السياسية

القطب الصناعي عين تيزغة : مشروع استراتيجي عمره 12 سنة يعيد طرح أسئلة الحكامة والمحاسبة بإقليم بنسليمان

القطب الصناعي عين تيزغة ..هل سيخرج الى الوجود ام سيعرف نفس الولادة الفاشلة؟

 

بقلم: بوشعيب حمراوي

أعاد الإعلان الرسمي عن مشاريع المناطق الصناعية الجديدة بإقليمي المحمدية وبنسليمان، والتي تمتد على مساحة تناهز 1100 هكتار، النقاش بقوة حول مستقبل المنطقة الصناعية بعين تيزغة اقليم بنسليمان ، باعتبارها واحداً من أكثر المشاريع التنموية التي أثارت آمالاً كبيرة بإقليم بنسليمان منذ 12 سنة، قبل أن تدخل في دوامة طويلة من التعثر والغموض والصمت الإداري.

ورغم الترحيب الواسع بعودة المشروع إلى واجهة الاهتمام الرسمي، فإن جزءاً كبيراً من الرأي العام المحلي لا يزال يتعامل مع هذا الملف بحذر وتساؤلات مشروعة، بسبب المسار الطويل والمعقد الذي قطعه المشروع منذ الإعلان عنه لأول مرة سنة 2014، دون أن يرى النور إلى حدود اليوم.

فالسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح اليوم ليس فقط: “هل ستنجز المنطقة الصناعية؟”، بل أيضا: “ما الذي وقع بالضبط للمشروع الأول؟ ومن يتحمل مسؤولية تعثره؟ وهل تمت مساءلة الجهات التي أشرفت عليه أو عطلته؟”.

مشروع حكومي ضخم انطلق بطموحات كبيرة

البداية كانت سنة 2014، حين صادق مجلس حكومي على مشروع إحداث قطب صناعي متكامل لصناعة مواد البناء والأشغال العمومية فوق مساحة بلغت حوالي 157 هكتارا بترابي جماعتي عين تيزغة والشراط بإقليم بنسليمان.
في تلك المرحلة، قدم المشروع باعتباره ورشا صناعيا استراتيجيا من شأنه تحويل الإقليم إلى قطب وطني لصناعة مواد البناء، اعتمادا على عشرات المقالع المنتشرة بالإقليم، خاصة بجماعتي الزيايدة وعين تيزغة، والتي تضم مقالع للأحجار والحصى والرمال والرخام ومواد التوفنة.
بلاغ وزارة التجهيز والنقل واللوجستيك آنذاك، في عهد الوزير عزيز رباح، تحدث بلغة الأرقام الكبرى والوعود الاقتصادية الضخمة. فقد أعلن أن المشروع سينجز في ظرف 14 شهرا فقط، بغلاف مالي ناهز 463,2 مليون درهم، مع توقع استثمارات صناعية تصل إلى حوالي 6 مليارات درهم، ورقم معاملات سنوي يناهز مليار درهم، إضافة إلى خلق حوالي 7000 منصب شغل مباشر، ومداخيل جبائية سنوية قدرت بحوالي 300 مليون درهم.

مشروع متكامل بمواصفات صناعية ولوجستيكية

ولم يكن المشروع مجرد منطقة صناعية تقليدية، بل كان تصورا متكاملا يشمل تهيئة البنيات التحتية الخارجية المرتبطة بمبدل الطريق السيار، والطرق السريعة، والصرف الصحي، والربط بالماء والكهرباء، إلى جانب تجهيزات داخلية تشمل الطرق، والإنارة، والاتصالات، واللوحات الإرشادية، وبناء مركز خدمات على مساحة تناهز 5000 متر مربع.

كما تم حينها تشكيل لجنة وزارية تضم ممثلين عن عدة قطاعات حكومية، من بينها الداخلية والمالية والطاقة والمعادن والصناعة والتجارة والسكنى، إضافة إلى المندوبية السامية للمياه والغابات ومحاربة التصحر، للإشراف على الدراسات التقنية والمالية للمشروع.

وكان الهدف المعلن هو إعادة هيكلة قطاع مواد البناء، وتشجيع الابتكار والهندسة الصناعية، وخلق قيمة مضافة قرب المقالع، وتحسين جودة مشاريع البناء والأشغال العمومية، وتطوير السلسلة اللوجستيكية، مع مراعاة الجوانب البيئية والترابية..

لكن… ماذا وقع بعد ذلك؟

رغم كل تلك الوعود والطموحات، اختفى المشروع بشكل تدريجي من الواجهة، دون تقديم توضيحات دقيقة للرأي العام المحلي حول أسباب التعثر الحقيقي.
ومع مرور 12 سنة، تحول المشروع إلى مجرد ملف مؤجل، بينما بقيت الأسئلة معلقة دون أجوبة واضحة:
هل كانت الدراسات التقنية والمالية غير دقيقة؟
هل كان المشكل عقاريا؟
هل كان هناك تضارب بين القطاعات الحكومية حول الإشراف والتدبير؟
هل ظهرت عراقيل بيئية أو قانونية؟
أم أن المشروع استُعمل فقط في مرحلة معينة كعنوان سياسي وتنموي دون توفر شروط التنفيذ الحقيقي؟

هذه الأسئلة لا تزال مطروحة بقوة إلى اليوم، خاصة وأن المشروع قطع مراحل متقدمة من الدراسات والإعلان الرسمي والتعبئة المؤسساتية، قبل أن يتوقف بشكل شبه كامل لسنوات طويلة.

إعادة إحياء المشروع… لكن بضرورة الوضوح

المثير في هذا الملف أن مشروع عين تيزغة يعود اليوم إلى الواجهة وكأنه مشروع جديد بالكامل، رغم أنه قطع قبل 12 سنة مسارا حكوميا وإداريا متقدما، شمل مصادقة مجلس حكومي، وإصدار بلاغات رسمية، وتشكيل لجنة وزارية متعددة القطاعات لتتبع المشروع، وإنجاز دراسات تقنية ومالية، بل وحتى برمجة مشاريع وبنيات موازية مرتبطة بمحيطه الطرقي واللوجستيكي.
وهنا تطرح عدة تساؤلات جوهرية حول مسار العمل الحكومي واستمرارية السياسات العمومية:
هل لم تنتبه الحكومة الحالية إلى المراحل التي قطعها المشروع سابقا؟
وأين ذهبت نتائج الدراسات والأموال واللجان التي اشتغلت عليه لسنوات؟
وما مصير التصورات التقنية والوعاء العقاري والبنيات الموازية التي تمت برمجتها آنذاك؟
وهل تمت عملية تقييم حقيقية لأسباب التعثر قبل إعادة تقديم المشروع بصيغة جديدة؟
فالرأي العام المحلي لا يبحث فقط عن إعلان جديد، بل عن أجوبة واضحة تفسر لماذا ظل مشروع استراتيجي بهذا الحجم مجمدا طوال هذه السنوات، رغم التعبئة الحكومية والمؤسساتية التي رافقت انطلاقته الأولى.
اليوم، يعود مشروع عين تيزغة من جديد ضمن رؤية صناعية جديدة تقودها الدولة بشراكة مع شركة ميدزيد التابعة لمجموعة صندوق الإيداع والتدبير، إلى جانب السلطات الإقليمية والوكالة الحضرية برشيد ـ بنسليمان.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن المشروع الجديد سيقام فوق مساحة تناهز 134 هكتارا، ضمن برنامج جهوي يشمل أيضا منطقة صناعية بموالين الواد على مساحة تناهز 350 هكتارا، بالإضافة إلى مشروع صناعي ضخم بالمحمدية على مساحة 660 هكتارا.
لكن إعادة بعث المشروع تفرض، قبل أي شيء، ضرورة تقديم توضيحات للرأي العام حول مصير المشروع الأول، والكشف عن الأسباب الحقيقية التي حالت دون تنفيذه رغم مرور 12 سنة على إطلاقه.

التخوف المشروع… من تكرار نفس السيناريو

جزء كبير من التخوفات التي يعبر عنها سكان الإقليم والمهتمون بالشأن التنموي لا يتعلق برفض المشروع، بل بالخوف من تكرار نفس السيناريو السابق: بلاغات رسمية كبيرة…دراسات تقنية…أرقام ضخمة…اجتماعات ولجان…
ثم سنوات طويلة من الصمت دون أثر على أرض الواقع.
فالإقليم عاش لسنوات على وقع مشاريع كبرى تم الإعلان عنها دون أن تصل كلها إلى مستوى التنزيل الذي كان ينتظره المواطنون، وهو ما خلق نوعا من فقدان الثقة في عدد من الوعود التنموية.

هل هناك خلل وجب التحقيق فيه؟

المسار الذي قطعه مشروع عين تيزغة منذ سنة 2014 يطرح بالفعل علامات استفهام حقيقية تستوجب التوضيح وربما التحقيق المؤسساتي والإداري، ليس من باب تصفية الحسابات، بل من أجل فهم أسباب التعثر وتفادي تكرارها مستقبلا.
فأي مشروع استراتيجي بهذا الحجم، جرى الإعلان عنه رسميا داخل مجلس حكومي، وتمت تعبئة عدة وزارات ومؤسسات عمومية حوله، ثم اختفى لسنوات دون نتائج ملموسة، يستوجب على الأقل تقديم تقييم واضح للرأي العام يحدد أين وقع الخلل، ومن يتحمل مسؤولية التأخير، وما هي الدروس المستخلصة قبل إعادة إطلاق المشروع من جديد.

لأن بناء الثقة في المشاريع التنموية لا يتم فقط عبر الإعلان عنها، بل عبر ربطها بالشفافية، والمحاسبة، والوضوح، واحترام الالتزامات.

بين الأمل والحذر

رغم كل هذه التخوفات، يبقى مشروع المنطقة الصناعية بعين تيزغة فرصة حقيقية لإقليم بنسليمان، بالنظر إلى موقعه الاستراتيجي ومؤهلاته الطبيعية واللوجستيكية، خاصة في ظل الدينامية الصناعية والاستثمارية الجديدة التي تعرفها جهة الدار البيضاء ـ سطات.
لكن نجاح المشروع هذه المرة يظل رهينا بقدرة الدولة والمتدخلين على القطع مع منطق المشاريع المؤجلة، والانتقال السريع إلى التنفيذ الفعلي، مع توفير الشفافية الكاملة في مختلف مراحل الإنجاز، وربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى لا يتحول حلم صناعي جديد إلى مجرد عنوان آخر داخل أرشيف الوعود التنموية المؤجلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى