🚨🚩✍🏼: الصحافة المستقلة: حين يكون السؤال أبلغ من الموقف

عندما تتكاثر المنابر وتتزاحم الروايات، لن تعد الصحافة المستقلة مجرد خيار مهني، بل تصبح حاجة عامة وضرورة ديمقراطية. فالمشهد الإعلامي اليوم لم يعد يحتمل صحافةً تكتفي بالترديد، أو تنخرط في الاصطفاف، أو تتحول إلى مساحة لتسويق المواقف الجاهزة بدل مساءلة الواقع. وهنا بالضبط تتجلى قيمة الصحافة التي لا تدافع عن جهة دون أخرى، بل تدافع عن حق الناس في أن يعرفوا.
الصحافة المستقلة ليست تلك التي ترفع شعار الحياد لتتوارى خلفه، بل التي تمتلك شجاعة السؤال، ودقة التحقق، ونزاهة المسافة بين الخبر والسلطة.

فالمهنة الصحفية لا تُقاس بقربها من مراكز النفوذ، ولا بقدرتها على مجاراة المزاج العام، بل بصلابتها في مواجهة التضليل، وبقدرتها على كشف ما يُراد له أن يبقى في الظل. ولهذا، فإن أول امتحان للاستقلالية هو أن تظل الحقيقة هي المرجعية الأولى والأخيرة.
وفي كثير من الأحيان، يُراد للصحافة أن تختار موقعًا في معادلة الصراع: مع هذا أو ضد ذاك. غير أن الصحافة المستقلة لا تشتغل بهذه اللغة الضيقة، لأنها تدرك أن دورها ليس توزيع شهادات الولاء، بل تفكيك الوقائع ووضعها أمام الرأي العام كما هي، أو أقرب ما تكون إلى ما هي عليه. فهي لا تصنع الخصومات، لكنها لا تخشى ملامسة مناطق التوتر، ولا تتردد في طرح الأسئلة التي يفضّل البعض دفنها تحت ضجيج الخطاب.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب العمل الصحفي هو أن يفقد مسافته النقدية. فحين تتحول الصحافة إلى أداة للدفاع، تفقد قدرتها على المراقبة، وحين تنزل إلى ساحة التبرير، تتنازل عن وظيفتها الأصلية بوصفها سلطةً رابعة لا سلطةً تابعة. الصحفي المستقل لا يشتغل بمنطق الصديق والعدو، بل بمنطق المسؤولية المهنية، وهو يدرك أن الإنصاف لا يعني المهادنة، وأن التوازن لا يعني المساواة بين الحقيقة والزيف.

ومع ذلك، فإن الاستقلالية ليست موقفًا سلبيًا أو باردًا أمام الأحداث. فالصمت أمام الانتهاك ليس حيادًا، والتغاضي عن الخطأ ليس مهنية، والتساوي بين الضحية والجلاد ليس توازنًا. الصحافة المستقلة تنحاز، نعم، لكنها تنحاز إلى الحق العام، وإلى المعطى الموثق، وإلى مصلحة الجمهور، وإلى حق المجتمع في أن يرى الصورة كاملة، لا الصورة التي يُراد له أن يراها فقط.
وفي السياقات السياسية والاجتماعية المعقدة، تصبح هذه الوظيفة أكثر إلحاحًا. لأن المجتمعات لا تنهض بالإشاعة، ولا تُبنى بالخطاب المنفعل، ولا تُدار بالولاءات الإعلامية. ما تحتاجه هو صحافة تُضيء ولا تُضلل، وتُسائل ولا تُصادر، وتفتح النوافذ بدل أن تغلقها.
ومن هنا، فإن قوة الصحافة المستقلة لا تكمن في صخبها، بل في قدرتها على الإزعاج المشروع؛ ذلك الإزعاج الذي يوقظ الأسئلة ويمنع الحقيقة من أن تُدفن.
لذلك، فالدفاع الحقيقي عن الصحافة المستقلة لا يكون بالشعارات، بل باحترام قواعدها: المتمثلة في التحقق، والتوازن، والدقة، والجرأة. أما الصحافة التي تختار الاصطفاف، فهي ربما تربح لحظة تأثير، لكنها تخسر مستقبلها المهني.
وحدها الصحافة التي تضع الحقيقة فوق الحسابات، والجمهور فوق الولاءات، تستطيع أن تحافظ على معناها، وأن تستحق ثقة الناس.
وفي النهاية، الصحافة المستقلة ليست مع أحد ضد أحد، بل مع الحقيقة ضد التزييف، ومع الناس ضد الإخفاء، ومع السؤال ضد الإجابة الجاهزة. وهذا وحده ما يجعلها، رغم كل الضغوط، ضرورة لا غنى عنها في أي مجتمع يريد أن يرى نفسه بوضوح.
بقلم : حميد فوزي



