ميساجالاسرة و الطفل

الحلقة الرابعة من السلسلة الرمضانية استووا واعتدلوا وتراصوا يرحمكم الله بعنوان : الرحمة حين تغيب عن الشارع

السلسلة تنشر يوميا بجريدة العلم الورقية

بقلم : الحاج بوشعيب حمراوي

تقديم السلسلة الرمضانية

رمضان ليس شهر الصوم فقط، ولا موسماً عابراً للطقوس المتكررة.  بل هو امتحان أخلاقي عميق، ومحك حقيقي لصدق الإنسان مع نفسه، ولصفاء المجتمع مع قيمه. من هذا المعنى، تولد هذه السلسلة الرمضانية (استووا واعتدلوا وتراصّوا يرحمكم الله). كنداء إنساني قبل أن يكون خطاباً وعظياً، وكوقفة تأمل صادقة قبل أن تكون محاكمة أو إدانة. حلقات أحاول من خلالها أن أعيد ترتيب الصفوف. صفّ القيم قبل صفوف المساجد، و صفّ الضمائر قبل الشعارات، و صفّ الإنسان قبل الأدوار والمواقع.
حلقات تمرّ عبر مرآة المجتمع المغربي بتناقضاته وأسئلته المؤجلة،
لتصل إلى الوطن كضمير جماعي لا يحتمل الفساد ولا المزايدات،
وتختم بالإنسان التائه بين الوعي والضياع،بين الصمت والخوف،
بين الحرية والكرامة،وبين ما نعلنه وما نمارسه فعلاً.
هذه السلسلة لا تزعم امتلاك الحقيقة، ولا تدّعي الاصطفاف الأخلاقي،
بل تطرح أسئلة موجعة أحياناً، وبسيطة في ظاهرها،عميقة في أثرها
هي محاولة للقول، إن العبادة لا تكتمل دون سلوك، وأن الصيام لا معنى له إذا أفطر الضمير، وأن الوطن لا يُحبّ بالشعارات، وأن الإنسان قبل كل شيء، إنسان. سلسلة رمضانية تراهن على الكلمة الهادئة، والنقد المسؤول، والأمل الذي لا يستقيل. رمضان ليس فقط ما نمتنع عنه، بل ما نصبحه.. بعده. دمتم في رعاية المولى.

 

الحلقة الرابعة
الرحمة حين تغيب عن الشارع

الشارع مرآة المجتمع، فيه تظهر القيم حين تتحوّل إلى سلوك، وفيه تنكشف هشاشتها حين تتآكل. وحين تغيب الرحمة عن الشارع، لا يكون الغياب حادثًا عابرًا، بل مؤشرًا عميقًا على اختلال في الوعي الجماعي، وعلى تعب أخلاقي يتراكم بصمت.
نرى العنف في تفاصيل صغيرة قبل أن يتضخّم في صور صادمة. في كلمة قاسية تُقال بلا تردّد، في دفعٍ بلا اعتذار، في نظرة احتقار تُلقى على ضعيف، في استعجال يُلغي وجود الآخر. هذه التفاصيل هي بذور القسوة، وإذا لم ننتبه إليها، تنضج عنفًا.
الرحمة ليست ضعفًا، كما يظن البعض، بل قوة أخلاقية. قوة تجعل الإنسان قادرًا على ضبط نفسه، وعلى رؤية الآخر كإنسان لا كعائق. لكن حين يسود منطق “كلٌّ لنفسه”، تتحوّل الشوارع إلى مساحات صراع، لا تعايش.
رمضان، شهر الصيام، يُفترض أن يُعيد الحساسية إلى القلوب. الجوع يُفترض أن يُرقّق الإحساس، لا أن يُبرّر الغضب. لكن المفارقة المؤلمة أن بعض الشوارع تصبح في هذا الشهر أكثر توترًا، كأن الصيام يُستعمل ذريعة لفقدان السيطرة. هنا تظهر أزمة الفهم: الصيام الذي لا يُنتج رحمة، لا يُنتج تهذيبًا.
العنف في الشارع ليس دائمًا جسديًا. هناك عنف لفظي يجرح دون دم، وهناك عنف رمزي يُقصي ويُهين ، وهناك عنف صامت، حين نرى ظلمًا ونعبر دون اكتراث.هذا الصمت، في حد ذاته، مشاركة غير معلنة. تغيب الرحمة حين يُختزل الإنسان في وظيفته أو مظهره. حين يُعامل العامل كأداة، وحين يُنظر إلى الفقير كإزعاج، وحين يُرى المختلف كتهديد.
هذا الاختزال يُسهّل القسوة، لأن الرحمة تحتاج اعترافًا بإنسانية الآخر
الشارع مدرسة غير رسمية، حيث الأطفال يتعلّمون فيه أكثر مما نعتقد. ويتعلّمون كيف يتعامل الكبار مع الضعفاء.كيف يُدار الغضب ، كيف يُمارس الاحترام، وحين يرون القسوة تُكافَأ، يتعلّمون أن الرحمة خيار خاسر.
رمضان فرصة لإعادة تعريف الحضور في الفضاء العام، أن نُبطئ الخطو، أن نخفض الصوت، وأن نُفسح المجال. هذه الأفعال الصغيرة ليست مجاملات، بل سلوكيات أخلاقية تُعيد التوازن.
القسوة غالبًا ما تُولَد من تعب غير مُعالج (تعب اقتصادي، تعب نفسي، تعب اجتماعي ).
لكن التعب لا يُبرّر الأذى. إن لم نُعالجه، سينتقل من شخص إلى آخر، كعدوى صامتة. (في الشارع، تتقاطع مصائر لا نعرف قصصها، شخص مُنهك ، آخر قلق ، ثالث خائف…). وحين نتصادم، لا نرى إلا السطح. الرحمة هنا ليست ترفًا، بل حكمة. أن نُدرك أن وراء كل سلوك قصة، لا نعرف فصولها.
الرحمة لا تعني التساهل مع الخطأ، ولا إسقاط النظام. يمكن أن نكون حازمين دون إهانة،ويمكن أن نُطبّق القانون دون قسوة. الفرق بين الحزم والقسوة، أن الأول يحفظ الكرامة، والثانية تُهدِرها. كما أن غياب الرحمة يُحوّل الشارع إلى فضاء عدائي، حيث يزداد التوتر، يتراجع الأمان، وتصبح الحياة اليومية مرهقة. أما حضور الرحمة، فيُنتج أثرًا تراكميًا: شعورًا عامًا بالاحترام، وبأن المكان يتّسع للجميع.
رمضان يُذكّرنا بأن العبادة ليست علاقة رأسية فقط، بل علاقة أفقية أيضًا يعلمنا : كيف نُعامل الناس؟، كيف نتصرف حين نُستفَزّ؟، كيف نردّ حين نُخطَأ في حقنا؟. وهذه الأسئلة هي جوهر التهذيب
الرحمة في الشارع تبدأ من الانتباه ( الانتباه للكلمة، للحركة ، للنبرة ..).
ثم تتحوّل إلى عادة، إذا تكرّرت. والعادة، حين تنتشر، تُصبح ثقافة.
لسنا مطالبين بأن نُغيّر العالم دفعة واحدة،لكننا مطالبون بأن نُغيّر سلوكنا الفردي.
مطالبين أن (نعتذر حين نخطئ، نخفّف حدّة الرد، نختار الصمت بدل الإيذاء).هذه الاختيارات الصغيرة تصنع فرقًا كبيرًا، حين تغيب الرحمة عن الشارع. لا نخسر فقط الهدوء، نخسر إنسانيتنا المشتركة ، نصبح غرباء في المكان نفسه، وكل غريب مشروع صدام.
رمضان لا يطلب منا شعورًا مؤقتًا بالشفقة، بل سلوكًا دائمًا من الرحمة. أن نخرج من الشهر أكثر لطفًا، أكثر ضبطًا، أكثر قدرة على رؤية الآخر.
الشارع ليس ملكًا للأقوى، ولا للأسرع، ولا للأكثر ضجيجًا. هو مساحة مشتركة، حيث يفترض أن تُدار بالأخلاق قبل القوانين.
حين تعود الرحمة إلى الشارع، يهدأ الإيقاع، وتخفّ الاحتكاكات، ويشعر الناس بأنهم مرئيون. وهذا الإحساس البسيط… كفيل بأن يُغيّر الكثير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى