الحلقة الخامسة من السلسلة الرمضانية استووا واعتدلوا وتراصوا يرحمكم الله بعنوان : الفقير ليس متسولًا… بل إنسان موجوع
سلسلة رمضانية تنشر يوميا بجريدة العلم الورقية

بقلم : الحاج بوشعيب حمراوي
تقديم السلسلة الرمضانية
رمضان ليس شهر الصوم فقط، ولا موسماً عابراً للطقوس المتكررة. بل هو امتحان أخلاقي عميق، ومحك حقيقي لصدق الإنسان مع نفسه، ولصفاء المجتمع مع قيمه. من هذا المعنى، تولد هذه السلسلة الرمضانية (استووا واعتدلوا وتراصّوا يرحمكم الله). كنداء إنساني قبل أن يكون خطاباً وعظياً، وكوقفة تأمل صادقة قبل أن تكون محاكمة أو إدانة. حلقات أحاول من خلالها أن أعيد ترتيب الصفوف. صفّ القيم قبل صفوف المساجد، و صفّ الضمائر قبل الشعارات، و صفّ الإنسان قبل الأدوار والمواقع.
حلقات تمرّ عبر مرآة المجتمع المغربي بتناقضاته وأسئلته المؤجلة،
لتصل إلى الوطن كضمير جماعي لا يحتمل الفساد ولا المزايدات،
وتختم بالإنسان التائه بين الوعي والضياع،بين الصمت والخوف،
بين الحرية والكرامة،وبين ما نعلنه وما نمارسه فعلاً.
هذه السلسلة لا تزعم امتلاك الحقيقة، ولا تدّعي الاصطفاف الأخلاقي،
بل تطرح أسئلة موجعة أحياناً، وبسيطة في ظاهرها،عميقة في أثرها
هي محاولة للقول، إن العبادة لا تكتمل دون سلوك، وأن الصيام لا معنى له إذا أفطر الضمير، وأن الوطن لا يُحبّ بالشعارات، وأن الإنسان قبل كل شيء، إنسان. سلسلة رمضانية تراهن على الكلمة الهادئة، والنقد المسؤول، والأمل الذي لا يستقيل. رمضان ليس فقط ما نمتنع عنه، بل ما نصبحه.. بعده. دمتم في رعاية المولى.
الحلقة الخامسة
الفقير ليس متسولًا… بل إنسان موجوع

اختزلنا الفقر طويلًا في صورة المتسوّل عند زاوية شارع، أو في يدٍ ممدودة تنتظر صدقة عابرة. ومع هذا الاختزال، فقدنا القدرة على رؤية الحقيقة كاملة: الفقير ليس حالة عابرة، ولا مشهدًا مزعجًا، بل إنسان موجوع، يحمل قصة ثقيلة، وخيبات متراكمة، وكرامة تُستنزف بصمت.
الفقر ليس نقصًا في المال فقط، بل نقصًا في الفرص، وفي العدالة، وفي الحماية. هو حالة هشاشة مركّبة، تبدأ غالبًا بصدمة صغيرة: مرض مفاجئ، فقدان عمل، حادث، طلاق، أو مسؤولية ثقيلة. ثم تتراكم الصدمات، وتتحوّل الحياة إلى سلسلة من محاولات النجاة.
حين نُسارع إلى الشفقة السطحية، نُريح ضمائرنا، لكننا لا نُلامس الجرح. نرمي قطعة نقدية، ونمضي. نلتقط صورة، وننشر، نُعلّق بكلمات مؤثرة، وننسى.بهذا السلوك، نُخفّف الإحساس بالذنب أكثر مما نُخفّف الألم.
رمضان، شهر الإحساس، يُفترض أن يُعيد ترتيب نظرتنا للفقر. الجوع هنا ليس تجربة رمزية فقط، بل نافذة لفهم ما يعنيه أن تُقيّد الحاجة خيارات الإنسان. لكن الفهم الحقيقي لا يقف عند لحظة الإفطار، بل يمتد إلى السؤال عن الأسباب.
الفقير ليس بالضرورة كسولًا، كما تُشيع بعض الصور النمطية.كثيرون يعملون، ويتعبون، ويجتهدون، ومع ذلك لا يكفي الدخل لتغطية الأساسيات. وكثيرون فقدوا عملهم في ظروف لا يد لهم فيها. والأخطر أن بعض الفقراء كانوا يومًا في الطبقة الوسطى، ثم انزلقوا بصمت.
الفقر يُوجِع لأنه يُهدّد الكرامة.أن تحتاج وأنت لا تريد السؤال، أن تحسب الخطوات لأن الجيب فارغ،أن تُخفي العجز عن أطفالك …
هذا الألم لا يظهر في الإحصاءات، لكنه حاضر في النفوس. حين نُعامِل الفقير كمتسوّل، نُسقط عليه حكمًا أخلاقيًا. وحين نراه كإنسان موجوع، نُعيد له إنسانيته.الفرق بين النظرتين هو الفرق بين الاستعلاء والتضامن.
رمضان لا يطلب منا تعاطفًا موسميًا، بل وعيًا دائمًا. أن نُدرك أن الفقر ليس قدرًا فرديًا، بل نتيجة اختلالات بنيوية ..في سوق الشغل، في التعليم، في الصحة، وفي الحماية الاجتماعية. معالجة الفقر لا تكون بالصدقات وحدها، بل بسياسات عادلة. .
الصدقة مطلوبة، نعم، لكنها لا تكفي. وهي تفقد معناها حين تُقدَّم بإذلال، أو تُصوَّر، أو تُستعمل للتفاخر.الكرامة ليست تفصيلًا، بل شرطًا أخلاقيًا. والعطاء الذي يجرح الكرامة، يزيد الجرح عمقًا.
في الشارع، نرى أشكالًا مختلفة من الفقر. فقر ظاهر يطلب المساعدة، فقر خفي يعمل بصمت، فقر لا يمدّ يده، لكنه يمدّ عمره بالتنازل. هذا الفقر الخفي هو الأخطر، لأنه غير مرئي، وغير مسموع.
الأطفال في بيوت فقيرة لا يعانون فقط من نقص الماديات، بل من ضغط نفسي. يشعرون بالحرمان، بالمقارنة، بالخجل. وقد يُجبرون على ترك الدراسة، أو العمل المبكر، أو الصمت القاسي. وحين نغفل هذا البعد، نُنتج فقرًا يتوارث.
رمضان يضعنا أمام اختبار إنساني، هل نرى الفقير في إنسانيته، أم في حاجته فقط؟.هل نُصغي لقصته، أم نكتفي بالحكم؟. هل نبحث عن حلول، أم نرتاح للتعاطف العابر؟
وحتى اللغة التي نستعملها مهمّة. حين نقول “متسوّل”، نُثبّت وصمة، وحين نقول “إنسان محتاج”، نفتح باب الفهم. اللغة ليست بريئة؛ إنها تُشكّل الوعي، وتُحدّد الموقف.الفقير ليس عبئًا على المجتمع، بل ضحية اختلاله. والمجتمع الذي لا يحمي أضعف أفراده،يُهدّد تماسكه من الداخل.
رمضان فرصة لإعادة بناء ثقافة التضامن. تضامن لا يقوم على الاستعراض، ولا على التفضّل، بل على الشراكة والتمكين.
أن نُساهم في تعليم، في تدريب، في فرصة عمل.هذه الأفعال تُغيّر المسار في التعامل اليومي. الرحمة مطلوبة، بأن (لا نُهين، لا نسخر، لا نُعمّم). وأن نتذكّر أن الفقر قد يكون أقرب مما نظن . خطوة خاطئة، ظرف قاسٍ، وقد نكون نحن في المكان نفسه.
رمضان لا يُعلّمنا فقط كيف نشعر بالجوع، بل كيف نحترم من يعيشونه دائمًا . لا بأن نضعهم في موضع الشفقة، بل بأن نُدافع عن حقهم في حياة كريمة.
الفقير ليس متسوّلًا، بل إنسان موجوع. وحين نفهم ذلك، يتحوّل العطاء من فعل موسمي، إلى موقف أخلاقي دائم.


