ميساج

الانتخابات بالمغرب.. معركة إصلاح أم سباق نحو الكراسي؟

 

بقلم: بوشعيب حمراوي

ليست الانتخابات في المغرب مجرد موعد دوري لاختيار ممثلين جدد داخل الجماعات الترابية أو البرلمان أو الغرف المهنية، وليست أيضا مناسبة عابرة لتبديل الوجوه أو إعادة توزيع الأدوار بين الأحزاب. إنها، في جوهرها الحقيقي، لحظة فاصلة لقياس منسوب الوعي الوطني، واختبار لمدى نضج المجتمع، ومناسبة حاسمة لتحديد الاتجاه الذي ستسلكه البلاد: هل تتجه نحو ترسيخ دولة المؤسسات والكفاءة والمحاسبة، أم تستمر في الدوران داخل حلقة مفرغة من الشعارات، والولاءات، والمصالح الضيقة، وإعادة إنتاج نفس الأعطاب السياسية والإدارية؟.

لقد راكم المغرب تجارب انتخابية كثيرة، وتعاقبت عليه حكومات متعددة، وتناوبت على تدبير شؤونه نخب وأحزاب وهيئات، لكن الحصيلة التي ترسخت في وجدان فئات واسعة من المغاربة، لا تزال مشوبة بكثير من الشك والإحباط والحذر. ذلك أن جزءا مهما من العملية الانتخابية ظل، في أكثر من محطة، محكوما بعادات سياسية سيئة، وبممارسات مشينة، وبأشكال من الغموض والتدليس والعبث، جعلت المواطن يفقد الثقة في كثير من الوعود، ويشكك في كثير من الشعارات، ويتردد في الإقبال على صناديق الاقتراع.

ومع ذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يقع فيه المجتمع، ليس فساد بعض المرشحين فقط، ولا سقوط بعض الأحزاب في منطق الغنيمة، بل أخطر من ذلك كله أن يستسلم المواطن الشريف والمثقف والواعي للعزوف، وأن ينسحب من المعركة، وأن يترك الساحة فارغة لمن يتقنون شراء الذمم، وتضليل الناخبين، والمتاجرة في حاجات الناس. لذلك، فإن الحديث عن الانتخابات بالمغرب، ينبغي ألا يكون حديثا موسميا أو انفعاليا، بل حديثا مسؤولا، ترافعيا، وصريحا، يلامس الأعطاب الحقيقية، ويدافع عن شروط انتخابات جادة، منتجة، ونظيفة، وقادرة على إفراز مؤسسات تحترم الوطن والمواطن.

الانتخابات ليست حفلا ديمقراطيا شكليا بل امتحان حقيقي لجدية الدولة والمجتمع

لا يمكن لأي بلد أن يحقق تنمية حقيقية، أو يبني مؤسسات محترمة، أو يضمن العدالة المجالية والاجتماعية، دون أن تكون له انتخابات ذات معنى. لأن الانتخابات ليست ديكورا سياسيا لتجميل الواجهة، ولا طقسا دستوريا لتبرير وجود الأحزاب والمجالس والحكومات، بل هي المدخل الحقيقي لتوزيع المسؤولية، وتحديد من يستحق تدبير المال العام، ومن يملك الأهلية الأخلاقية والكفاءة المهنية لتمثيل الناس والدفاع عن مصالحهم.

ومن هذا المنطلق، فإن أزمة الانتخابات في المغرب ليست أزمة تقنية فقط، ولا ترتبط فقط بالقوانين والمساطر، بل هي أيضا أزمة ثقافة سياسية، وأزمة أخلاق عامة، وأزمة وعي جماعي بدور التصويت ودور الترشح ودور الرقابة. فحين تتحول الانتخابات إلى موسم للضجيج، والوعود الفضفاضة، والاستعراض الفارغ، وشراء الولاءات، فإنها تفقد معناها الديمقراطي وتتحول إلى معبر لإنتاج مؤسسات ضعيفة، عاجزة عن الإصلاح، ومولعة بتوزيع الامتيازات بدل صناعة الحلول.

إن المغرب في حاجة إلى انتخابات تعيد الاعتبار للفعل السياسي النبيل، لا إلى انتخابات ترسخ صورة السياسة كمستنقع للانتهازيين والوصوليين. وهو في حاجة إلى استحقاقات تؤسس للثقة، لا إلى محطات تزيد من منسوب النفور والخذلان. فالدول لا تنهض بالشعارات وحدها، وإنما تنهض حين يصبح الوصول إلى المسؤولية مبنيا على الاستحقاق، والنزاهة، والوضوح، والقدرة على الإنجاز.

العزوف الانتخابي ليس حيادا بل مساهمة غير مباشرة في انتصار الفساد

 

من أكبر الأخطاء التي وقعت فيها فئات واسعة من المجتمع المغربي، أنها حولت مقاطعة الانتخابات إلى نوع من البراءة السياسية أو إلى موقف أخلاقي مكتمل. والحقيقة أن العزوف، مهما كانت دوافعه مفهومة أحيانا، لا يعاقب الفاسدين، بل يخدمهم. لأن النظام الانتخابي لا يتوقف بسبب المقاطعة، والمجالس لا تبقى فارغة لأن الشرفاء انسحبوا، والبرلمان لا يؤجل تشكيله لأن المثقفين احتجوا من وراء الشاشات أو داخل المقاهي.

 

حين يقاطع المواطن النزيه الانتخابات، فهو لا يسحب الشرعية من الفاسد بقدر ما يفسح له الطريق. وحين يرفض صاحب الضمير التصويت لأنه لم يجد المرشح المثالي، فإنه يترك المجال مفتوحا لمن يصوت وفق المال أو العصبية أو المصلحة الخاصة. لذلك، فإن المعركة الديمقراطية الحقيقية ليست في الاكتفاء بسب الانتخابات ومنتقديها من بعيد، بل في النزول إلى الميدان، واختيار الأقل فسادا إذا تعذر الأفضل، ودعم من يستحق إذا وُجد، والعمل على التراكم التدريجي في اتجاه الإصلاح.

 

لقد أثبت الواقع أن عزوف الكفاءات والفئات الواعية عن المشاركة، ترشيحا وتصويتا وتأطيرا، كان من أكبر الهدايا التي قُدمت للوبيات الفساد والسمسرة الانتخابية. ذلك أن الساحة حين تفرغ من النزهاء، لا يملؤها الفراغ، بل يملؤها من احترفوا التحكم في الأصوات، واستغلال الفقر، والمتاجرة في النفوذ، وتحويل الديمقراطية إلى سوق.

ولهذا، فإن الواجب الوطني يقتضي إعادة الاعتبار للتصويت باعتباره مسؤولية، لا مجرد حق اختياري بلا أثر. ويقتضي أيضا إقناع المواطن بأن المقاطعة الانفعالية لا تغير الواقع، بينما المشاركة الواعية، ولو بشكل تدريجي، قادرة على تعديل الموازين، وفتح مسارات جديدة، وقطع الطريق على كثير من العبث.

 

من حق المواطن أن يُسجل تلقائيا وأن يصوت بكرامة ووضوح

من غير المنطقي أن يبقى الحق في التصويت، في وعي بعض الناس، وكأنه حق تمنحه الدولة متى شاءت وبالشروط التي تضعها، بينما الأصل أنه حق أصيل ومكتسب للمواطنة. فالمواطن الذي يبلغ السن القانونية، ويحمل بطاقة تعريفه الوطنية، ينبغي أن يجد نفسه مسجلا تلقائيا في اللوائح الانتخابية، دون حاجة إلى مساطر معقدة أو فترات تسجيل موسمية تجعل المشاركة وكأنها امتياز إداري لا حق دستوري.

إن تحديث العملية الانتخابية يبدأ من هذه النقطة البسيطة والعميقة في الآن نفسه: ربط التصويت مباشرة بالمواطنة. فالدولة تتوفر أصلا على المعطيات الضرورية الخاصة بالمواطنين، والإدارة تعرف من بلغ السن القانونية، وتملك وسائل التحيين والمراجعة والتدقيق. وبالتالي فإن كل تأخر في الانتقال إلى التسجيل التلقائي الشامل، يظل عنوانا على استمرار نظرة تقليدية للانتخابات، بدل التعامل معها كحق مدني وسياسي ملازم للمواطنة.

 

كما أن ربط التصويت ببطاقة التعريف الوطنية، بما تتيحه من ضمانات تعريفية وتنظيمية، يظل من بين المسالك الكفيلة بتبسيط العملية الانتخابية وتقوية مصداقيتها. لأن الناخب حين يشعر أن الدولة احترمته وسهلت عليه المشاركة، يصبح أكثر استعدادا للانخراط، وأكثر اقتناعا بأن صوته جزء من بناء القرار العمومي، لا مجرد ورقة توضع ثم تُنسى.

 

الحملات الانتخابية القذرة تفضح أزمة أخلاق قبل أن تفضح أزمة سياسة

 

ما يقع في كثير من الحملات الانتخابية بالمغرب لا يمكن اختزاله في مجرد حماسة سياسية أو تنافس مشروع بين المرشحين. ففي عدد من المناطق، تتحول الحملات إلى مواسم للفوضى، وفضاءات لترويج المال، واستعراضات للعنف الرمزي أحيانا والمادي أحيانا أخرى، مع استعمال أساليب الإغراء والإذلال والضغط والابتزاز، وكأن الأمر يتعلق بغزوة نحو المقاعد لا بمنافسة لخدمة الصالح العام.

هذا الواقع لا يسيء فقط إلى صورة الانتخابات، بل يسيء إلى صورة المغرب نفسه، وإلى قيمة المواطن المغربي، وإلى فكرة التمثيل الديمقراطي برمتها. فحين يُختزل الناخب في جيب قابل للشراء، أو في تابع يُستدرج بخدمة شخصية، أو في رقم داخل شبكة ولاءات قبلية أو مصلحية، فإننا لا نكون أمام ديمقراطية حقيقية، بل أمام إهانة منظمة للوعي الجمعي.

 

والأخطر أن بعض الحملات لا تكتفي بتشويه السياسة، بل تكشف أيضا حجم الانهيار التربوي والثقافي الذي راكمته سنوات من فشل التأطير. لأن المجتمع الذي يُفترض أن تنتجه المدرسة والأسرة والإعلام والحزب والنقابة والجمعية، هو مجتمع يميز بين من يخدمه ومن يشتريه، بين من يحترمه ومن يحتقره، بين من يقدم برنامجا ومن يوزع الفتات. فإذا كانت بعض الحملات ما تزال تنجح في استمالة الناس بالمال والخدمات والولائم والوعود الوهمية، فإن ذلك يعني أن المعركة الانتخابية تبدأ قبل يوم التصويت بسنوات، داخل المدرسة والجامعة والحي والأسرة ووسائل الإعلام.

 

شراء الذمم جريمة أخلاقية وسياسية… لكن الجريمة الأكبر هي ترك الميدان للفاسدين

 

لا شك أن استعمال المال لاستمالة الناخبين يظل سلوكا مشينا ومرفوضا، لأنه يفرغ التصويت من مضمونه، ويحوله من موقف مدني حر إلى سلعة قابلة للمساومة. لكن التركيز على هذا الجانب وحده لا يكفي، لأن القضاء على هذه الظاهرة لا يتم فقط بالمراقبة والزجر، بل أيضا بتجفيف منابعها الاجتماعية والثقافية والسياسية.

فالنائب أو المستشار الذي يشتري الأصوات، إنما يستفيد من هشاشة مواطن فقد الثقة في السياسة، أو من فقر وحاجة تدفعان بعض الناس إلى بيع لحظة التصويت مقابل منفعة عابرة. لذلك فإن المعركة الحقيقية ليست فقط في اعتقال السماسرة أو ملاحقة الموزعين، بل في إقناع المواطن بأن ما يُمنح له قبيل الانتخابات ليس هدية، بل عربون إذلال، وأن صوته أغلى من أن يُقايض بخدمة ظرفية أو مبلغ تافه.

 

ومع ذلك، فإن استعمال المال لا ينبغي أن يكون ذريعة لانسحاب المواطن الشريف من المعركة. بل على العكس، يجب أن يكون سببا إضافيا للمشاركة. لأن مواجهة فساد المال لا تتم بالهروب، وإنما بإفساد مخططه، وذلك عبر التصويت الحر الواعي، ودعم المرشحين النزهاء، وكشف السماسرة، وفضح من يحولون الانتخابات إلى سوق سوداء. فالفساد لا ينتصر فقط بقوة الفاسد، بل أيضا بصمت الشرفاء.

 

الأحزاب مطالبة بإنتاج الكفاءات لا بتوزيع الغنائم

 

واحدة من أخطر الأزمات المرتبطة بالانتخابات في المغرب، أن عددا من الأحزاب لا يتعامل مع الاستحقاقات باعتبارها فرصة لتقديم أفضل الكفاءات والبرامج، بل باعتبارها سلما نحو السلطة والغنيمة. لذلك، ما إن تنتهي الانتخابات حتى يبدأ صراع آخر أكثر شراسة: صراع الحقائب الوزارية، والمناصب السامية، والمواقع الإدارية، ودواوين الوزراء، وشبكات التعيين، وإرضاء الحاشية، وتقاسم النفوذ.

هذا المنطق هو الذي جعل كثيرا من المغاربة يفقدون الثقة في الخطاب الحزبي. لأنهم لا يرون في كثير من الأحزاب مدارس للتأطير وإنتاج النخب، بل آلات انتخابية موسمية، تستيقظ وقت الاقتراع، وتختفي وقت المحاسبة، ثم تعود إلى الظهور عند مفاوضات تشكيل الحكومات وتقسيم الامتيازات. وحين تصبح الأحزاب عاجزة عن اقتراح أسماء وازنة في تخصصاتها، واثقة من قدراتها، مؤهلة لتدبير القطاعات، فإن معنى ذلك أن الخلل عميق، وأن الأمر لا يتعلق فقط بفساد أشخاص، بل بقصور بنيوي في مفهوم العمل الحزبي نفسه.

 

إن الحزب الحقيقي هو الذي يصنع مناضليه علميا وأخلاقيا وسياسيا، ويربيهم على خدمة الناس، ويجعل من تقلد المسؤولية نتيجة للاستحقاق لا للمصاهرة والولاء والقرابة وميزان الترضيات. أما حين يتحول الحزب إلى مظلة لتوزيع المناصب، فإن الانتخابات نفسها تتحول إلى مجرد معبر نحو الريع السياسي والإداري.

المنتخب ليس وجها مناسباتيا بل مسؤول عن مصير الناس اليومي

كثير من المواطنين لا ينتبهون إلى أن المنتخب الذي يصل إلى الجماعة أو الجهة أو البرلمان، لا يبقى سجينا للمؤسسة التي فاز بمقعد فيها فقط، بل يصبح له تأثير مباشر وغير مباشر على تفاصيل الحياة اليومية للناس: في الطرق، والإنارة، والنقل، والنظافة، والماء، والتعمير، والصفقات، والدعم، والمرافق العمومية، والمراقبة، والتشريع، والميزانيات، والعلاقات مع الإدارة، وتوجيه التنمية.

لهذا، فإن اختيار المنتخب ليس مسألة شكلية، ولا يمكن التعاطي معه بخفة أو سخرية أو لامبالاة. لأن من يربح اليوم مقعدا انتخابيا قد يتحكم غدا في جزء من مصير المدينة أو القرية أو الجهة أو القطاع. وقد يحسن التدبير أو يسيء إليه، وقد يخدم الصالح العام أو يحول المنصب إلى وسيلة للانتفاع الشخصي، وقد يفتح الباب أمام الكفاءات أو يشرعه أمام شبكات القرابة والولاء.

 

إن مأساة كثير من الجماعات الترابية لا تكمن فقط في ضعف الموارد، بل في سوء الاختيار. ومأساة جزء من التمثيل البرلماني ليست فقط في محدودية الصلاحيات، بل في طبيعة من يشغلون المقاعد. لذلك فإن معركة الانتخابات في جوهرها هي معركة على نوعية البشر الذين سنسلمهم مفاتيح الشأن العام.

بعد الانتخابات يبدأ الوجه الخفي للفساد: جمعيات ومقاولات الولاء

لا ينتهي العبث عند حدود يوم الاقتراع أو إعلان النتائج، بل كثيرا ما يبدأ طور آخر أشد خطورة بعد تشكيل المجالس. ففي أعقاب كل ولاية انتخابية جديدة، تنشط في بعض المناطق ظاهرة تأسيس جمعيات على المقاس، ومقاولات وظيفتها الوحيدة التقرب من المنتخبين الجدد، واستنزاف المنح، واقتناص الصفقات الصغيرة والمشبوهة، وتدوير الأموال العمومية داخل شبكات المصالح والولاءات.

 

هذا الوجه الخفي للفساد ينبغي أن يحضر بقوة في النقاش الانتخابي، لأن المواطن الذي يظن أن المال العام يُنهب فقط عبر الصفقات الكبرى، يغفل عن مسالك أخرى أكثر دهاء، تمر عبر واجهات جمعوية أو مقاولاتية ظاهرها التنمية، وباطنها تقاسم الغنائم ورد الجميل للأنصار والموالين. وهنا يتأكد أن الانتخابات ليست فقط معركة يوم واحد، بل معركة مستمرة تمتد إلى ما بعد إعلان النتائج، وتقتضي يقظة مجتمعية وإعلامية ومؤسساتية حقيقية.

ومن هنا، يصبح من الضروري تشديد المراقبة والتدقيق في علاقة المنتخبين بالجمعيات والمقاولات التي تظهر فجأة في محيطهم، وفرض شفافية كاملة في المنح والشراكات والصفقات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى لا تتحول الديمقراطية المحلية إلى غطاء قانوني للاغتناء غير المشروع.

 

المجتمع المدني والجامعة والنخب… مسؤولية التأطير قبل يوم الاقتراع

 

الحديث عن نزاهة الانتخابات لا يمكن أن يُلقى كله على الدولة أو وزارة الداخلية أو الأحزاب. فالمجتمع المدني، والجامعة، والنخب الثقافية، والإعلام، والأسرة، والمدرسة، كلهم معنيون بإنتاج المواطن القادر على التمييز، والمحصن ضد التلاعب، والمدرك لقيمة صوته. فلا يمكن أن نطلب انتخابات نظيفة داخل مجتمع لم يستثمر بما يكفي في التربية على المواطنة، ولا في التكوين السياسي، ولا في بناء الحس النقدي.

لقد أبان الواقع أن جزءا من النخب ظل يكتفي بالفرجة أو بالنقد من بعيد، بدل النزول إلى ساحة التأطير والمرافعة والتوجيه. كما أن الجامعة، بما تختزنه من كفاءات وطاقات شبابية وعلمية، كان يمكن أن تلعب أدوارا أكبر في ترسيخ الثقافة الديمقراطية، وفي ربط البحث الأكاديمي بأسئلة الشأن العام، وفي تكوين أجيال تعرف كيف تراقب، وكيف تناقش، وكيف تختار، وكيف تحاسب.

 

إن المجتمع الذي يريد انتخابات ذات معنى، مطالب بأن يعيد بناء الإنسان المواطن، لا الإنسان المستهلك للشعارات. ومطالب أيضا بأن يحارب التفاهة التي غزت كثيرا من المنصات الرقمية، لأن هذه التفاهة لا تسرق الوقت فقط، بل تسرق الوعي، وتُلهي الناس عن الأسئلة الكبرى، وتُضعف المناعة الجماعية ضد التزييف السياسي.

نحو انتخابات جادة ومنتجة: ما الذي نحتاجه فعلا؟

إن المغرب لا يحتاج فقط إلى موعد انتخابي جديد، بل يحتاج إلى فلسفة جديدة للانتخابات. فلسفة تجعل الغاية من الاستحقاقات ليست فقط إفراز أغلبية ومعارضة، بل إفراز نخب صالحة، ومؤسسات محترمة، ومجالس قادرة على الإنجاز، وحكومة منسجمة، وبرلمان قوي، وجماعات ترابية منتجة للتنمية.

نحتاج إلى ترسيخ ثقافة الاختيار على أساس الكفاءة والنزاهة والقرب الحقيقي من الناس. نحتاج إلى أحزاب تؤطر ولا تضلل، وتُعد الكفاءات بدل تسويق الأسماء الجاهزة. نحتاج إلى قوانين ومساطر أكثر وضوحا وعدالة وصرامة. نحتاج إلى حماية العملية الانتخابية من المال الفاسد والعنف الرمزي والمادي. نحتاج إلى تحفيز المواطن على المشاركة، لا عبر الخطب المناسبة، بل عبر استعادة ثقته بأن صوته لن يضيع عبثا.

 

ونحتاج، قبل كل شيء، إلى مصالحة أخلاقية مع السياسة. لأن أزمة الانتخابات في المغرب ليست أزمة أوراق وصناديق فقط، بل أزمة ضمير عام. وحين يستعيد المواطن ثقته في أن العمل السياسي يمكن أن يكون نبيلا، وأن المنتخب يمكن أن يكون خادما للصالح العام لا تاجرا في الأزمات، وأن الحزب يمكن أن يكون مدرسة للكفاءة لا وكالة للامتيازات، آنذاك فقط يمكن أن نتحدث عن انتخابات منتجة بحق.

 

إن الدفاع عن انتخابات جادة في المغرب ليس ترفا فكريا، ولا مجرد رأي يُقال في موسم الاستحقاقات، بل هو دفاع عن الدولة نفسها، وعن هيبة المؤسسات، وعن كرامة المواطن، وعن حق الأجيال القادمة في وطن تحكمه الكفاءة لا السمسرة، وتوجهه الرؤية لا اللهاث، وتقوده الوطنية لا الغنيمة.

لقد تعب المغاربة من الوعود المعلقة، ومن الخطابات الضبابية، ومن الوجوه التي لا تظهر إلا عند موسم الاقتراع، ثم تعود لتغلق أبوابها بعد الفوز. وتعبوا من مشاهد المال الفاسد، ومن تكرار نفس الأعطاب، ومن تحويل السياسة إلى سوق للمنافع الشخصية. لذلك، فإن اللحظة تفرض اليوم شجاعة جماعية: شجاعة الدولة في التطوير والمراقبة، وشجاعة الأحزاب في التطهير والتأطير، وشجاعة النخب في النزول من أبراج الانتقاد إلى ميادين الفعل، وشجاعة المواطن في كسر العزوف، والمشاركة، والاختيار، والمحاسبة.

 

فالانتخابات ليست مجرد أوراق توضع في صناديق، بل هي مصير وطن. ومن يترك مصير وطنه في يد الفاسدين ثم يشتكي، إنما يساهم بصمته في إطالة عمر العبث. أما من يقرر أن يشارك، ويختار، ويفضح، ويراقب، ويقاوم الرداءة، فهو الذي يضع اللبنة الأولى في بناء مغرب يستحقه المغاربة جميعا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى