كتاب البديل

حين يصبح الجمهور منتجًا للمعنى: السياسة والتفاهة، ومعركة الانتباه في الفضاء الرقمي المغربي

بقلم : حميد فوزي

لم يعد الجمهور اليوم مجرد كتلة صامتة تتلقى ما تبثه وسائل الإعلام، بل صار شريكًا في صناعة الخبر، وتشكيل الرأي، وإعادة بناء الرواية. وهذه ليست مجرد نقلة تقنية ارتبطت بانتشار الهواتف الذكية ومنصات التواصل، بل تحوّل عميق في بنية المجال العمومي نفسه. ففي المغرب، كما في غيره من البلدان، لم يعد الحدث يُفهم فقط عبر ما تقوله المؤسسات الإعلامية، بل عبر ما يصنعه الناس من سرديات بديلة، وما يمنحونه من دلالات، وما يضيفونه من شحنات عاطفية أو سياسية أو رمزية. بهذا المعنى، أصبح الجمهور منتجًا للمعنى قبل أن يكون مستهلكًا له.
لكن هذه الحقيقة، على أهميتها، تحمل في داخلها مفارقة مقلقة. فكلما اتسعت قدرة الجمهور على التفاعل وإنتاج المحتوى، ازداد في المقابل حضور التفاهة بوصفها الشكل الأكثر انتشارًا والأسرع تداولًا والأقدر على جذب الانتباه. وهنا تكمن المعضلة: الفضاء الذي فتح الباب أمام تعميم التعبير والمشاركة، هو نفسه الفضاء الذي جعل السطحي والمبتذل يتقدم على الجاد والعميق. وما يبدو في ظاهره تحريرًا للخطاب العام قد يتحول، في العمق، إلى إعادة إنتاج جديدة للهيمنة، لكن هذه المرة عبر الخوارزميات والانتباه لا عبر الرقابة الصريحة.


في الحالة المغربية، لا يمكن فصل هذا التحول عن الدينامية السياسية والاجتماعية الأوسع. فقد أظهرت دراسات حديثة أن الشبكات الرقمية أسهمت في إعادة تشكيل الحقل الاجتماعي/السياسي، ووسّعت من هامش التعبير لدى الشباب، وخلقت أشكالًا جديدة من التفاعل مع القضايا العمومية. وفي المقابل، أوضحت دراسة أنوار التازي أن التواصل السياسي الرقمي أصبح جزءًا بنيويًا من اشتغال الأحزاب المغربية، التي باتت تعتمد على المنصات الرقمية للتواصل مع الناخبين وتعزيز حضورها السياسي. غير أن هذا التوسع في استعمال الوسائط الرقمية لا يعني بالضرورة توسعًا في الوعي السياسي، لأن الشروط التي تحكم التداول الرقمي نفسها قد تدفع نحو الاختزال والتبسيط والانزلاق نحو المحتوى الأقل قيمة.


من هنا، يصبح طغيان التفاهة أكثر من مجرد وصف أخلاقي للمشهد الرقمي؛ إنه توصيف لبنية كاملة من التفضيلات والتفاعلات والمنطق التقني الذي يحكم المنصات. فالمحتوى الذي يحقق أكبر عدد من المشاهدات والتفاعلات ليس بالضرورة الأهم، بل غالبًا الأكثر إثارة أو إثارة للجدل أو قدرة على تحريك الغرائز السريعة. ولهذا، حين تقول نتائج استطلاع إن الغالبية الساحقة من المغاربة ترى أن المحتوى التافه يحظى بأوسع انتشار، فإن هذه النتيجة لا تعني فقط أن الجمهور يشتكي من السطحية، بل تعني أيضًا أن الفضاء الرقمي نفسه بات يُكافئ هذه السطحية ويمنحها أفضلية تنافسية واضحة.

لكن الخطر لا يكمن في انتشار التفاهة فقط، بل في ما تفعله هذه التفاهة بالوعي العام. فالخطاب الجاد يحتاج إلى وقت، وإلى قراءة، وإلى سياق، وإلى قدرة على التحليل. أما المنصات الرقمية فتصمم أساسًا لإنتاج السرعة، لا العمق؛ التفاعل، لا التأمل؛ الانتشار، لا التثبيت. وهنا يحدث الانقلاب الحقيقي: السياسة، التي يفترض أن تكون مجالًا للنقاش العام ولإنتاج الأولويات الجماعية، تجد نفسها مضطرة للمرور عبر قنوات تفضّل الخفة على الثقل، والصورة على الفكرة، والاختصار على التفسير. وهكذا تتراجع الرسالة لمصلحة الشكل، ويتراجع المعنى لمصلحة الإيقاع.

في هذا الإطار، لا يصح تحميل الجمهور وحده مسؤولية ما يجري. فالجمهور لا يتحرك في فراغ، بل داخل نظام رقمي مصمم لالتقاط انتباهه وتوجيه سلوكه. الخوارزميات لا تحتفي بالمحتوى الأكثر مسؤولية، بل بالأكثر قدرة على إثارة رد الفعل. وهذا ما يفسر كيف يمكن لمحتوى سياسي مهم أن يمر بصمت، بينما يحصد محتوى ترفيهي أو فضائحي أو ساخر آلاف التفاعلات في دقائق. المشكلة إذن ليست في ذوق الجمهور فقط، بل في البيئة التي تعيد تشكيل ذوقه باستمرار.

ومع ذلك، لا ينبغي التقليل من القيمة السياسية لتمكن الجمهور من إنتاج روايته الخاصة. فهذه القدرة تتيح كسر احتكار الخبر، وتوسيع دائرة المشاركة، وإتاحة المجال أمام الأصوات التي لم تكن تجد منفذًا في الإعلام التقليدي. وقد أثبتت التجارب أن التفاعل الرقمي يمكن أن يرفع منسوب الوعي، ويحوّل بعض القضايا المحلية إلى مواضيع عامة، ويمنح الفئات الهامشية إمكانًا جديدًا للحضور. لكن هذا المكسب يظل هشًا إذا لم يُحط بثقافة رقمية ناضجة، وإذا لم يقترن بقدرة على التمييز بين المشاركة المنتجة والضوضاء الاستعراضية.

من هنا، تبدو الأحزاب السياسية نفسها أمام مأزق مزدوج. فهي من جهة مضطرة إلى الوجود في المنصات الرقمية حتى لا تنقطع عن الجمهور، ومن جهة أخرى مهددة بالانزلاق إلى منطق المنصة نفسه، حيث يتحول الخطاب السياسي إلى مادة استهلاكية خفيفة، ويجري تطعيمه بلغة الصورة والمشاهدة والتفاعل السريع. وقد نبّهت دراسة أنوار التازي إلى أن الأحزاب المغربية أصبحت تعتمد على الوسائط الرقمية كأداة للتواصل مع الناخبين وبناء الحضور السياسي، لكن السؤال الذي يظل مطروحًا هو: هل يكفي الحضور الرقمي لصناعة تأثير سياسي حقيقي، أم أن ذلك الحضور قد ينقلب، في بعض الأحيان، إلى مجرد واجهة شكلية لا تغير في عمق العلاقة بين السياسة والمجتمع؟

هذا السؤال يزداد أهمية حين نلاحظ أن الجمهور نفسه لم يعد يكتفي بالاستهلاك، بل دخل في مرحلة إعادة إنتاج المعنى. فهو يعلّق، ويعيد النشر، ويحوّر، ويضيف، ويعيد تفسير الحدث بما يناسب تمثلاته. وهذه الدينامية تمنح الفضاء الرقمي طابعًا حيًا ومتحركًا، لكنها تفتح أيضًا الباب أمام التبسيط والإشاعة والتأويلات السريعة. وفي لحظة ما، يصبح الحد الفاصل بين التفاعل الواعي والتفاعل الانفعالي ضبابيًا للغاية. عندها، تتحول المنصات من مجال لتوسيع النقاش إلى مجال لتكثيف الضجيج، ومن ساحة للمعنى إلى ساحة للمواجهة الرمزية المفتوحة.
لهذا كله، فإن معركة الفضاء الرقمي في المغرب ليست معركة تقنية فقط، بل معركة على طبيعة المجال العمومي ذاته. هل نريد فضاءً يوسّع الوعي، أم فضاءً يعيد تدوير التفاهة؟

هل نريد جمهورًا يصنع المعنى، أم جمهورًا يستهلك الإثارة فقط؟ هل يمكن للسياسة أن تستعيد موقعها في زمن السرعة، أم أنها ستظل مضطرة إلى التخفف من مضمونها كي تُسمع؟ هذه الأسئلة لا تخص النخب وحدها، بل تخص المجتمع كله، لأن مستقبل النقاش العام يتحدد اليوم على الشاشات الصغيرة بقدر ما يتحدد في المؤسسات الكبرى.
إن ما نعيشه ليس مجرد انتقال من الإعلام التقليدي إلى الإعلام الرقمي، بل انتقال من احتكار السرد إلى تشظي السرديات. وهذا بحد ذاته ليس خطرًا، بل قد يكون فرصة ديمقراطية حقيقية. غير أن هذه الفرصة لن تتحقق إلا إذا جرى الدفاع عن القيمة داخل الفضاء الرقمي، وعن الجاد في مواجهة السطحي، وعن التحليل في مواجهة الضجيج.
فالجمهور الذي يصنع رواياته الخاصة قادر أيضًا على صناعة الوعي، لكن ذلك يقتضي بيئة تضمن له ما هو أبعد من التفاهة وأكثر من مجرد التفاعل اللحظي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى