولي:
داخلياً: يعزز الثقة لدى المرأة المغربية والأجيال الصاعدة بأن الكفاءة والاستحقاق والمواطنة هي المعايير الوحيدة للوصول إلى أرفع مناصب القرار.
خارجياً: يكرس “الاستثناء المغربي” وريادة المملكة إقليمياً وقارياً ودولياً كدولة راعية لحقوق الإنسان وسبّاقة لتجسيد قيادة المرأة للتجربة الحكومية والتنموية.
خاتمة :
تثبت هذه الدراسة التحليلية أن تعيين الأستاذة فاطمة الزهراء المنصوري رئيسةً للحكومة ليس نتاج خطوة معزولة، بل هو ثمرة رؤية استراتيجية متبصرة للسدة العالية بالله الملك محمد السادس نصره الله، حوّلت مقولة “إنصاف المرأة المغربية” من شعار سياسي إلى واقع مؤسساتي مكتمل الأركان.
لقد برهن المغرب أن الديمقراطية والتنمية لا يمكن تحقيقهما بمعزل عن الاستثمار في الطاقات البشرية الوطنية بكامل مكوناتها الذكورية والأنثوية. وتأتي هذه المحطة التاريخية لتضع الحكومة الجديدة أمام مسؤولية استكمال تحويل هذه المكاسب الدستورية إلى برامج تنموية واقتصادية واجتماعية تخدم كافة المواطنين وتحقق تطلعات العرش والشعب.

بقلم : الدكتور المصطفى قاسمي
أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية — جامعة الحسن الأول، سطات
محلل سياسي وخبير استراتيجي

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى