صناعة القائد تبدأ بإنصاف القدوة وتثمين الذاكرة

بقلم: بوشعيب حمراوي
ليست قوة الأوطان فيما تبنيه من إسمنت وحديد، ولا فيما تشيده من طرق وموانئ وملاعب فقط، بل في قدرتها على حفظ ذاكرة رجالها ونسائها، وصيانة رصيدها البشري، وتحويل تجارب الناجحين فيها إلى مدارس مفتوحة للأجيال. فكل مدينة وقرية ودوار في المغرب يزخر برائدات ورواد صنعوا أمجاد مناطقهم ووطنهم في مجالات الثقافة والرياضة والفن والسياسة والعلم والاقتصاد والعمل الاجتماعي وسائر المهن.
هؤلاء لم يأتوا من فراغ، ولم تصنعهم الصدفة، بل صنعتهم المعاناة، والمثابرة، والتضحية، والانضباط، والإيمان العميق بالوطن. نزفوا دموعًا ودماءً وعرقًا، وصبروا على قلة الإمكانيات، وتحدوا الظروف القاهرة، حتى تركوا بصمات نفيسة في سجل المغرب. لكن المؤلم أن كثيرًا منهم يُطوى ذكرهم سريعًا، وكأنهم لم يكونوا جزءًا من مسيرة البناء الوطني.
ومن هنا يبرز السؤال الكبير: كيف نصنع قادة الغد، إذا كنا لا ننصف قدوات الأمس واليوم؟
المغرب غني بالكفاءات لكنه ضعيف في استثمارها
المغرب لم يكن يومًا بلدًا فقيرًا في العقول والمواهب. فقد أنجب مقاومين دافعوا عن الأرض، وعلماء حملوا مشعل المعرفة، ورياضيين رفعوا العلم الوطني، وفنانين أبدعوا، ومهنيين خدموا بإخلاص، وسياسيين ونقابيين وحقوقيين بصموا مراحل مختلفة من تاريخ البلاد.
ساهم كل واحد من زاويته في النهضة والتنمية والتطور، واستحق كثير منهم أن يُنظر إليه كقدوة وقائد. غير أن هذا الرصيد البشري الهائل لم يُستثمر كما ينبغي، إذ غالبًا ما يُترك أصحابه بعد نهاية مساراتهم المهنية أو الإبداعية في دائرة الصمت، بدل تحويلهم إلى طاقات مستمرة العطاء.
والأمم المتقدمة لا تهدر خبراتها، بل تبني عليها، وتحوّلها إلى رأسمال معنوي ومؤسساتي يوجّه الأجيال الجديدة.
التكريم المناسباتي لا يصنع قدوة
ليس المقصود بإنصاف الرواد تنظيم حفلات موسمية، أو رفع صورهم في مناسبات عابرة، أو إلقاء كلمات مجاملة تنتهي بانتهاء التصفيق. فذلك تكريم سطحي لا يغيّر شيئًا.
الإنصاف الحقيقي هو أن يُمنح هؤلاء دورًا فعليًا داخل المجتمع، من خلال إشراكهم في التكوين، والاستشارة، والتوجيه، واقتراح الحلول، وتأطير الناشئة، ونقل ما راكموه من خبرات وتجارب إلى الأجيال المتعاقبة.
فالرياضي السابق يمكن أن يصبح مدربًا أو خبيرًا أو مؤسسًا لأكاديمية. والأستاذ المتميز يمكن أن يساهم في إصلاح المدرسة. والفنان المبدع يمكن أن يكوّن جيلاً جديدًا من المواهب. والسياسي أو النقابي المجرب يمكن أن يضع خبرته رهن إشارة المؤسسات والشباب. أما أن يُترك الجميع خارج دائرة الفعل، بمجرد انتهاء المنصب أو انطفاء الأضواء، فذلك تبذير خطير للثروة البشرية.
المدرسة المغربية في حاجة إلى القدوة الوطنية
لا يعقل أن يكبر كثير من أطفالنا وهم يحفظون أسماء مشاهير العالم، ويعرفون تفاصيل حياة نجوم أجانب، بينما يجهلون أسماء شخصيات عظيمة خرجت من أحيائهم ومدنهم ووطنهم. ما الفائدة من برامج تعليمية وثقافية تحكي عن إبداعات الآخرين فقط، دون الحديث بالموازاة عما أفرزه العقل المغربي، وعن رجال ونساء انطلقوا من بيئات بسيطة، وعاشوا المقاومة والمعاناة، ثم بلغوا النجاح والتميز ورفعوا اسم المغرب داخليًا ودوليًا؟
إن سيرة الناجحين المغاربة يجب أن تصبح مادة تربوية، تُدرّس وتُناقش وتُحلّل في المدارس والثانويات والجامعات، بكل اللغات الحية، حتى يدرك الطفل أن النجاح ليس حكرًا على الآخرين، وأن ابن الحي أو القرية يمكن أن يصبح بطلًا وعالمًا ومفكرًا وقائدًا. ويمكن لكل مدرسة، ثانوية، كلية أو معهد ..أن تهتم كثيرا بما يختزنه محيطها. حين يرى التلميذ أن شخصًا من نفس بيئته بلغ القمة، فإنه يؤمن بقدرته هو أيضًا على الصعود.
المرافق العمومية ليست فضاءات للتصفيق فقط
ما جدوى بناء ملاعب رياضية ومركبات ثقافية وفنية ومسارح ومراكز شباب، تُرصد لها ميزانيات ضخمة من المال العام، إذا كان أبناء المدينة والقرية يتحولون فيها إلى مجرد جمهور يصفق ويتفرج؟
ما جدوى أندية رياضية محلية لا تغذي فرقها من شباب المنطقة، ولا تؤسس مدارس لتكوين الأطفال، ولا تفتح الأبواب للمواهب المحلية؟
وما جدوى منشآت ثقافية تستقدم الغرباء باستمرار، بينما يُقصى أبناء المجال من فرص التعلم والإبداع والتألق؟
المنشآت العمومية ليست ديكورًا عمرانيًا، بل أدوات لصناعة الإنسان. ومن حق المواطن أن يرى أبناء منطقته داخلها مبدعين ومؤطرين ومتألقين، لا متفرجين فقط.
لماذا لا نستفيد من المبدعين و النجوم السابقين؟
سؤال بسيط لكنه عميق: لماذا لا يتم الاعتماد على المبدعين والنجوم السابقين في التكوين والاستشارة والتحفيز؟
لماذا لا يتم إحداث مجالس محلية، إقليمية، جهوية، ووطنية.. تشكل الكفاءات والطاقات البشرية التي أحيلت على التقاعد بالقطاعات العمومية والخاصة.؟
لماذا لا يكون لدينا مجالس لدى كل وزارة ؟…
لماذا ينهي رياضي مغربي مشواره بالإشراف على مقهى، أو ضيعة، أو الانزواء في الظل، أو الاكتفاء بمداخيل جانبية، بدل دعمه ليستثمر في تخصصه الرياضي؟
لماذا لا يصبح اللاعب السابق مدربًا أو خبيرًا أو معلّمًا أو مدير مشروع رياضي؟
ولماذا لا يُشجَّع الفنان المعتزل على تأسيس مدرسة فنية؟ أو العالم المتقاعد على التأطير؟ أو الإداري الناجح على تقديم خبرته للمؤسسات؟
إن الطفل الذي يرى بطله السابق حاضرًا في الميدان، سيؤمن بأن النجاح مسار ممتد، لا ومضة عابرة.
الأحزاب والنقابات والجمعيات مطالبة برد الاعتبار للذاكرة
لا يقتصر وباء التهميش على الرياضة والفن، بل يطال أيضًا السياسيين والنقابيين والحقوقيين والمفكرين.
كم من زعيم سابق اختفى فجأة بعد سنوات من النضال؟
كم من قيادي راكم تجربة كبيرة، ثم لم يعد يُستشار؟
كم من مناضل صنع مرحلة، ثم تُرك للنسيان؟
في الدول الراسخة ديمقراطيًا، تُنشأ مجالس للحكماء والخبراء، تضم السابقين للاستفادة من تراكمهم. أما حين يُربط الوجود بالكرسي فقط، فإن المؤسسة تخسر ذاكرتها، ويضطر كل جيل إلى البدء من الصفر.ولذلك، من الضروري أن تُحدث الأحزاب والنقابات والجمعيات هيئات استشارية من قياداتها السابقة، تكون مهمتها تقديم الرأي، ونقل الخبرة، وتأطير الأجيال الجديدة.
حين تُهان القدوة يُصاب الشباب بالإحباط
الشباب يراقب كل شيء. حين يرى أن نهاية المجتهد هي العزلة، وأن نهاية المناضل هي النسيان، وأن نهاية المبدع هي التهميش، فإنه يتردد في سلوك طريق الجهد الطويل.
وهنا تتجه بعض الطاقات نحو الأوهام السريعة، أو الشهرة الفارغة، أو تقليد نماذج بلا مضمون، أو الانسحاب من المشاركة العامة. إن تهميش القدوة لا يقتل شخصًا واحدًا فقط، بل يقتل الحلم في نفوس كثيرين. ولهذا فإن إنصاف الرواد ليس مسألة أخلاقية فقط، بل ضرورة تربوية وتنموية وأمنية أيضًا.
الأعياد الوطنية تحتاج إلى روح جديدة
حتى الأعياد والذكريات الوطنية تحولت عند بعض الفئات إلى مجرد أيام عطلة، بدل أن تكون محطات لاستحضار التضحيات، وتقوية الانتماء، وترسيخ الهوية المغربية، وربط الأجيال بتاريخها المجيد.
إن الفراغ الرمزي يساهم في إنتاج أجيال لا تهتم بماضيها، ولا توثق حاضرها، ولا تخطط بوعي لمستقبلها.
ولذلك يجب إعادة الروح لهذه المناسبات، عبر إشراك القدوات الوطنية والمحلية فيها، وسرد قصصهم، وربط الاحتفال بالمعنى، لا بالاستهلاك الزمني فقط.
مشروع وطني مستعجل: جرد الطاقات وإنصافها
المغرب في حاجة إلى مبادرة وطنية كبرى، عنوانها: رد الاعتبار للرأسمال البشري المغربي، وذلك عبر:
جرد وتصنيف الشخصيات التي بصمت تاريخ المغرب محليًا ووطنيا ودوليًا.
توثيق مساراتها في كتب وأفلام ومنصات رقمية.
إدماج سيرها في المناهج التعليمية والأنشطة التربوية.
فتح أبواب المدارس والجامعات والمراكز الثقافية أمامها.
إشراكها في التكوين والاستشارة والتأطير.
دعم النجوم السابقين لإطلاق مشاريع في تخصصاتهم.
إنشاء مجالس الشورى ومجالس حكماء داخل الأحزاب والنقابات والمؤسسات والوزارات ومرافقها المحلية، الإقليمية، الجهوية والوطنية.
ربط المنشآت العمومية بصناعة المواهب المحلية.
يولد القائد كامتداد للقدوة
إن الوطن الذي ينسى صانعي أمجاده، يغامر بفقدان صانعي مستقبله. والقائد لا يولد فجأة، ولا يُصنع بالشعارات، بل يتكوّن حين يرى أمامه قدوة حيّة، محترمة، مسموعة، ومؤثرة. لننصف من سبقونا، حتى نفتح الطريق لمن سيلحقوننا. ولنكرم التجربة، حتى نثمر القيادة. ولنحوّل الذاكرة الوطنية من صور معلقة على الجدران، إلى قوة تمشي في المدارس والملاعب والمؤسسات والشوارع.
فالمغرب لا تنقصه الطاقات، بل يحتاج فقط إلى من يعرف كيف يحول القدوة إلى مشروع، والخبرة إلى مدرسة، والإنسان إلى وطن نابض بالحياة.



