النظام العالمي من الأحادية القطبية الجلية إلى منظومة لا وجه لها ولا قسمات!!
(هذه حال عالمنا.. كما تسلّمَتْ مفاتيحَه سنةُ 2026 )

محمد عزيز الوكيلي
يشهد العالم منذ بدايات هذه السنة تحولات جذرية في بنية النظام المُسمَّى عالمياً، حتى باتت الأوساط الأكاديمية والسياسية تصفه بـ “عام التأثير السياسي المتأخّر”.
فالتداعيات التراكمية للقرارات والسياسات التي اتُخذت خلال العقد الماضي بدأت تظهر نتائجُها أكثر وضوحاً، في بيئات إقليمية وجهوية ودولية تتسم بغياب الاستقرار، وبتآكل التحالفات التقليدية، وتراجع فعالية المَحاور التي كانت بالأمس يُحسَب لها ألفُ حساب.
فمن جهة، يتعمق التنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين وروسيا، ليشمل مجالات جديدة كالذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة.
ومن جهة أخرى، تظل الأزمات الإقليمية المزمنة في الشرق الأوسط وأوكرانيا والشرق الأقصى مفتوحة على احتمالات التصعيد، بينما يبرز خطر التغيّر المناخي كعامل أمني هو الآخر يقض المَضاجع بما ينذر به من مزيد الاختلالات، وبالتالي المزيد من الصراعات.
يصف بعض الدارسين هذه السنة، كما سبق القول، بـ “سنة التأثير السياسي المتأخر”: لأنها تتميّز بالنتائج التراكمية لسياسات السنوات الماضية، التي بدأت تظهر بوضوح ولكن بشكل بالغِ البُطء والتأخّر… فكيف ذلك؟
– هناك انعدام اليقين، وتراجع مؤشرات الاستقرار، وتآكل التحالفات التقليدية، التي حلت محلها تحالفات من جيل جديد يتسم بنوع من المكيافيلية، ولكنها ميكيافيلية إيجابية لأنها تراعي مصالح مختلِف الأطراف المنخرطة فيها؛
– وهناك انتهاء نظام القطب الواحد فعلياً، بحيث صارت التحالفات، تأكيدا لما سلف قوله، براغماتية بكل دلالات الكلمة، وصارت المصلحة الوطنية هي المعيار المفضل لدى أغلب الفاعلين في الساحة الدولية؛
– وهناك التنافس المتنامي بين الدول العظمى كمحرك رئيسي لعدم الاستقرار العالمي، فيما يمكن تشبيهه نسبيا بسنوات الهدنة، الصُّورِية، التي كانت تتخلل الحرب الباردة غير المأسوف عليها، والتي كانت تُخرَق لأتفه الأسباب؛
– وهناك الذكاء الاصطناعي، الذي تحول بدوره إلى ساحة صراع جيوسياسي، حيث ظهرت نماذج على درجة قصوى من التنافسية، مثل نموذج الروبوتيك الصيني “ديب سيك” على سبيل المثال، والذي أحدث هزة شديدة ومفاجئة بالأسواق الأمريكية.
– وهناك ملف تايوان متفاقمُ الخطورة، والذي يُرتقَب أن تنعقد من أجل البت فيه قمة بين الرئيسين دونالد ترامب وشي جين بينغ، في المستقبل القريب؛
– وهناك الحرب الروسية/الأوكرانية التي تدخل الآن سنتها الخامسة، في ظل ضغط أمريكي متوقع لإجبار كييف على تنازلات مقابل ضمانات أمنية روسية، بينما الداهية بوتين يراهن على استنزاف الإرادة الأوكرانية رغم الرقم الإحصائي المرعب، والمتمثل في مليون إصابة من الجانب الروسي؛
– ثم هناك الأحوال الملتبسة بمنطقة الشرق الأوسط والعالم العربي، والتي تميزت هي الأخرى بزخم هائل من الاضطرابات والقلاقل، حيث تشهد المنطقة هدنة فلسطينية إسرائيلية هشة، منذ 10 أكتوبر الماضي، بينما ترك ترامب في مشروعه للسلام نقاطاً كثيرة غير محسومة؛ وحيث يستمر نتنياهو في تهديده المعتاد باستئناف القتال، تُحرِّكه إلى ذلك الانتخاباتُ المتوقع جريانها في أكتوبر المقبل بإسرائيل، بينما يسعى الرئيس دونالد ترامب إلى تحويل تلك الهدنة إلى اتفاق إقليمي، ولكنه سيكون اتفاقاً متميزاً بشكل خاص، لأنه يتوقّع أن “يشمل التطبيع مع إسرائيل من لدن المملكةَ العربية السعودية”، علما بأن السعودية تبقى متمسكة بمشروعها الأصيل، القائم على مشروع الدولتَيْن فكيف ستُحل هذه المعادلة المستعصية؟ لا أحد يعلم!!
– وأخيراً وليس آخراً، هناك التدخل الخارجي في نزاعات المنطقة الشرق أوسطية، وتزايد ذلك التدخل في أزماتها المتفاقمة، وصعود نفوذ تركيا وإيران كفاعل رئيسي رغم أنف القوى العظمى…
كل هذا… فضلا عن الأزمة السورية، التي لم يقع فك شفراتها بَعدُ لأنها شفرات عصية وكأداء، وهذا كما يبدو قاسِمٌ مشترَك بين الأزمات
الهيكلية المتمططة في كل من غزة ولبنان واليمن وليبيا والسودان… إلى غاية إشعار آخر !!
نهايته… نخلص مما سبق، إلى القول إن هذه السنة ليست مجرد استمرار للسنوات التي سبقتها، بل هي محطة مفصلية تعكس نتائج تراكمية لتحولات عميقة في السياسة والاقتصاد والأمن على الصعيد العالمي برمته…
والخلاصة التي لايسع المرء إلا أن يستخلصها من هذا الخليط غير المتحانس من الأحداث والوقائع، هي أنه قد انتهى عملياً “عصر القطبية الأحادية، ليحل محله نظام عالمي مختلف، متعدد الأقطاب، تتوزع فيه مراكز القوى بين قوى تقليدية متراجعة بحكم حتمية التاريخ، وأخرى صاعدة بحكم الحتمية ذاتها، وتبرز فيه أدوار متزايدة للدول المتوسطة، خاصة في منطقة الخليج العربي، وبلدان عربية صاعدة أخرى كالمغرب والجمهورية العربية المصرية…
ومن يدري، فلعل هذه الاضطرابات ستحمل في نهاياتها دوافع قوية وشديدة لإعادة النظر، من جديد، في توازنات هذا النظام، الذي يُراد له أن يكون عالميا، وبالتالي فالضرورة تقتضي الآن أن يكتسي هذه المرة صفةَ العالمية واقعاً وليس بالشعارات فحسب… ولا ريب أن القادم من الأيام سيحمل معه المزيد من المفاجآت في هذا الاتجاه… من يدري؟..
________________
محمد عزيز الوكيلي
إطار تربوي متقاعد.



