الاسرة و الطفلميساج

الحلقة السابعة عشرة من السلسلة الرمضانية استووا واعتدلوا وتراصوا يرحمكم الله بعنوان : المواطنة ليست موسمية

سلسلة رمضانية تنشر يوميا بجريدة العلم

 

بقلم : الحاج بوشعيب حمراوي

تقديم السلسلة الرمضانية

رمضان ليس شهر الصوم فقط، ولا موسماً عابراً للطقوس المتكررة. بل هو امتحان أخلاقي عميق، ومحك حقيقي لصدق الإنسان مع نفسه، ولصفاء المجتمع مع قيمه. من هذا المعنى، تولد هذه السلسلة الرمضانية (استووا واعتدلوا وتراصّوا يرحمكم الله). كنداء إنساني قبل أن يكون خطاباً وعظياً، وكوقفة تأمل صادقة قبل أن تكون محاكمة أو إدانة. حلقات أحاول من خلالها أن أعيد ترتيب الصفوف. صفّ القيم قبل صفوف المساجد، و صفّ الضمائر قبل الشعارات، و صفّ الإنسان قبل الأدوار والمواقع.
حلقات تمرّ عبر مرآة المجتمع المغربي بتناقضاته وأسئلته المؤجلة،
لتصل إلى الوطن كضمير جماعي لا يحتمل الفساد ولا المزايدات،
وتختم بالإنسان التائه بين الوعي والضياع،بين الصمت والخوف،
بين الحرية والكرامة،وبين ما نعلنه وما نمارسه فعلاً.
هذه السلسلة لا تزعم امتلاك الحقيقة، ولا تدّعي الاصطفاف الأخلاقي،
بل تطرح أسئلة موجعة أحياناً، وبسيطة في ظاهرها،عميقة في أثرها
هي محاولة للقول، إن العبادة لا تكتمل دون سلوك، وأن الصيام لا معنى له إذا أفطر الضمير، وأن الوطن لا يُحبّ بالشعارات، وأن الإنسان قبل كل شيء، إنسان. سلسلة رمضانية تراهن على الكلمة الهادئة، والنقد المسؤول، والأمل الذي لا يستقيل. رمضان ليس فقط ما نمتنع عنه، بل ما نصبحه.. بعده. دمتم في رعاية المولى.

 

الحلقة السابعة عشرة
المواطنة ليست موسمية

المواطنة ليست بطاقة نُخرجها عند الحاجة، ولا شعارًا نرفعه في المناسبات، ولا حماسًا عابرًا يشتعل ثم ينطفئ. المواطنة سلوك يومي، واختبار مستمر، ومسؤولية لا ترتبط بموسم ولا بحدث. ومع ذلك، نتعامل معها أحيانًا كما نتعامل مع العواطف الموسمية: نُكثِر منها حين تُطلب، ونُقلّ منها حين تثقل.
رمضان، بما يحمله من شحنة أخلاقية وروحية، يتحوّل إلى مرآة صافية للمواطنة. في هذا الشهر، تتضح الفوارق بين من يرى في الانتماء التزامًا دائمًا، ومن يراه حالة ظرفية. بين من يحترم القانون لأنه قانون، ومن يحترمه لأنه مراقَب. بين من يحافظ على المصلحة العامة لأنها له، ومن يتجاوزها لأنها ليست له وحده.
نرى ذلك يوميا في تفاصيل بسيطة، لكنها كاشفة (نظافة الشارع بعد الإفطار،احترام الطوابير، الالتزام بقوانين السير، حماية المرافق العمومية ..). هذه ليست سلوكيات ثانوية، بل جوهر المواطنة. رمضان لا يطلب منا أن نكون مثاليين، بل أن نكون متّسقين. أن لا نفصل بين العبادة والسلوك المدني. أن نفهم أن احترام الفضاء العام جزء من احترام الناس، وأن احترام الناس جزء من احترام الوطن.
لكن المفارقة أن بعض السلوكيات تتدهور في رمضان باسم (الاستثناء). ازدحام بلا انضباط، ضجيج بلا اعتبار، رمي نفايات بلا اكتراث. وكأن الصيام يمنح رخصة لتعليق المسؤولية، لا لتعميقها. هنا يتجلّى السؤال: هل نعيش المواطنة كقيمة… أم كواجب مؤجَّل؟
المواطنة الموسمية تُنتج مفارقة مؤلمة: خطاب وطني قوي، وممارسة يومية ضعيفة. نُكثر من الحديث عن الحقوق، ونُقلّ من أداء الواجبات. نغضب سريعًا من التقصير العام، ونتسامح مع التقصير الفردي. نطالب بالدولة، وننسى أننا جزء منها.
رمضان فرصة لإعادة ضبط هذا الميزان. لأن الصيام يُدرّب على الانضباط الذاتي: الامتناع حين لا يراك أحد، والالتزام حين لا يُلزِمك قانون مباشر. هذه هي روح المواطنة الحقيقية: أن تفعل الصواب لأنه صواب.
المواطنة ليست علاقة مطالب فقط، بل علاقة مشاركة. وذلك ب (أن تُبلّغ عن خلل بدل أن تستفيد منه،أن تحمي الملك العام بدل أن تعتبره بلا صاحب، أن تختلف دون تخريب، وأن تنتقد دون إساءة ..).
في رمضان، تتكثّف مظاهر التضامن، وهذا جميل. لكن التضامن الموسمي لا يُغني عن الانتماء الدائم. قفة رمضان لا تُعفي من احترام القانون. والإحسان لا يُبرّر الفوضى. المواطنة لا تتجزّأ.
الأطفال يتعلّمون المواطنة من القدوة، لا من الدروس. حين يرون آباءهم يحترمون النظام، يتعلّمون الانتماء. وحين يرون التناقض بين القول والفعل، يتعلّمون الازدواجية. رمضان هنا مدرسة صامتة: إمّا أن ننجح فيها، أو نُعيد إنتاج الخلل.
الوطن لا يعيش على المناسبات، بل على الاستمرارية. لا يحتاج مواطنين موسميين، بل شركاء دائمين. شركاء يفهمون أن الحقوق تُحمى بالواجبات، وأن الانتماء لا يُقاس بالصوت المرتفع، بل بالفعل الهادئ.
رمضان اختبار، لا لأن الشهر صعب، بل لأن المعنى واضح. من حافظ على النظام وهو صائم، سيفعل وهو مفطر. ومن احترم الناس في الزحام، سيفعل في السعة. ومن التزم حين غاب الرقيب، سيلتزم حين حضر.
المواطنة ليست موسمية، والانتماء لا يُؤجَّل، والوطن يُبنى كل يوم… بتفاصيل صغيرة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى