🚨🚩🇲🇦👈🏼كيف ستعيد نتائج 23 شتنبر تشكيل المشهد السياسي المغربي؟

🚨🚩🇲🇦👈🏼كيف ستعيد نتائج 23 شتنبر تشكيل المشهد السياسي المغربي؟
بقلم حميد فوزي
🖊️بعد اقتراع 23 شتنبر.. حكومة يقودها «الأصالة والمعاصرة» ومعارضة تستعد لاختبار جديد
أعادت نتائج الاقتراع التشريعي الذي جرى في المغرب يوم 23 شتنبر 2026 رسم الخريطة السياسية داخل مجلس النواب، بعدما تصدّر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج المؤقتة بحصوله على 97 مقعداً، متقدماً على التجمع الوطني للأحرار، الذي حلّ ثانياً بـ66 مقعداً، وحزب الاستقلال، الذي جاء ثالثاً بـ65 مقعداً، فيما عاد حزب العدالة والتنمية إلى الواجهة البرلمانية بحصوله على 54 مقعداً.
وبينما فتحت هذه النتائج الطريق أمام مشاورات تشكيل الحكومة المقبلة، أفرزت، في المقابل، معارضةً برلمانيةً أكثر حضوراً من الولاية السابقة، لكنها تظل موزعةً بين مرجعيات سياسية متباينة. ويزداد تعقيد المشهد بفعل نسبة المشاركة، التي بلغت نحو 38.02 في المئة، وهي نسبة تكشف، سياسياً، عن فجوة متنامية بين المؤسسات المنتخبة وقطاعات واسعة من المواطنين، حتى وإن كانت لا تمسّ، من الناحية الدستورية، بشرعية الحكومة المرتقبة.
👈🏼أغلبية لا تكفيها الصدارة
لم يمنح تصدّر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الاقتراع أغلبيةً مطلقةً داخل مجلس النواب، إذ إن حصوله على 97 مقعداً لا يتيح له تشكيل الحكومة منفرداً. وبما أن الأغلبية المطلوبة لنيل ثقة المجلس تبلغ 198 صوتاً من أصل 395، فإن الحزب المتصدّر سيكون مضطراً إلى الدخول في مفاوضات مع أحزاب أخرى لتأمين أغلبية برلمانية قادرة على تنصيب الحكومة وتمرير برنامجها.
وتشير الحسابات الأولية إلى أن التحالف بين الأصالة والمعاصرة، والتجمع الوطني للأحرار، والاستقلال قد يوفر 228 مقعداً، وهي أغلبية مريحة تتجاوز العتبة المطلوبة بثلاثين مقعداً. ويبدو هذا السيناريو الأكثر ترجيحاً، بالنظر إلى أن الأحزاب الثلاثة كانت جزءاً من الأغلبية الحكومية السابقة، فضلاً عن تقاربها النسبي في عدد من التوجهات الاقتصادية والسياسية.
غير أن استمرار هذا التحالف لن يكون آلياً أو خالياً من التفاوض، إذ سيتعيّن على الأطراف المعنية إعادة ترتيب مواقعها داخل الأغلبية، بعدما انتقل حزب الأصالة والمعاصرة من موقع الشريك إلى موقع الحزب المتصدّر. ومن ثمّ، ستتركز المشاورات على توزيع الحقائب الوزارية، وتحديد الأولويات الحكومية، وضمان قدر من الانسجام بين مكوّنات ائتلاف قد تتباين حساباته بشأن رئاسة بعض المؤسسات والقطاعات ذات الثقل السياسي والاقتصادي.
👈🏼أغلبية موسّعة أم ائتلاف محدود؟
قد لا يكتفي الحزب المتصدّر بالتحالف الثلاثي، بل قد يتجه إلى توسيع دائرة الأغلبية لتشمل أحزاباً أخرى، مثل الحركة الشعبية، أو الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، أو التقدم والاشتراكية، أو الاتحاد الدستوري. ولا تفرض الحسابات البرلمانية حاجةً ملحّةً إلى هذا التوسيع، ما دام التحالف الثلاثي يوفر أغلبيةً كافيةً، غير أن الاعتبارات السياسية قد تجعل إشراك أحزاب إضافية خياراً مفيداً لتوزيع المسؤوليات، واحتواء بعض القوى، وضمان دعم أوسع للإصلاحات الكبرى.
وفي المقابل، قد يؤدي اتساع الائتلاف إلى تعدد مراكز القرار وصعوبة ضبط الرسائل السياسية للحكومة، خصوصاً إذا اختلفت الأحزاب المشاركة حول الملفات الاجتماعية والاقتصادية، أو حول كيفية تدبير الإصلاحات التي قد تكون لها كلفة سياسية. ولذلك، قد يظل الخيار الأكثر واقعية قائماً على أغلبية محدودة العدد، واضحة المسؤولية، مع إمكان الاستعانة بدعم ظرفي من أحزاب أخرى عند مناقشة بعض القوانين.
ومن بين السيناريوهات الممكنة أيضاً إعادة ترتيب مكوّنات الحكومة السابقة، مع انتقال قيادة الائتلاف إلى الأصالة والمعاصرة. وفي هذه الحالة، قد تستمر بعض السياسات والبرامج القائمة، بالتوازي مع إدخال تعديلات على بنية الحكومة وأولوياتها، ولا سيما في التشغيل، والصحة، والتعليم، والقدرة الشرائية، وهي ملفات شكّلت محوراً أساسياً في النقاش الانتخابي.
👈🏼شرعية دستورية تحت ضغط سياسي
من الناحية القانونية، لا تجعل نسبة المشاركة البالغة نحو 38 في المئة الحكومة المقبلة فاقدةً للشرعية، إذ لا يربط الدستور المغربي صحة الانتخابات أو تنصيب الحكومة ببلوغ حدٍّ أدنى من المشاركة. فالفصل 47 يحدّد مسار تعيين رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدّر انتخابات مجلس النواب، بينما يفرض الفصل 88 عرض البرنامج الحكومي أمام مجلسَي البرلمان ونيله ثقة مجلس النواب.
وبذلك، ستتمتع الحكومة المرتقبة بشرعية انتخابية ومؤسساتية وبرلمانية، متى استُكملت المساطر الدستورية والقانونية. غير أن الشرعية القانونية لا تعني بالضرورة امتلاك الحكومة رصيداً واسعاً من القبول الشعبي، لأن نسبة المشاركة المنخفضة تضعف، سياسياً، حجم التفويض الذي يمكن للحكومة أن تتحدث باسمه.
وتكشف نسبة 38.02 في المئة، مقارنةً بأكثر من 50 في المئة خلال انتخابات 2021، عن تراجع واضح في الحافز الانتخابي، وعن استمرار صعوبات الأحزاب في إقناع المواطنين بجدوى المشاركة. وقد يرتبط هذا العزوف بضعف الثقة في المؤسسات، أو بعدم الاقتناع بالعرض السياسي، أو بالقلق من البطالة والفوارق الاجتماعية، وجودة الخدمات الصحية والتعليمية، والقدرة الشرائية.
ومن ثمّ، لن يكون التحدي الأساسي أمام الحكومة هو الحصول على أغلبية برلمانية فحسب، بل تحويل هذه الشرعية القانونية إلى شرعية سياسية متجددة عبر الأداء والإنجاز. فكلما تمكنت من تحقيق نتائج ملموسة في الملفات الاجتماعية، تراجع أثر ضعف المشاركة، بينما قد يتحول الرقم نفسه إلى ورقة ضغط دائمة إذا أخفقت في الاستجابة للمطالب اليومية للمواطنين.
👈🏼العدالة والتنمية يعود إلى المعارضة
في حال عدم انضمام حزب العدالة والتنمية إلى التحالف الحكومي، فإنه سيجد نفسه أمام فرصة لإعادة بناء موقعه كقوة معارضة وازنة. فقد انتقل رصيده من 13 مقعداً في انتخابات 2021 إلى 54 مقعداً في الاقتراع الحالي، وهو ارتفاع مهم يعكس استعادة الحزب جزءاً من حضوره البرلماني، وإن كان لا يعيده إلى موقع الهيمنة الذي بلغه سنة 2016، عندما حصد 125 مقعداً.
وسيمنح هذا الرصيد الحزب قدرةً أكبر على تشكيل فريق برلماني مؤثر، والمشاركة الفاعلة في اللجان، ومساءلة الوزراء، وتقديم مقترحات القوانين، وطلب عقد جلسات لمناقشة القضايا العامة. كما سيكون في مقدوره مراقبة الحكومة الجديدة، ولا سيما أنها قد تضم أحزاباً كانت جزءاً من الأغلبية السابقة، الأمر الذي سيتيح له مساءلتها حول حصيلة السنوات الماضية ومدى تنفيذ الوعود الانتخابية.
ومن المرجح أن يركّز الحزب معارضته على التشغيل، والصحة، والتعليم، والقدرة الشرائية، وتدبير الدعم الاجتماعي والاستثمار العمومي، إلى جانب قضايا الحكامة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. غير أن فعالية هذا الدور ستتوقف على انتقاله من المعارضة العامة إلى معارضة تستند إلى الأرقام والبدائل، من خلال تقديم مقترحات واضحة وتقييم دوري للسياسات العمومية.
كما سيكون الحزب مطالباً بإعادة تقديم نفسه بوصفه قوةً سياسيةً قادرةً على التعلم من تجربتها الحكومية السابقة، لا مجرد تنظيم يستعيد خطاب المعارضة. وسيحتاج، في هذا السياق، إلى تجديد وجوهه، وتطوير خطابه الاقتصادي والاجتماعي، وتوضيح مواقفه من الحريات والقضايا الثقافية، وتعزيز الانسجام بين قيادته وفريقه البرلماني.
👈🏼معارضة متعدّدة المراكز
لن تكون المعارضة المقبلة كتلةً واحدةً بالضرورة، بل ستتوزع بين دوائر مختلفة من التنسيق. فقد يجتمع العدالة والتنمية والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية حول ملفات الرقابة البرلمانية والقضايا الاجتماعية، على الرغم من التباين الواضح بين مرجعيتيهما السياسية والفكرية. وقد يتشكل، في المقابل، محور يساري يضم الاتحاد الاشتراكي، والتقدم والاشتراكية، وتحالف اليسار، للدفاع عن الدولة الاجتماعية والخدمات العمومية والعدالة المجالية.
كما يمكن أن تنسّق الحركة الشعبية مع العدالة والتنمية أو مع أحزاب أخرى حول قضايا التنمية القروية والمجالية، ودعم الطبقة الوسطى، وتعزيز دور البرلمان. وقد يشارك الاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية في تنسيقات ظرفية، من دون الالتزام بالضرورة بمعارضة دائمة، خصوصاً إذا فتحت الحكومة المقبلة قنوات للتفاوض حول بعض المواقع أو السياسات.
ولهذا، فإن السيناريو الأرجح لا يتمثل في تشكيل جبهة معارضة موحّدة ذات قيادة واحدة، بل في ظهور تنسيق برلماني متعدّد المستويات. فقد تتفق أحزاب متباينة على رفض مشروع قانون، أو إدخال تعديلات على قانون المالية، أو مساءلة الحكومة حول ملف اجتماعي، ثم تعود إلى مواقف مختلفة في قضايا أخرى.
ويمنح هذا النمط الأحزاب هامشاً للحفاظ على استقلاليتها، لكنه قد يحدّ، في الوقت نفسه، من قدرتها على تقديم بديل سياسي واضح. فامتلاك المعارضة عدداً مهماً من المقاعد لا يضمن فعاليتها ما لم تتوافر لها أجندة مشتركة، وتوزيع واضح للأدوار، وقدرة على التنسيق داخل اللجان ومكتب مجلس النواب.
👈🏼رسالة الاقتراع والامتناع
لا ينبغي النظر إلى نسبة المشاركة المنخفضة بوصفها رقماً انتخابياً محضاً، إذ تحمل دلالةً سياسيةً تتصل بعلاقة المواطنين بالأحزاب والمؤسسات. فعدم مشاركة أغلبية المسجلين تقريباً قد يعكس، بدرجات متفاوتة، عدم الاقتناع بالعرض الحزبي، أو شعوراً بأن الانتخابات لا تُحدث تغييراً ملموساً في الحياة اليومية.
وستستفيد المعارضة من هذا المعطى في مساءلة الحكومة، إذ يمكنها القول إن الأغلبية البرلمانية لا تعادل بالضرورة أغلبية اجتماعية، وإن الحكومة مطالبة بتوسيع التشاور مع النقابات والهيئات المهنية والمجتمع المدني. غير أن هذا الخطاب لن يعفي المعارضة نفسها من المسؤولية، لأن ضعف المشاركة يعكس أيضاً محدودية قدرة مختلف الأحزاب على التعبئة والإقناع.
ومن هذه الزاوية، ستكون الحكومة المقبلة مطالبةً بتقديم برنامج واضح يتضمن أهدافاً قابلةً للقياس وآجالاً محددةً في مجالات التشغيل، والصحة، والتعليم، والحماية الاجتماعية. كما سيكون عليها تحسين التواصل العمومي وشرح كلفة الإصلاحات ونتائجها، لأن غياب التواصل قد يوسّع الفجوة بين المؤسسات والمجتمع، مهما كانت حصيلة العمل الحكومي.
تضع نتائج اقتراع 23 شتنبر 2026 المغرب أمام مشهد سياسي جديد تقوده، على مستوى النتائج، كتلة برلمانية يتصدّرها حزب الأصالة والمعاصرة، بينما تظل الحكومة المقبلة رهينة تحالفات متعددة ومفاوضات دقيقة. ويبدو التحالف الثلاثي بين الأصالة والمعاصرة، والتجمع الوطني للأحرار، والاستقلال السيناريو الأكثر ترجيحاً، بالنظر إلى قدرته على توفير أغلبية مريحة، مع بقاء احتمال توسيع الائتلاف قائماً بحسب طبيعة المشاورات.
وفي الجهة المقابلة، يستعيد العدالة والتنمية موقعاً مهماً داخل المعارضة، مستفيداً من ارتفاع رصيده البرلماني، غير أن قدرته على التأثير ستتوقف على مدى نجاحه في بناء معارضة مؤسساتية تقدم البدائل ولا تكتفي بالاعتراض. أما الأحزاب المعارضة الأخرى، فستكون أمام اختبار التنسيق بين مرجعيات متباينة، وتحويل تعدد المقاعد إلى قوة رقابية حقيقية.
وبينما لا تطعن نسبة المشاركة البالغة 38 في المئة في الشرعية الدستورية للحكومة، فإنها تفرض عليها تحدياً سياسياً عميقاً يتمثل في استعادة ثقة المواطنين عبر الإنجاز. لذلك، لن تُقاس شرعية الحكومة المقبلة فقط بعدد المقاعد التي حصلت عليها أغلبيتها، بل بقدرتها على إقناع الذين صوّتوا والذين امتنعوا عن التصويت بأن المؤسسات المنتخبة قادرة فعلاً على تحسين شروط الحياة والاستجابة للمطالب الاجتماعية.



