ميساج

هكذا تُقرأ الانتخابات من كل زواياها… المجلس الوطني لحقوق الإنسان يضع الاستحقاق تحت مجهر الحقوق والثقة والمساءلة

تقرير لا يكتفي بالسؤال: هل مرّ الاقتراع بسلام؟ بل يسأل أيضًا: من شارك؟ ومن قاد؟ ومن أُقصي؟ وكيف جرت الحملة؟ وماذا فعل المال والرقمي والذكاء الاصطناعي واللغة والولوجيات؟

هكذا تُقرأ الانتخابات من كل زواياها… المجلس الوطني لحقوق الإنسان يضع الاستحقاق تحت مجهر الحقوق والثقة والمساءلة

تقرير لا يكتفي بالسؤال: هل مرّ الاقتراع بسلام؟ بل يسأل أيضًا: من شارك؟ ومن قاد؟ ومن أُقصي؟ وكيف جرت الحملة؟ وماذا فعل المال والرقمي والذكاء الاصطناعي واللغة والولوجيات؟

بقلم: بوشعيب حمراوي

ليست ملاحظة الانتخابات مجرد الوقوف أمام أبواب مكاتب التصويت، ومراقبة الصناديق والأوراق والمحاضر، ثم إصدار جملة مقتضبة تقول إن الاقتراع مرّ في ظروف عادية أو إنه عرف بعض الخروقات.

فالانتخابات، في معناها الديمقراطي والحقوقي، أكبر بكثير من يوم التصويت. تبدأ قبل ذلك بأشهر، بالقانون واللوائح والترشيحات والتمويل والحملة والولوج إلى الإعلام والفضاء الرقمي، وتمر عبر موقع النساء والشباب والأشخاص في وضعية إعاقة ومغاربة العالم، ولا تنتهي بإغلاق الصناديق، بل تمتد إلى الفرز والشكايات والطعون والمتابعات القضائية ومدى اطلاع الرأي العام على مآلاتها.

ومن هذه الزاوية تحديدًا، يستحق التقرير الأولي للمجلس الوطني لحقوق الإنسان حول ملاحظة الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026 قراءة تتجاوز البحث عن عبارة تؤكد نزاهة الانتخابات أو فقرة تسجل مخالفة هنا أو هناك.

قيمة الوثيقة في اتساع زاوية النظر.

المجلس لم يحصر الانتخابات في الصندوق، بل قرأها باعتبارها مسارًا سياسيًا وحقوقيًا ومجتمعيًا ورقميًا ومجاليًا.
وهنا تبدأ أهمية التقرير.
فمنذ صفحاته الأولى، نجد أنفسنا أمام محاولة لوضع الاستحقاق داخل سياقه؛ سياق تراجع الثقة في المؤسسات والوسائط التقليدية، وتنامي حضور المنصات الرقمية، والمعلومات الزائفة، والذكاء الاصطناعي، إلى جانب انشغالات اجتماعية مرتبطة بالشغل والقدرة الشرائية والصحة والتعليم والعدالة المجالية. أي إن المجلس لم يتعامل مع الانتخابات كموعد تقني معزول عن المجتمع الذي يحتضنها. خلاصات المجلس الأولية حول ملاحظة الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026.

وهذه أول رسالة ينبغي التوقف عندها: لا يمكن قياس صحة الانتخابات فقط بسلامة الصندوق، إذا كان المواطن نفسه لا يشعر بأن العملية السياسية تستجيب لانشغالاته أو تمنحه أثرًا حقيقيًا في القرار العام.
تقرير لم يبحث عن البياض الكامل… ولم يرسم السواد الكامل
من أكثر ما يلفت في الوثيقة أنها لم تسقط في إغراءين متناقضين: لا تقديم صورة وردية خالية من الأعطاب، ولا تحويل كل حادث أو مخالفة إلى حكم شامل على الاستحقاق كله.

فالمجلس خلص إلى أن عمليات الاقتراع مرت، بصفة عامة، وفق المساطر القانونية، وأن الملاحظات المسجلة لا تمس الشروط الجوهرية للانتخابات الحرة والنزيهة. لكنه في الصفحة نفسها لم يتردد في تسجيل محاولة تلاعب، وحالات توتر، واختلالات استدعت التحقيق والمتابعة. خلاصات المجلس الأولية حول ملاحظة الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026.

هذه الموازنة ضرورية.
فالرقابة الجدية لا تقوم على البحث عن شهادة حسن سيرة للانتخابات، كما لا تقوم على البحث القسري عن فضيحة. وظيفتها أن تقول ما وقع كما وقع، وأن تضع الإيجابي والسلبي جنبًا إلى جنب.
ولهذا لم يتوقف التقرير عند الانطباع العام، بل نزل إلى التفاصيل الدقيقة ليوم الاقتراع.
رصد حالات تضييق على ملاحظين في جهات مختلفة، ومنع بعضهم أو تأخيرهم عن دخول مكاتب التصويت رغم الإدلاء ببطاقات الاعتماد، وسجل ملاحظات حول تشكيل بعض المكاتب وإحصاء أوراق التصويت وإجراءات الصناديق والفرز. خلاصات المجلس الأولية حول ملاحظة الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026.
وقد تبدو هذه التفاصيل صغيرة لمن ينظر إلى الانتخابات من أعلى.
لكن الديمقراطية تبنى أحيانًا من التفاصيل الصغيرة.
بطاقة اعتماد ملاحظ يجب أن تكون محترمة.
عدد أوراق التصويت يجب أن يكون معلومًا.
الصندوق يجب أن يغلق وفق المسطرة.
الفرز ينبغي أن يكون قابلًا للملاحظة.
والقواعد لا تصبح ثانوية فقط لأن النتيجة النهائية لم تتغير.

لم ينسَ المجلس أن التعدد العددي لا يعني بالضرورة جودة المشاركة

شارك في الاستحقاق 28 هيئة سياسية، وقدمت 1850 لائحة تضم 7288 مترشحة ومترشحًا، بما يعكس اتساع العرض الانتخابي من الناحية العددية. خلاصات المجلس الأولية حول ملاحظة الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026.
لكن التقرير لم يتوقف عند الأرقام ليعلن نجاح المشاركة.
وهنا تظهر واحدة من أقوى أفكاره: ليس المهم فقط كم امرأة ترشحت، وكم شابًا دخل اللوائح؛ السؤال الأهم: أين وضعوا؟ وهل منحت لهم مواقع القرار والقيادة؟
بلغ عدد النساء المرشحات 2658، أي 36.47 في المائة من مجموع الترشيحات، لكن النساء ترأسن 121 لائحة محلية فقط، بما يعادل 7.49 في المائة من اللوائح المحلية. خلاصات المجلس الأولية حول ملاحظة الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026.

لذلك كان التقرير واضحًا في التمييز بين الحضور العددي والحضور الفعلي.

قد نرفع عدد المترشحات، لكن إذا بقيت مواقع القيادة الانتخابية بعيدة عن النساء، فنحن أمام تقدم إحصائي لا يساوي بالضرورة تقدمًا مماثلًا في السلطة والقرار. وقد سجل المجلس نفسه أن حضور النساء في مواقع قيادة اللوائح ما يزال محدودًا، وأن مسار المناصفة يحتاج إلى تدابير إضافية. خلاصات المجلس الأولية حول ملاحظة الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026.

والمنطق نفسه طبقه على الشباب.

فارتفاع أعداد المترشحين الشباب لا يكفي، إذا كانوا يحضرون في ذيل اللوائح أكثر مما يحضرون في مقدمتها، وإذا ظلت وكالة اللوائح بعيدة عن عدد كبير منهم.
ولهذا خلص التقرير إلى أن تقييم مشاركة الشباب يجب ألا يتوقف عند عددهم، بل عند مواقعهم داخل اللوائح ومدى إسناد المسؤولية الانتخابية إليهم. خلاصات المجلس الأولية حول ملاحظة الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026.

وهذه ملاحظة سياسية وحقوقية بالغة الأهمية: تجديد النخب لا يتم بإدخال أسماء شابة إلى اللوائح من أجل استكمال الصورة، وإنما بمنحها إمكانية حقيقية للانتخاب والقيادة وتحمل المسؤولية.
المجلس دخل أيضًا إلى الحملة… ولم يكتف بمراقبة يوم التصويت
الحملة بدورها لم تمر خارج المجهر.

سجل التقرير أنها جرت عمومًا في ظروف عادية، لكنه وثق شجارات بين مساندي بعض المترشحين، وعنفًا لفظيًا وجسديًا، واستعمال المفرقعات، وحالة مرتبطة ببندقية للتبوريدة، كما سجل إشراك أطفال في بعض الأنشطة الانتخابية في أوضاع غير آمنة، وتحدث عن ادعاءات مرتبطة باستعمال المال والدعم الاجتماعي.
وهنا أيضًا حافظ التقرير على التوازن: لم يقدم تلك الوقائع باعتبارها وصفًا شاملًا للحملة كلها، لكنه لم يمر عليها مرور الكرام.
وهذه هي الملاحظة التي نحتاجها: لا تضخيم ولا دفن.

ثم جاء إلى أخطر ملعب جديد: الفضاء الرقمي

ربما تكون هذه من أكثر زوايا التقرير استشرافًا للمستقبل.
فالانتخابات لم تعد تجري فقط في الساحات والقاعات والأسواق والتجمعات. جزء متزايد منها أصبح يجري داخل الهاتف.
من يملك الصفحة؟
من يمول الإعلان؟
من يصنع الفيديو؟
هل الصورة حقيقية؟
هل الصوت أصلي؟
هل التصريح قيل فعلًا أم صُنع بالذكاء الاصطناعي؟
المجلس سجل اتساع استعمال المنصات الرقمية في التعبئة والدعاية، وأشار في الوقت نفسه إلى ظهور محتويات مفبركة أو معدلة باستخدام الذكاء الاصطناعي، محذرًا مما يطرحه ذلك على شفافية المحتوى السياسي وحق الناخب في الوصول إلى معلومة موثوقة. خلاصات المجلس الأولية حول ملاحظة الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026.

هذه ليست ملاحظة عابرة.

إنها تنبيه إلى أن نزاهة انتخابات المستقبل لن تحمى فقط بحراسة الصناديق، بل أيضًا بحماية وعي الناخب من التزييف الرقمي.
فيمكن أن يكون الصندوق سليمًا، بينما يكون جزء من القرار الذي وضع الورقة داخله قد تشكل تحت تأثير خبر كاذب أو تسجيل مزور أو فيديو اصطناعي.
حتى اللغة والولوجيات لم تكونا خارج التقرير
ولعل ما يمنح الوثيقة اتساعها الحقوقي أنها انتبهت إلى جوانب قد تعتبرها التقارير التقليدية ثانوية.

رصدت هيمنة العربية في التواصل الانتخابي، ومحدودية استعمال الأمازيغية في عدد من الدعامات، وتوقفت عند اللسان الحساني.
كما سجلت محدودية الإدماج الفعلي للأشخاص في وضعية إعاقة في بعض جوانب الحملة والتواصل والولوج.

ومرة أخرى يظهر السؤال نفسه:
ما معنى حق انتخابي موجود في القانون إذا كان الوصول المادي أو التواصل أو المعلومة غير ميسرين بالتساوي للجميع؟
الحق لا يكتمل بمجرد الاعتراف به؛ يحتاج إلى شروط ممارسته.
ولم يكتف المجلس بالملاحظة… بل انتقل إلى التحذير والتوصية
هنا تبرز قوة أخرى في التقرير.
المجلس لم يجمع الوقائع ويغلق الملف، وإنما انتقل من الوصف إلى التنبيه ومن التنبيه إلى الاقتراح.

أوصى بإعادة النظر في فترة التسجيل في اللوائح الانتخابية وجعلها أكثر استمرارية، وتقييم نظام التصويت بالوكالة بالنسبة إلى مغاربة العالم، واعتماد الولوجيات معيارًا في اختيار مكاتب التصويت. خلاصات المجلس الأولية حول ملاحظة الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026.

وطالب الأحزاب بألا تحول النساء والشباب إلى مجرد أرقام داخل اللوائح، بل بأن تمنحهم المواقع المتقدمة والقابلة للانتخاب ووكالة اللوائح. خلاصات المجلس الأولية حول ملاحظة الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026.

كما دعا إلى إرساء آليات دائمة لتكوين وتمكين الشباب دون 35 سنة، وربط التكوين بمسارات فعلية للترشح وتحمل المسؤولية. خلاصات المجلس الأولية حول ملاحظة الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026.

ولم يغفل التفاوتات الجهوية، بل دعا إلى تحليل أسباب اختلاف فرص النساء والشباب من جهة إلى أخرى، وإدماج البعد الترابي في تجديد النخب السياسية. خلاصات المجلس الأولية حول ملاحظة الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026.

بل ذهب أبعد من ذلك وطالب بمنظومة وطنية للمعطيات الانتخابية مصنفة حسب السن والجنس والجهة ونوع الدائرة والمجال الحضري أو القروي وموقع المرشح داخل اللائحة. خلاصات المجلس الأولية حول ملاحظة الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026.

وهذا مهم جدًا، لأن إصلاح الانتخابات لا يمكن أن يقوم على الانطباعات. نحتاج أرقامًا تكشف من يترشح، وأين يترشح، ومن يقود، ومن يفوز، ومن يبقى خارج دوائر القرار.
والأهم: ماذا حدث للشكايات بعد فتح التحقيق؟
توصية أخرى تستحق أن تكتب بخط عريض.
المجلس طالب الجهات القضائية والأمنية، مع احترام القانون وضمانات المحاكمة العادلة، بإتاحة المعلومات المتعلقة بمآلات الأبحاث والمتابعات والأحكام النهائية في القضايا الانتخابية. خلاصات المجلس الأولية حول ملاحظة الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026.
وهذا مطلب جوهري في بناء الثقة.
لأن المواطن يسمع كثيرًا: «تم فتح بحث».
لكن ماذا بعد؟
هل ثبتت المخالفة؟
هل حفظ الملف؟
هل تمت المتابعة؟
هل صدر حكم؟
هل كانت الشكاية كيدية أصلًا؟
فتح التحقيق ليس نهاية الشفافية، بل بدايتها.

التقرير في جوهره يسأل عن شيء أكبر من الانتخابات

يمكن اختصار الرسالة العميقة للوثيقة في سؤال واحد:
كيف نحول الانتخابات من موعد دوري لوضع الورقة في الصندوق إلى ممارسة تجعل المواطن يشعر بأن لصوته أثرًا في القرار؟
ذلك هو الخيط الذي يجمع التسجيل باللوائح، ومشاركة النساء، وتمكين الشباب، ومغاربة العالم، والأشخاص في وضعية إعاقة، والتفاوتات المجالية، والذكاء الاصطناعي، وحرية التعبير، وشفافية التحقيقات.

فالثقة لا تنتج ببلاغ.
ولا يصنعها رقم المشاركة وحده.
ولا يكفي لخلقها أن تمر الانتخابات دون حادث كبير.
الثقة تتراكم عندما يرى المواطن قانونًا يطبق، وملاحِظًا يُحترم، وشكاية يعرف مآلها، وشابًا لا يوضع للزينة داخل اللائحة، وامرأة لا تستدعى فقط لاستكمال النسبة، وشخصًا في وضعية إعاقة يجد باب مكتب التصويت مفتوحًا أمامه فعليًا، ومواطنًا في قرية أو جبل يتمتع بفرصة سياسية لا تقل عن فرصة مواطن المدينة.
تلك، في تقديري، أهم قراءة يمكن استخراجها من تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان.

لقد حرص التقرير على ألا يترك زاوية مهمة من زوايا العملية الانتخابية خارج مجال الملاحظة: القانون، الترشيحات، النساء، الشباب، مغاربة العالم، الإعاقة، التمويل، الحملة، الصحافة، الفضاء الرقمي، الذكاء الاصطناعي، اللغة، الولوجيات، الاقتراع، الفرز، الشكايات والتفاوتات المجالية.

لم يكتب أن كل شيء كان جيدًا.
ولم يكتب أن كل شيء كان سيئًا.
لكنه فعل ما يفترض في مؤسسة ملاحظة حقوقية أن تفعله: رصد، ووازن، ونبّه، وحذّر، ثم أوصى.
والأهم الآن ليس أن يبقى التقرير وثيقة تقرأ بعد الانتخابات ثم تحفظ في الأرشيف.
الأهم أن نعود إليه قبل الانتخابات المقبلة، ونسأل سؤالًا بسيطًا وصعبًا في آن واحد:
ماذا فعلنا بكل ما لاحظه المجلس… وبكل ما أوصى به؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى