الإدمان الإلكتروني للكبار… يفقد المربّي بوصلته ويُربك المجتمع

بقلم: بوشعيب حمراوي
لم يعد الإدمان الإلكتروني حكرًا على الأطفال والشباب، كما يُروَّج له في كثير من النقاشات السطحية، بل أصبح اليوم أكثر خطورة عندما يتسلل إلى عالم الكبار؛ إلى الآباء والأمهات، إلى المربين والمرشدين، إلى من يُفترض فيهم أن يكونوا بوصلة التوجيه وعماد التوازن داخل الأسرة والمجتمع. إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في كثرة استعمال الهواتف أو التعلق بمواقع التواصل الاجتماعي، بل في التحول الصامت الذي يُصيب الأدوار، فيجعل الموجِّه تابعًا، والناصح مُستهلِكًا، والحامي غائبًا… وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية.

هيمنة التفاهة وصناعة التأثير الزائف
من أخطر التحولات التي بدأت تتسلل بصمت إلى بنية المجتمع، ذلك الإقبال المتزايد لفئات من الآباء والأمهات وكبار السن، ذكورًا وإناثًا، على متابعة ما يُسمّى بـ“المؤثرين” الذين يصنعون محتوى يقوم في كثير من نماذجه على التفاهة والسطحية والاستعراض والميوعة، ويُسوّق لحياة يومية مُصطنعة تُقدَّم على أنها نجاح ونموذج يُحتذى. لم يعد الأمر مجرد متابعة عابرة، بل تحوّل إلى ارتباط نفسي وسلوكي، حيث يقضي البعض ساعات طويلة في تتبع تفاصيل “الروتين اليومي” لهؤلاء، والتفاعل معهم، وإعادة نشر محتواهم، بل والدفاع عنهم، وكأنهم مرجعيات فكرية واجتماعية.
الأخطر من ذلك، أن هذه الفئة من صُنّاع المحتوى
استطاعت، بفضل الخوارزميات والدعم الإعلاني، أن تتحول إلى قوة اقتصادية مؤثرة، تُغدق عليها الشركات بالإعلانات، وتُملأ حساباتها البنكية بأموال طائلة، في مفارقة مؤلمة بين القيمة الحقيقية للمحتوى وحجم العائد المالي. وهنا، لا يقتصر الخلل على العرض فقط، بل يمتد إلى الطلب، حيث يُسهم المتابع، عن وعي أو غير وعي، في تكريس هذا النموذج عبر المشاهدة والتفاعل، فيتحول من متلقٍ إلى شريك في إعادة إنتاج التفاهة.
ومع مرور الوقت، تبدأ الخطورة الحقيقية في الظهور، عندما يُصبح هؤلاء (المؤثرون) مصدرًا للاستدلال والتوجيه في تفاصيل الحياة اليومية؛ من أساليب العيش، إلى طرق التفكير، إلى معايير النجاح والسعادة. فينشأ نوع من الانسلاخ الهادئ عن المرجعيات الأصيلة، وعن الثقافة المغربية القائمة على القيم والتوازن والاعتدال، لصالح تصورات مستوردة لا تراعي الخصوصية الاجتماعية ولا الأخلاقية. وهكذا، يبتعد البعض تدريجيًا عن واقعهم الحقيقي، وعن قضاياهم اليومية، وعن محيطهم الأسري والاجتماعي، لينغمسوا في عوالم رقمية تُعيد تشكيل وعيهم وفق منطق المشاهدة لا منطق الفهم، ووفق منطق الاستهلاك لا منطق البناء.
إننا أمام ظاهرة لا تهدد فقط الذوق العام، بل تمسّ عمق الهوية، وتُعيد ترتيب الأولويات داخل الأسرة والمجتمع، ما يستدعي وقفة وعي جماعي تعيد الاعتبار للمحتوى الهادف، وللمرجعيات الأصيلة، وتُرسّخ ثقافة الانتقاء والنقد بدل الانسياق والانبهار.
تحوّل الدور من قدوة إلى مدمن
الكبير الذي يُفترض أن يُربّي، صار في كثير من الحالات أسير شاشة صغيرة، يلاحق الإشعارات، ويتفاعل مع محتويات عابرة، ويقضي ساعات طويلة في عوالم افتراضية تُغذّي الفضول أكثر مما تُنمّي الوعي. هذا التحول الخطير لا يُفقده فقط توازنه الشخصي، بل يُسقط عنه رمزية القدوة. كيف لطفل أن يتعلم الانضباط من أب لا يفارق هاتفه؟ وكيف لمراهق أن يقتنع بقيمة الوقت من أم تضيّعه في التصفح اللامنتهي؟ إننا أمام مفارقة تربوية تُربك الأجيال وتُفرغ الخطاب التوجيهي من مصداقيته.
تفكك الأسرة تحت سطوة الشاشات
لقد كانت الأسرة المغربية، كما في كثير من المجتمعات، تقوم على الدفء والتواصل المباشر، على الجلسات العائلية، على تبادل الحديث، على التقاسم الوجداني. أما اليوم، فقد أصبحت الشاشات ضيفًا دائمًا يقتحم تلك اللحظات، بل ويُصادرها. يجلس الجميع في مكان واحد، لكن كل فرد يعيش في عالمه الخاص. لم تعد هناك حكايات تُروى، ولا تجارب تُنقل، ولا قيم تُغرس كما ينبغي. هذا الانفصال الصامت يُضعف الروابط، ويُحوّل الأسرة من فضاء تفاعلي حي إلى مجرد تجمع صامت لأجساد متجاورة وعقول متباعدة.
عزلة رقمية تُقوَّم على أنها تواصل
تُوهمنا وسائل التواصل الاجتماعي أننا أكثر قربًا من الآخرين، بينما الحقيقة أننا نزداد عزلة. الكبير المدمن على هذه الوسائل قد يمتلك مئات “الأصدقاء” الافتراضيين، لكنه يفقد تدريجيًا قدرته على بناء علاقات حقيقية مع محيطه القريب: أسرته، جيرانه، أصدقاؤه. تختفي الزيارات، تقلّ المجاملات، يضعف الحس الجماعي، وتبهت تلك الروابط الاجتماعية التي كانت تُشكّل قوة المجتمع وتماسكه. إنها عزلة ناعمة تُمارَس باسم التواصل، لكنها تُنتج فراغًا إنسانيًا عميقًا.
تشويه الوعي خارج السياق الثقافي
من أخطر آثار الإدمان الإلكتروني على الكبار، ذلك التأثير العميق على منظومة التفكير والقيم. فالمحتوى الرقمي، خاصة غير المُؤطر، لا ينقل المعرفة فقط، بل يُشكّل القناعات، ويُعيد ترتيب الأولويات، ويُمرّر نماذج سلوكية وثقافية قد لا تنسجم مع هوية المجتمع. عندما يُصبح المصدر الرئيسي للفهم والتفسير هو محتوى مجهول المصدر أو موجّه بخلفيات خفية، فإن النتيجة تكون وعيًا مُشوَّهًا، وثقة زائدة في معلومات غير موثوقة، وقرارات مبنية على انطباعات لا على حقائق.
تراجع المسؤوليات أمام سطوة الافتراضي
الإدمان الإلكتروني لا يسرق الوقت فقط، بل يسرق معه جودة الأداء في الحياة اليومية. كثير من الكبار أصبحوا أقل تركيزًا في أعمالهم، أقل حضورًا في بيوتهم، أقل التزامًا بمسؤولياتهم. تتأخر المهام، تتراكم الواجبات، ويُبرَّر كل ذلك بضيق الوقت، بينما الحقيقة أن الوقت يُهدر في استهلاك محتوى لا يضيف قيمة حقيقية. إننا أمام اختلال في ترتيب الأولويات، حيث يتقدم الترفيه الرقمي على الواجب الواقعي.
اتساع الفجوة بين الأجيال وفقدان التأطير
كان من المفترض أن يكون الكبار جسرًا بين القيم الأصيلة والتحولات الحديثة، لكن الإدمان الإلكتروني جعلهم في كثير من الأحيان جزءًا من المشكلة بدل أن يكونوا جزءًا من الحل. لم يعودوا قادرين على تأطير استعمال أبنائهم للتكنولوجيا، لأنهم أنفسهم غارقون فيها. وهكذا، يفقد الجيل الجديد مرجعيته التربوية، ويبحث عن التوجيه في نفس العوالم التي تُربك الكبار، فتتسع الفجوة، ويضيع التوازن.
استعادة التوازن عبر وعي رقمي مسؤول
ليس المطلوب شيطنة التكنولوجيا، ولا الدعوة إلى القطيعة معها، بل المطلوب هو استعادة التحكم فيها، وإعادة توظيفها بما يخدم الإنسان لا يُسيطر عليه. على الكبار أن يُدركوا أنهم ليسوا مجرد مستخدمين عاديين، بل هم صُنّاع بيئة تربوية واجتماعية. وعيهم الرقمي هو الذي سيُحدّد شكل الأسرة، ونمط العلاقات، ومستقبل الأجيال. إن استعادة البوصلة تبدأ من خطوات بسيطة لكنها حاسمة. تنظيم الوقت الرقمي، تخصيص لحظات خالية من الشاشات داخل الأسرة، إعادة إحياء الحوار المباشر، التحقق من مصادر المعلومات، وتقديم نموذج عملي في التوازن بين العالمين الواقعي والافتراضي.
الدراما المدبلجة وإعادة تشكيل التعاطف القيمي
من أخطر تجليات الإدمان الإلكتروني لدى الكبار، ذلك التعلّق المفرط بالمسلسلات الأجنبية المدبلجة، التي تحوّلت من مجرد مادة ترفيهية إلى مرجعية عاطفية وسلوكية لدى كثير من الآباء والأمهات، بل وحتى الجدات. فبدل أن تكون الشاشة نافذة للاطلاع الواعي، أصبحت بوابة لاستهلاك نماذج حياتية غريبة عن السياق المغربي، لا تمتّ بصلة لثقافته ولا لأخلاقه ولا لخصوصيته الاجتماعية. الأخطر من ذلك، أن هذه الأعمال تُعيد تشكيل التعاطف بشكل مقلوب؛ إذ نجد بعض المتابعين يتماهَون مع شخصيات مجرمة أو فاسدة سلوكيًا، فقط لأنها قُدّمت في لحظات إنسانية أو مواقف “بطولية” مُصطنعة داخل حبكة درامية محبوكة بعناية. وهنا يختلط الخير بالشر، وتضيع الحدود بين القيم والانحراف، فيصبح المُدان مُبرَّرًا، والمنحرف “مظلومًا”، والمُشاهد مُتلقّيًا بلا تمحيص. إن هذا الانزلاق العاطفي لا يُضعف فقط الحس النقدي، بل يُعيد صياغة الوعي القيمي داخل الأسرة، ويُمرّر رسائل خطيرة للأبناء، مفادها أن السلوك لا يُقاس بثوابته، بل بكيفية تقديمه على الشاشة. وهكذا، تتحول الدراما من وسيلة للتسلية إلى أداة ناعمة لإعادة تشكيل القيم، في غفلة من المربي الذي كان يُفترض فيه أن يكون حارسًا للوعي لا أسيرًا له
.
إصلاح الكبار مدخل لإصلاح المجتمع
إن أزمة الإدمان الإلكتروني للكبار ليست مشكلة فردية، بل هي قضية مجتمعية تمسّ عمق البناء الإنساني. فبضياع المربّي يضيع التوجيه، وبغياب القدوة تختل القيم، وباختلال الكبار يدفع الصغار الثمن.
لذلك، فإن إصلاح هذا الخلل لا يبدأ من الطفل، بل من الكبير: من وعيه، من سلوكه، من قدرته على قول “كفى” في وجه استهلاك رقمي مفرط، ومن استعداده لاستعادة دوره كمرشد وموجّه وحامٍ. فالمجتمع الذي يريد أن يحمي أجياله، عليه أولًا أن يُنقذ من يُفترض أنهم حماة هذه الأجيال… لأن القدوة إذا استيقظت، استيقظ معها المستقبل



