الصحة و التغذيةكتاب البديل

الجراح و الذكاء الاصطناعي… اللتأكيد على صعوبة القرار

 

بقلم: د. أحمد تاغي

في زمنٍ تُبشِّر فيه التكنولوجيا بولادة “جراحٍ معزَّز بالخوارزميات”، يبدو المشهد الطبي وكأنه يتجه نحو تحرير الإنسان من قيوده البيولوجية، وتعويض حدسه العلمي بقدرات رقمية خارقة. غير أن هذا الحماس المتسارع يخفي سؤالاً جوهرياً لا يُطرح كثيراً: ماذا يحدث حين لا ترى الآلة شيئاً… ويصبح كل شيء رهيناً بنظرة الجراح وحده؟

الذكاء الاصطناعي، بما يحمله من وعود في تحسين الدقة وتقديم تنبيهات فورية واستحضار ذاكرة إحصائية لآلاف العمليات، أصبح اليوم شريكاً حاضراً داخل غرف العمليات. لكنه، رغم ذلك، يظل أسيراً لما تم تدريبه عليه، عاجزاً عن تجاوز حدوده البرمجية نحو المجهول أو غير المتوقع.

تجربة سريرية واقعية داخل غرفة العمليات تكشف بوضوح هذا الحد الفاصل بين الإنسان والآلة. عملية روتينية لاستئصال المرارة واستخراج حصى القناة الصفراوية تحولت فجأة إلى لحظة فارقة، حين اكتُشف ورم في بدايته داخل البنكرياس، لم يكن متوقعاً ولا مدرجاً ضمن أي سيناريو تشخيصي مسبق. هنا، لم يكن التحدي تقنياً بقدر ما كان قرارياً وأخلاقياً.

كان بالإمكان تقنياً إجراء عملية كبرى ومعقدة (استئصال رأس البنكرياس والاثني عشر)، لكن ذلك لم يكن القرار الصحيح. لماذا؟ لأن المريض لم يمنح موافقته، ولأن الفريق الطبي لم يكن مهيأ لهذا النوع من الجراحة الدقيقة، ولأن التقييم التشخيصي لم يكتمل بعد. ثلاثية لا يمكن لأي خوارزمية أن تدمجها في لحظة واحدة لتُصدر حكماً إنسانياً مسؤولاً: موافقة المريض، جاهزية الفريق، ومتطلبات البروتوكول العلاجي.

في تلك اللحظة، برز الفرق الجوهري بين “ما يمكن فعله” و”ما يجب فعله”. الذكاء الاصطناعي قد يقترح، يحلل، أو حتى يُرجّح، لكنه لا يتحمل مسؤولية القرار النهائي، ولا يشعر بثقله الأخلاقي. الجراح وحده من يدرك أن الامتناع عن إجراء عملية ممكنة تقنياً قد يكون هو الخيار الأكثر إنسانية. لذلك تم الاكتفاء بتصريف الانسداد الصفراوي، وتحضير المريض لمرحلة لاحقة في مركز متخصص، حيث أُنجزت العملية في ظروف مثالية بعد موافقته الكاملة.

هذه الحالة لا تُدين الذكاء الاصطناعي، بل تضعه في حجمه الطبيعي: أداة قوية لتعزيز الأداء، لا بديلاً عن الإنسان. فالخوارزميات ترى ما تعلمت البحث عنه، أما الجراح فيرى أيضاً ما لا ينبغي أن يكون. الآلة لا تتساءل، لا تشك، ولا تشعر بأن هناك خطأ خفياً خلف الصورة. إنها لا تمتلك “القلق السريري” الذي يدفع الطبيب إلى التوقف وإعادة التفكير.
ثم إن القرار الطبي ليس مجرد معادلة حسابية، بل هو توازن معقد بين العلم والأخلاق والإنسانية. هو لحظة يختلط فيها المعطى البيولوجي بالإرادة البشرية، والمهارة التقنية بالضمير المهني.

إن أخطر ما قد يقع فيه العالم الطبي اليوم هو وهم أن التكنولوجيا قادرة على إلغاء الحاجة إلى الجراح. هذا وهم لا يهدد المهنة فقط، بل يهدد المريض نفسه. فالذكاء الاصطناعي لا يملك نظرة سريرية شاملة، ولا يتحمل المسؤولية القانونية أو الأخلاقية، ولا يستطيع أن يقول “لا” حين يكون “نعم” ممكناً تقنياً.

وهنا يكمن جوهر الطب: القدرة على اتخاذ قرار لا رجعة فيه، وتحمل تبعاته أمام إنسان وضع جسده وثقته بين يدي طبيب، لا بين خوارزميات.
في النهاية، تظل الجراحة فعلاً إنسانياً قبل أن تكون تقنية. قد تتطور الأدوات، وتزداد دقة الآلات، لكن هناك ما لا يمكن برمجته: الحدس، الضمير، الإحساس بالمسؤولية، والحضور الإنساني داخل غرفة العمليات.

فالطب لا ينتمي إلى التكنولوجيا، ولا حتى إلى الأطباء وحدهم، بل إلى المرضى الذين يثقون في أن من يعالجهم إنسانٌ قادر على أن يرى… ويفهم… ويقرر، بما يتجاوز حدود الآلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى