الصحة و التغذيةميساج

حين يختفي الملف القضائي… من ينتصر لحق المواطن ؟

 

بقلم: بوشعيب حمراوي

ليست العدالة مجرد أحكام تصدر، ولا جلسات تُعقد، ولا بنايات ترفع فوقها الشعارات، بل هي قبل كل شيء شعور المواطن بالطمأنينة حين يلج باب المحكمة، مؤمنًا أن حقه سيُصان، وأن شكايته ستُتبع، وأن ملفه سيظل محفوظًا، وأن مؤسسات الدولة ستنصت إليه إذا وقع خلل أو ظلم أو تأخير.

ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن ضياع بعض الملفات أو اختفاء وثائق كانت مودعة داخلها، لا ينبغي أن يُفهم كاتهام لأي قاضٍ أو محامٍ أو وكيل ملك أو مسؤول أو موظف داخل محاكم المملكة.

فليس المقصود الطعن في أحد، ولا التشكيك في مؤسسة من أهم مؤسسات الدولة، بل المقصود طرح سؤال مشروع يهم المتقاضين والمجتمع: كيف تضيع ملفات الناس؟ وكيف تختفي وثائقهم؟ ومن ينتصر لهم حين يقع ذلك؟

لسنا في مقام الاتهام… بل في مقام الإصلاح

من الواجب التأكيد أن رجال ونساء العدالة يشتغل كثير منهم تحت ضغط كبير، ووسط تراكم القضايا وتعقيد المساطر وكثرة المرتفقين. كما أن منظومة القضاء تبذل جهودًا متواصلة في التحديث والتطوير.
لكن الاعتراف بالمجهود لا يمنع من الاعتراف بوجود اختلالات قد تقع هنا أو هناك، مثلما يحدث في كل الإدارات والمؤسسات. فالخلل حين يُطرح للنقاش بموضوعية، لا يسيء للمؤسسة، بل يقويها. أما الصمت عنه، فقد يحوله إلى جرح مفتوح في ثقة المواطن.

حين يضيع الملف… لا تضيع ورقة فقط

قد يعتقد البعض أن ضياع ملف مجرد خطأ إداري بسيط، لكنه في الواقع قد يعني أكثر من ذلك بكثير.
قد يعني أسرة تنتظر نفقة.
وقد يعني أجيرًا ينتظر إنصافًا.
وقد يعني متضررًا ينتظر جبر ضرر.
وقد يعني شكاية ترتبط بالكرامة أو الأمن أو الحقوق المدنية.
لذلك، فإن الملف القضائي ليس مجرد أوراق، بل حياة أشخاص، وأعصاب أسر، وآمال مواطنين.

أين تبدأ الأسباب؟

قد تكون أسباب ضياع بعض الملفات أو الوثائق متعددة، ولا يجوز التسرع في الجزم بها دون تحقيق. فقد ترتبط أحيانًا بـ:
ضغط العمل وكثرة القضايا.
ضعف الأرشفة التقليدية.
تنقل الملفات بين المصالح.
أخطاء بشرية غير مقصودة.
نقص الرقمنة والتتبع الإلكتروني.
ظروف تنظيمية أو تقنية عابرة.
وقد تكون بفعل فاعل.
ولهذا، فإن المطلوب ليس الاتهام المجاني، بل البحث المهني الهادئ، والتشخيص الصادق، وإصلاح مواطن الخلل.

الضحية أول من يجب الإنصات إليه

حين يفاجأ متقاضٍ بأن ملفه غير موجود، أو أن وثيقة أساسية اختفت، فإن أول ما يحتاجه ليس التعقيد الإداري، بل الإنصات والطمأنة والتفاعل السريع.
من حقه أن يجد مخاطبًا واضحًا.
من حقه أن يُخبر بما وقع.
من حقه أن يعرف ما هي الخطوات المتخذة.
من حقه أن يشعر أن المؤسسة تحميه لا تتركه وحيدًا.
فالإنصات للمتضررين لا ينتقص من هيبة العدالة، بل يرفعها.

لماذا لا يكون الاستعجال هو القاعدة؟

إذا ضاع ملف أو اختفت وثيقة، فمن الطبيعي أن يتساءل المواطن: لماذا لا يتم فتح بحث فوري؟ ولماذا لا توجد مساطر واضحة ومستعجلة للتعامل مع مثل هذه الحالات؟ ولماذا يطول الانتظار أحيانًا بدل التحرك السريع؟
فالسرعة هنا ليست مجاملة، بل جزء من العدالة نفسها. لأن التأخير في البحث قد يضاعف الضرر، ويزيد القلق، ويفتح باب الشائعات.

الحلول ممكنة وواضحة.

بدل الاكتفاء بتكرار الشكاوى، يمكن تعزيز الثقة بإجراءات عملية وواقعية، منها:
رقمنة شاملة لكل الملفات القضائية.
تتبع إلكتروني لمسار الملف خطوة بخطوة.
حفظ نسخ رقمية مؤمنة للوثائق المهمة.
شباك خاص بحالات ضياع الملفات والوثائق.
آجال مضبوطة للرد على المتضررين.
تواصل محترم وواضح مع المرتفقين.
افتحاص دوري لمساطر الحفظ والأرشفة.
تكوين مستمر في التدبير الحديث للوثائق.

فهذه الإجراءات تحمي المواطن، كما تحمي الموظف والمسؤول من أي شبهة أو سوء فهم.

العدالة ثقة قبل أن تكون مسطرة

يمكن لأي مؤسسة أن تملك النصوص والقوانين، لكن قوتها الحقيقية تظهر في طريقة تعاملها مع المواطن البسيط. فالثقة تُبنى حين يجد جوابًا بدل الصمت، وتنظيمًا بدل الفوضى، ووضوحًا بدل التيه.
والمتقاضي لا يطلب المستحيل، بل يريد فقط أن يجد حقه حيث وضعه أول مرة.

حين يضيع ملف، لا ينبغي أن يضيع معه صوت المواطن. وحين تختفي وثيقة، لا ينبغي أن تختفي معها المسؤولية في البحث والتوضيح. وحين يشتكي المتضرر، يجب أن يجد أبوابًا مفتوحة وآذانًا صاغية.
لسنا ضد أحد، ولسنا مع أحد، نحن مع حق الناس في عدالة تحفظ أوراقهم كما تحفظ كرامتهم، وتصون حقوقهم كما تصون هيبة الدولة.                                                      فإذا انتصرنا لملف المواطن، نكون قد انتصرنا للعدالة نفسها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى