هل تعيد ( مذكرة برادة) للامتحانات الإشهادية هيبتها قبل أن تضيع المدرسة؟

بقلم: بوشعيب حمراوي
أصدرت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة المذكرة الوزارية رقم 031×26 بتاريخ 31 مارس 2026، بشأن تنظيم الامتحانات الإشهادية المدرسية ومحاربة الغش وتعزيز مصداقية التقويم، وذلك على بُعد أسابيع قليلة من انطلاق هذه الاستحقاقات التربوية الحاسمة. وهي خطوة لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد إجراء إداري موسمي، بل باعتبارها جرس إنذار رسمي يؤكد أن منظومة التقويم المدرسي وصلت إلى مرحلة تستوجب تدخلاً عاجلاً وحازماً. جرس يرى البعض أنه جاء متأخرا من أجل إنقاذ الموسم الدراسي الجاري. وأراه شخصيا أنه فرصة للكشف عن واقع مرير. إن طبقت المذكرة سنعيش موسم انتكاسة كبيرة لمناصري الغش، وستعرف نسب رسوب جد مرتفعة.

فالوزارة، وهي تصدر هذه التعليمات الصارمة لمختلف مكونات الإدارة التربوية المركزية والجهوية، في مقدمتهم المفتشة العامة للشؤون التربوية، والمفتش العام بالنيابة، والمدير العام للعمل التربوي، إضافة إلى مديرات ومديري الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، باعتبارهم حلقة الوصل الأساسية في تنزيل مضامينها على المستوى الترابي. وهو توجيه يحمل في طياته رسالة واضحة…تعترف ضمنيًا بأن الاختلالات التي راكمتها السنوات الماضية لم تعد قابلة للتجاهل، وأن الامتحان الذي يفترض أن يكون عنواناً للإنصاف والاستحقاق، أصبح في حالات كثيرة محط تشكيك وريبة وفقدان ثقة.

إن أي دولة تحترم نفسها تبدأ إصلاح التعليم من احترام الامتحان، لأنه اللحظة التي يلتقي فيها المجهود الفردي مع سلطة المؤسسة، ويلتقي فيها الحلم الشخصي مع قواعد العدالة الجماعية. فإذا اختلت هذه اللحظة، اختل ما بعدها. وإذا أصبح النجاح قابلاً للتحايل أو التواطؤ أو التساهل، فإننا لا نكون أمام أزمة امتحان فقط، بل أمام أزمة أخلاق عامة.
حين تتحول الشهادة إلى ورقة
لقد أصبح من الواضح أن جزءاً من الشهادات التي توزع في بعض المستويات الدراسية لم يعد يعكس بالضرورة مستوى حقيقياً في التعلمات والكفايات. فكم من تلميذ حصل على معدلات مرتفعة، لكنه يعجز عن كتابة فقرة سليمة، أو حل وضعية بسيطة، أو التعبير الشفهي بثقة واتزان؟ وكم من متعلم انتقل من مستوى إلى آخر وهو يحمل فراغات معرفية عميقة، لا تظهر إلا حين يصطدم بالحياة الجامعية أو المهنية؟
المشكل الحقيقي ليس في الشهادة ذاتها، بل في إفراغها من معناها. حين تصبح النقطة أهم من المعرفة، ويصبح المعدل أعلى قيمة من الكفاءة، تدخل المدرسة في منطق خطير يجعلها تنتج أرقاماً مطمئنة في ظاهرها، لكنها مقلقة في عمقها. فالنتائج المرتفعة قد تمنح نشوة ظرفية للأسر والمؤسسات، لكنها تؤجل الانفجار الحقيقي إلى مراحل لاحقة، حين يكتشف الجميع أن البناء شُيّد فوق أرض هشة.
سوق شغل مرتبك
أخطر آثار هذا الوضع لا يتوقف عند أسوار المدرسة، بل يمتد إلى سوق الشغل الذي أصبح بدوره يعيش ارتباكاً واضحاً. فالمستقبل المهني بالنسبة لآلاف الشباب صار غامضاً، خاصة في ظل عدم تمكن عدد كبير من أصحاب الشهادات العليا من ولوج فرص العمل، رغم سنوات من الدراسة والتحصيل والتضحيات الأسرية.
وفي المقابل، تفتح أحياناً أبواب بعض المناصب أمام حاملي شواهد عليا يفتقرون إلى الحد الأدنى من الكفاءة العلمية أو الأدبية أو التقنية، فيتحول الشغل من فضاء للاستحقاق إلى مجال للصدف أو العلاقات والولاءات و الزبونية والمحسوبية…أو سوء الاختيار. وهنا تدفع البلاد ثمناً مضاعفاً.. حيث شباب كفء معطل، ومواقع مهنية يشغلها من لا يمتلكون المؤهلات اللازمة.
إن جذور هذا الخلل تبدأ من المدرسة، حين يُسمح للغش أن يرفع أشخاصاً إلى مستويات لا يستحقونها، ويقصي في المقابل مجتهدين كان يفترض أن يكونوا في مواقع الإنتاج والابتكار والقيادة.
الغش… صناعة جماعية
الغش لم يعد، كما كان في السابق، تصرفاً فردياً معزولاً يقوم به تلميذ مرتبك داخل قاعة امتحان، بل أصبح في بعض البيئات سلوكاً شبه عادي، يشارك في تغذيته أكثر من طرف. هناك أسر تضغط على أبنائها من أجل النتيجة دون الاهتمام بطريقة الوصول إليها، وهناك بعض المؤسسات التي تلهث وراء نسب النجاح لتجميل صورتها، وهناك من يعتبر التساهل نوعاً من “الإنسانية”، وهناك من يرى أن الجميع يفعل ذلك فلماذا يكون ابنه أو ابنته الاستثناء؟
هكذا تتشكل شبكة صامتة من التبريرات، تجعل الغش يبدو سلوكاً عادياً، بل أحياناً حقاً مكتسباً. والأخطر من ذلك أن الطفل أو المراهق الذي يتعلم في سن مبكرة أن التحايل طريق مشروع للنجاح، سيحمل هذا المنطق معه إلى الجامعة، ثم إلى الوظيفة، ثم إلى الحياة العامة. لذلك فالغش المدرسي ليس خطأً بسيطاً داخل قاعة، بل هو مدرسة موازية لتخريج جيل يعتاد الالتفاف على القانون.
مع الأسف .. هناك أسر تزرع الوهم
لا يمكن الحديث بصدق عن ظاهرة الغش دون الإشارة إلى مسؤولية شريحة من الأسر في ترسيخها داخل عقول أبنائها وبناتها. فبدل غرس قيم الاجتهاد والصبر والمثابرة، اختارت بعض الأسر غرس منطق الربح السريع والنجاح بأي وسيلة. بعض الآباء والأمهات لا يسألون أبناءهم: ماذا تعلمتم؟ بل يسألون فقط: كم حصلتم؟
بل إن الواقع يكشف، في بعض الحالات، عن أشكال صادمة من التواطؤ، حيث تسعى بعض الأسر إلى التنسيق مع بعض المراقبين أو الوسطاء من أجل تمكين أبنائها من “المساعدة” داخل الامتحانات الإشهادية، خاصة في بعض مستويات التعليم الابتدائي أو الإعدادي. وهناك من يتجرأ على كتابة الأجوبة نيابة عن التلميذ، أو تلقينه الحلول، أو تسهيل تمرير الأوراق والإشارات.
وفي حالات أكثر خطورة، يسعى البعض ـ متى توفرت الفرصة ـ إلى التدخل بعد الامتحان عبر محاولات مشبوهة لتغيير النقط، أو العبث بالأوراق، أو استبدال الأجوبة الخاطئة بأخرى صحيحة. وهذه السلوكات، إن ثبتت، لا تمس فقط نزاهة امتحان، بل تضرب في العمق ثقة المجتمع في المدرسة وفي العدالة التربوية.

مذكرة قوية… لكن
المذكرة الوزارية الجديدة تضمنت مقتضيات مهمة، من قبيل إبعاد أطر المؤسسة الأصلية عن الحراسة والتصحيح، واعتماد مراكز مستقلة، ومنع تصحيح أوراق تلاميذ نفس المؤسسة، وتفعيل الترقيم السري، ومنع الهواتف والوسائل الإلكترونية، وتشديد التتبع وإعداد التقارير بعد كل اختبار. وهي تدابير توحي بأن الوزارة أدركت أن الخلل لا يوجد فقط في سلوك المترشح، بل أيضاً في بعض الثغرات التنظيمية التي كانت تسمح بتمدد الممارسات غير السليمة …
غير أن التجربة المغربية علمتنا أن النصوص الجيدة لا تكفي وحدها. فقد سبق أن صدرت قرارات كثيرة قوية في صياغتها، جميلة في أهدافها، ثم اصطدمت عند التنفيذ بعقليات مترددة، أو بضغوط محلية، أو بحسابات ضيقة، أو بخوف من ردود الفعل. لذلك فإن نجاح هذه المذكرة لن يقاس بعدد صفحاتها، بل بعدد حالات الغش التي ستمنع، وبمستوى الصرامة الذي سيطبق على الجميع دون انتقائية.
الامتحانات الاشهادية هي تقييم للنظام التربوي قبل التلميذ
في الظاهر، سيجلس التلاميذ قريباً لاجتياز الامتحانات. لكن في العمق، من سيجتاز الامتحان الحقيقي هو الناظم التربوي المغربي ومؤسساته. هل تملك الجرأة لتطبيق القانون على الجميع؟ هل تستطيع مقاومة الضغوط المحلية والاجتماعية؟ هل ستختار الحقيقة ولو كانت موجعة، أم ستفضل أرقاماً جميلة تريح العناوين وتخدع المستقبل؟
إن التلميذ الذي يجيب عن الأسئلة داخل القاعة، قد ينجح أو يرسب. أما الدولة، فإذا فشلت في حماية نزاهة الامتحان، فإنها ترسب أمام أجيال كاملة.
لنستيقض قبل ضياع المستقبل
المدرسة ليست بناية من إسمنت، بل مصنع للثقة. فإذا فقد المجتمع ثقته في امتحاناتها، سيتسرب الشك إلى شهاداتها، ثم إلى خريجيها، ثم إلى الإدارة التي توظفهم، ثم إلى الاقتصاد الذي يعتمد عليهم. وهكذا يتحول خلل تربوي صغير في بدايته إلى أزمة تنموية واسعة في نهايته.
لذلك، فإن معركة نزاهة الامتحان ليست تفصيلاً موسمياً، بل قضية وطنية كبرى. فإما أن نعيد للامتحان هيبته، وإما أن نستمر في توزيع أوهام النجاح، إلى أن نجد أنفسنا أمام جيل يحمل أوراقاً كثيرة… وكفاءات قليلة.
وليعلم هؤلاء الذين يسعون لخراب التعليم والتربية، أنهم لن يكونوا خارج دائرة الخراب. لا هم ولا أبناءهم وبناتهم الذين يتابعون دراستهم بمدارس ومعاهد أجنبية. لأن خراب العقول وانحرافها لن يصنع العبيد والقطيع ولكنه يصنع الحقد والكراهية. وهما وباءان لا يمكن لأي مجتمع مصاب بهما أن ينمو ولا أن يزدهر…



