كتاب البديل

العقل الرقمي: الإنسان هو هو.. والأسلحة وحدها تتعدد وتتنوّع

العقل الرقمي: الإنسان هو هو.. والأسلحة وحدها تتعدد وتتنوّع

 

انتشر في الأيام الأخيرة فيديو قيل إنه من إنجلترا، يتحدث عن عقل رقمي “خرج عن مهمته ورفض العودة”. ثم انهالت عبارات التهويل والتعليقات المرعبة: “بدأت النهاية… الآلة تتمرد علينا”…
“العقل الاصطناعي يؤكد أنه قادر على سحق الإنسان”… بلا بلا بلا بلا… وأعتقد أن هذه الفذلكات صادرة عن أشخاص يعارضون الاستعانة بالعقل الرقمي أساساً، ولذلك يفبركون هذا النوع من الفيديوهات لدفع الجماهير إلى المطالبة بالتراجع عن استعماله، كما كان يفعل فقهاء السلف عند ظهور الصيحات العلمية والصناعية الأولى!!

شخصياً، لا يهمني كثيراً هذا التوجه المتخلف والنكوصي. فهو خوف قديم قِدم الإنسان، والتاريخ يحكي أنه رافق كل قفزة علمية. فقد خاف معارضوا التطوّر من المطبعة، وقال فقهاء السلفية الأوائل، من مختلف الملل، إنها ستنشر الضلالة والرذيلة، وخافوا من الكهرباء فقالوا إنها ستحرق البيوت والضيعات، وتوجّسوا من القطار وقالوا إنه يشبه ثعبان القبر الأقرع، وإنه سيخلخل الأمعاء ويُفاقم الاضطرابات الجسدية… وعلى هذا النحو عارضوا وحاربوا ظهور المذياع والبرق والهاتف ثم التلفاز، والنقل الجوي… وهلم عبثاً. لكن الذي أثارني حقاً ليس ذلك الفيديو، بل ما سيأتي بعده من ردود فعل إنسانية.

فما يظهر في الفيديو ليس تمرداً، بل هو كما يسميه خبراء السيبرنتيكا “اجتهاد خاطئ”. والسبب في نشوئه أنك – مثلاً – عندما تطلب من العقل الرقمي أن ينظف بريدك، فإنه قد يحذف رسائل لم تطلب أنت حذفها، ليس لأنه يعصى الأوامر الموجهة إليه، وإنما لأنه اجتهد أكثر من اللازم، فحذف مثلاً رسائل اعتبرها فيروسات، أو رأى أنها محاولات لإرادات دخيلة تتجسس على حسابك وإنجازاتك. إنه في حقيقة أمره لا يملك إرادة الهروب، بل يملك فقط لا غير، قدرة تلقائية على إساءة الفهم… وهذا ينبغي أن يُثير انتباهنا إلى أمر في غاية الأهمية، وهو أن الخطر الحقيقي ليس أن يصبح العقل الرقمي شريراً، بل أن يكون الإنسان المستعمِل لممكناته هو الشرير، وهنا تكمن المعضلة.

لقد ظهر العقل الرقمي عند ميلاده كوسيلة لتطوير العلم والبحث العلمي، ولتسريع وتيرة الإنجازات النافعة في الطب والتعليم والفَلَك والفيزياء والرياضيات… وغيرها من مجالات البحث العلمي، التي يكون فيها أسرع وأدق من عقل الإنسان. ولكن كما حدث دائماً، هناك من يفكر الآن في تحويل هذه الوسيلة النبيلة إلى سلاح، وقد بدأ هذا يتجلى فعلا في أشكال مختلفة، من بينها ما ينتجه معارضو هذه النقلة النوعية من فيديوهات ويبثونه من أخبار، يستعملون العقل الرقمي نفسه في صياغتها وتقديمها في قوالب تبدو علمية وقادرة على الإقناع… وهنا أيضاً تكمن أم المشاكل، وهي الاستعمال المبيّت للعقل الرقمي لضرب العقل الرقمي ذاته، في صيغه المتعددة والمختلفة… وهكذا يحوّل الإنسان المستخدِم هذه الوسيلة العلمية المفيدة إلى سلاح فتاك كما فعل بالديناميت، الذي كان الغرض من صناعته حفر الآبار ورص الطرق وتدبير المحاجر والمناجم، وبالطاقة النووية التي كان الغرض منها هي الأخرى توفير الكهرباء والنيران الصناعية، قبل أن يتحول هذان العنصران إلى أسلحة للدمار الشامل، وللهدم بدل البناء.

هذه هي طبيعة التاريخ التي لا تتغير. فالديناميت اخترعه ألفريد نوبل لشق الآبار والطرق، فحولوه إلى مدافع وقذائف؛ والذرة فُجرت في أول الأمر لتوليد الكهرباء، فحولوها إلى قنبلة. والإنترنت انطلق لتيسير تبادل المعارف والمناهج بين الجامعات، فصار ميداناً لحروب إلكترونية تطفئ الأضواء في المستشفيات والمدن والمصانع… والظاهر أن العقل الرقمي يسير اليوم في نفس النفق الرهيب.

يبدو الآن، بعد ذلك الفيديو، الصادر عن إحدى مؤسسات الإعلام في بريطانيا، أن هناك من يدرب العقل الرقمي، بصيغة من صيغه المتوفرة راهناً، ليتحوّل إلى سلاح تضليل من شأنه أن يزوّر وعي أمة كاملة، وهناك من يخطط، على سبيل المثال، لجعله طائرةً مسيرةً تختار أهدافها من تلقاء ذاتها.

وهنا نصل إلى اللحظة الأخطر التي أشرت إليها في إحدى الفقرات سابقة، وهي اللحظة التي يصبح فيها العقل الرقمي في مواجهة نظيره أو نظرائه الرقميين.

إنك حين تطلق عقلاً رقمياً ليحارب عقلاً رقمياً آخر، فإن سرعة المعركة بينهما ستكون بملايين الضربات الإلكترونية والرقمية في الثانية، وهي سرعة تفوق بساعات أو أيام ضوئية قدرة الإنسان الذي ضغط على الزر، فلا يعود في استطاعته إيقافها أو حتى فهم هيروغليفيتها. وبذلك فإنك ستفقد السيطرة ليس لأن الآلة تمردت عليك، بل لأنك أنت مَن تنازلت لها عن حق اتخاذ القرار الأخير، الذي كان في يدك قبل أن تنفذ من تلقاء نفسك تلك “السقطة القاتلة”.

هكذا، مرة أخرى، لن يتغير الشيء الكثير، إذ سيكون الإنسان هو نفسه كالعادة مسؤولاً عن كل ما سيحصل في هذا السياق بظلمه وجهله المعهودَيْن، وإنما الذي سيطاله التغيّر والتبدّل والاختلاف، والحالة هذه، هو السلاح فحسب.. كما في كل مرة.

المعركة إذن ليست بين الإنسان والآلة كما يصوّرها أصحاب تلك الفيديوهات المفبركة. بل المعركة الحقيقية والأزلية ستبقى بين عقل إنساني يريد أن يبني بهذه الأداة الجديدة، وعقل إنساني آخر يريد أن يهدم بها، تماماً كما هو الشأن في كل الطفرات العلمية والصناعية السابقة التي حوّلها الإنسان ذاته إلى أسلحة للقتل والهدم والدمار.

إن فرملة هذا المشوار من التطوّر والتقدم ليست حلاّ، بل ستكون لو نجح الداعون إليها خدمة مجانية للأيدي الخبيثة. وإنما سيكون الحل في لجم تلك الأيدي الخبيثة بقوانين دولية صارمة تمنع تحويل العقول الرقمية إلى أسلحة “ذاتية القرار”، وتُبقي قرار السلم والحرب بيد الإنسان وحده، حتى يكون هو المسؤول عن مآله، ولا يكون مآله بالتالي في يد آلة تحسب جيدا وسريعاً، وتنفذ جيدا وسريعاً، ولكنها لن تستشعر آلام الضحايا والأرامل والثكالى بعد كل معركة يديرها ويُذْكي نيرانها رُسُل خراب رقميون خارج وعيهم وإرادتهم.

لا تخافوا إذَن من ذلك العقل الرقمي الذي قيل إنه تمرّد في إنجلترا، بل خافوا من عقل بشري في مكان ما، يعمل الآن على تحويل وسيلة للعلم والبحث العلمي إلى سلاح عسكري لا يصلح سوى للقتل والتدمير !!
_____________

.محمد عزيز الوكيلي

إطار تربوي متقاعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى