كتاب البديل

استثمار عسكري غير مسبوق لموقع المملكة الاستراتيجي !!

 

من المعلوم أن الموقع الجغرافي والجيوسياسي للمملكة المغربية في وسطها ثلاثي الأبعاد، المتوسطي والأطلسي والإفريقي، يمنحها أفضليةً وحظوةً يندر أن تتمتع بهما دولة إفريقية وعربية أخرى، رغم الشراكات القوية والقائمة بين دول الشمال المتقدمة وبعض الدول العربية الغنية مثل السعودية والإمارات، ومثل مصر على الخصوص، لأسباب تاريخية لها صلة وُثْقَى بتوازنات القوى في الشرق الأوسط، لأن الحالة المغربية تبقى جد منفردة ومتميزة لأسباب لا ينكرها إلا جاهل أو جاحد، مثل الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وكذلك الأمني، ومثل تطور البنيات الأساسية، وارتقاء التشريعات المحفّزة للاستثمار الأجنبي في شقه “الماكرو اقتصادي”، ذي الاعتمادات والأظرفة المالية الفلكية، وكل هذا يتضافر فيما بين عناصره ليجعل من المغرب رهاناً مربوحاً على مستوى القوى العظمى في غرب الكوكب وشرقه على السواء…

الموضوع وما فيه، أنه في هذا السياق بالذات، وقع اختيار الولايات المتحدة الأمريكية على المغرب، ليُشكّل مركزاً استراتيجياً ونقطة انطلاق لتصنيع وإنتاج نوع خاص من الأسلحة الموجهة للأسواق العسكرية الإفريقية، ويتعلق الأمر بالدرونات الحربية، وطائرات الرصد والمراقبة غير المأهولة، وبأنماط مختلفة وفائقة التطور من الرادارات المتحركة والمحلّقة في الجو، في إطار تعاون مغربي أمريكي يجعل من المغرب نقطةً مركزيةً للإنتاج والتسويق والتوزيع باتجاه بلدان القارة السمراء، دونما حاجة إلى أنظمة الوساطة التقليدية السابقة، والتي كان قصب السبق فيها للشركات الأوروبية، والفرنسية تحديداً…

في هذا السياق، يندرج هذا المشروع غير المسبوق في إطار منظومة “الأسد الإفريقي العسكرية” التي تُعنَى، في آن واحد، بتكوين الجيوش الأفريقية، وتسليحها، وتدريبها على الأجيال الحديثة من الأسلحة المتطورة وفائقة الفعالية، والتي سيكون استخدامها مدروسا ومحسوبا في دورات الأسد الإفريقي السنوية، التي تشكّل أهم وأكبر المناورات العسكرية التي تستفيد منها الجيوش الإفريقية بلا استثناء، بغض النظر عن الإطار الجيواستراتيجي الذي تندرج فيه هذا التوجه الأمريكي بالغ التميّز…

وكما يبدو ذلك جليا، فهذا يشكل بكل تأكيد تحوُّلاً استراتيجياً في الدور الإفريقي للمغرب، كرافد أساسي في تكريس الاستجابة الفاعلة للاحتياجات الأفريقية في المجالات العسكرية والأمنية، في جوانبها التكنولوجية على الخصوص، وتلبية متطلبات مواكبتها للتطور العسكري والأمني والتكنولوجي الذي يشهده العالم على مدار الساعات، وبذلك يكون المغرب بمثابة قاطرةِ القارة السمراء في هذا المضمار بلا منازع…

إن هذا أيضاً، من شأنه أن يقوّي مكانة المغرب كمركزِ ثِقَلٍ في المشاريع الرامية إلى تحقيق النهضة العسكرية في إفريقيا، باتجاه تكريس قدرة الأفارقة على الدفاع عن أوطانهم بكل ما تحمله الكلمة من تحديات ورهانات…

يتعلق الأمر في هذا المشروع الأمريكي المغربي، بالتأسيس لنمط حربي دفاعي حديث، يرتكز على “المسيَّرات الحربية”، حيث تتيسر الدقة والسرعة والفعالية موازاةً مع الاستغناء عن الطيارين وحقن دمائهم، مما سيشكل رهاناً مُربِحاً ومفيداً، بكل المعايير ومن جميع الجوانب، في أي حروب أو مواجهات عسكرية ممكنة أو محتمَلة، عِلماً بأن أسلحة الدرون أو المسيَّرات صارت بمثابة الوسيلة الأكثر استئثارا بالثقة على جميع المستويات، فضلا عن كونها أصبحت الأداة الأكثر وزناً في المعارك والأشد تأميناً للنصر في أشد المواجهات قوةً وضراوةّ، لأنها تستطيع في آن واحد، أن تحدد الأهداف بدقة متناهية، وتَرصُدَها من مختلف جوانبها، ثم أن تصيبها في أزمنة قياسية بهامشِ خطأٍ شديد الضآلة، مع الحفاظ على أكبر عدد ممكن من الأنفس، بالإضافة إلى المدى الشاسع الذي تستطيع أن تؤمّن تلك المسيَّرات مراقبتَه ورصدَ كلِّ ما يتحرّك داخلَه أو حولَه أو باتجاهه من قريب أو بعيد…

وهنا يأتي السؤال المنطقي والوارد في كل الحالات:
“لماذا اختارت الولاياتُ المتحدةُ الأمريكيةُ المملكةَ المغربيةَ تحديداً” ؟

أول ما يتبادر إلى الذهن كإجابة على هذا السؤال، أن المغرب يتمتع بموقعه الجغرافي والجيوسياسي المتميز، وأن جيوشه تتدرب باستمرار وبلا انقطاع مع نظيراتها الأمريكية، وتستأنس باستمرار بآخر التكنولوجيات الحربية، لكنْ زيادة على ذلك، فالمغرب أبدى منذ البداية اهتماما شديد الخصوصية بأسلحة الدرون، من حيث كونُها الأكثرَ فعاليةً والأشدَّ دقةً والأقلَّ تكلفةً في الوقت ذاته، كما أنها احتلت بسرعة قياسية مركز الصدارة، وفي آن واحد، في مضمار الأسلحة الدفاعية والهجومية والاستخباراتية، ولذلك بادر المغرب إلى اقتنائها بكميات ونوعيات وفيرة ومتنوعة، وتعاقد مع أكبر مصانع الأسلحة شرقاً وغرباً من أجل صناعتها وتطويرها داخل المغرب، وبأيدي مغربية، وها هو الآن سيتبوّأ موقع الريادة إفريقياً وعربياً في إنتاجها وتصديرها على الصعيد الإفريقي خاصة، وباتجاه أسواق أخرى عند الاقتضاء…

بناء على هذا المشروع الجديد وغير المسبوق، سيتسنى للمغرب أن يستقبل بعثات عسكرية من مختلف بقاع المعمور، ومن إفريقيا والعالم العربي والإسلامي بشكل خاص، للتدرب على أحدث المُسَيَّرات ومعاينة قدراتها الحربية عن كثب، والتمرن على الاستعمال الأقصى لممكناتها الحربية، سواء في المراقبة أو في التحديد الدقيق للأهداف، وإصابتها بدقة متناهية… وبالتالي، الإقبال على اقتنائها داخل أسواق مغربية ستتسع لا محالة لهذا الوافد العسكري الجديد !!

وبطبيعة الحال، فإن هذا التوجه سيخدم الولايات المتحدة الأمريكية من جانبين اثنين:

1- تعزيز شراكاتها الإفريقية من خلال البوابة المغربية، باعتبار المغرب شريكاً متميزاً وذا حظوة لدى البيت الأبيض، وكذا حلف الناتو؛

2- تحصين الجغرافيا الإفريقية ضد التغلغل الروسي والصيني وضد المد الأيراني الشيعي في الآن ذاته، خاصة وأن إفريقيا تُمسك الآن، وكذلك غداً، مفاتيح الأمن الغذائي العالمي، فضلا عن ثرواتها الطبيعية الأخرى والباطنية، التي يندر أن توجد لها نظائر في باقي القارات…

ويبقى في الأفق سؤال مثير للضحك لكنه لا مفر منه وهو: “كيف يا ترى سيتلقّى جيرانُنا المهووسون بِنا، ومعهم بعض مكوّنات الإعلام في أرض الكنانة، المثخِنِ فينا سَبّاً وشتماً وتقريعاً، عندما يرون هذا التفوّق المغربي الجديد وغير المسبوق، على محاولاتهم المتوالية للاستئثار بريادة لا يملكون من شروطها ومقوّماتها سوى ذكرياتِ الماضي، وأطلالِ مَجدٍ كان هناك ذات تاريخ، إبان الحرب الباردة، قبل أن يرحل عنهم إلى غير رجعة… عجبي !!!
_____________

محمد عزيز الوكيلي

إطار تربوي متقاعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى