الحلقة الثامنة عشرة من السلسلة الرمضانية استووا واعتدلوا وتراصوا يرحمكم الله بعنوان : الوطن يبدأ من الحيّ والدوّار

بقلم : الحاج بوشعيب حمراوي
تقديم السلسلة الرمضانية
رمضان ليس شهر الصوم فقط، ولا موسماً عابراً للطقوس المتكررة. بل هو امتحان أخلاقي عميق، ومحك حقيقي لصدق الإنسان مع نفسه، ولصفاء المجتمع مع قيمه. من هذا المعنى، تولد هذه السلسلة الرمضانية (استووا واعتدلوا وتراصّوا يرحمكم الله). كنداء إنساني قبل أن يكون خطاباً وعظياً، وكوقفة تأمل صادقة قبل أن تكون محاكمة أو إدانة. حلقات أحاول من خلالها أن أعيد ترتيب الصفوف. صفّ القيم قبل صفوف المساجد، و صفّ الضمائر قبل الشعارات، و صفّ الإنسان قبل الأدوار والمواقع.
حلقات تمرّ عبر مرآة المجتمع المغربي بتناقضاته وأسئلته المؤجلة،
لتصل إلى الوطن كضمير جماعي لا يحتمل الفساد ولا المزايدات،
وتختم بالإنسان التائه بين الوعي والضياع،بين الصمت والخوف،
بين الحرية والكرامة،وبين ما نعلنه وما نمارسه فعلاً.
هذه السلسلة لا تزعم امتلاك الحقيقة، ولا تدّعي الاصطفاف الأخلاقي،
بل تطرح أسئلة موجعة أحياناً، وبسيطة في ظاهرها،عميقة في أثرها
هي محاولة للقول، إن العبادة لا تكتمل دون سلوك، وأن الصيام لا معنى له إذا أفطر الضمير، وأن الوطن لا يُحبّ بالشعارات، وأن الإنسان قبل كل شيء، إنسان. سلسلة رمضانية تراهن على الكلمة الهادئة، والنقد المسؤول، والأمل الذي لا يستقيل. رمضان ليس فقط ما نمتنع عنه، بل ما نصبحه.. بعده. دمتم في رعاية المولى.
الحلقة التامنة عشرة
الوطن يبدأ من الحيّ والدوّار
الوطن فكرة كبيرة، نعم، لكنه يُعاش في أمكنة صغيرة. يُعاش في الحيّ، في الدوّار، في الزنقة، في العمارة، في السوق القريب. هناك، حيث نلتقي يوميًا، وحيث تُختبَر القيم دون خطب، يبدأ الوطن… أو يتآكل.
نحبّ أن نتحدث عن الوطن بلغة واسعة، عن السياسات الكبرى والمشاريع العملاقة. لكننا ننسى أن الوطن لا يُبنى دفعة واحدة، بل يتشكّل من تفاصيل يومية. نظافة مدخل العمارة، احترام الجار، سلام في الطريق، مساعدة محتاج، تدخل لفضّ نزاع صغير قبل أن يكبر. هذه أفعال لا تظهر في التقارير، لكنها تصنع المعنى.
رمضان يُقرّب المسافات. يقرّب الأجساد في الزحام، ويقرّب الأرواح في لحظة الإفطار. هنا يتّضح معدن العيش المشترك. هل نحتمل بعضنا؟ هل نُراعي الضعيف؟ هل نُخفّف الأذى حين نقدر؟ الحيّ في رمضان مختبر اجتماعي مصغّر.
في الحيّ، تتعلّم المواطنة قبل أن تُدرَّس.طفل يرى الكبار يحترمون الدور، فيتعلّم النظام.شاب يرى نزاعًا يُحلّ بالحوار، فيتعلّم السلم. جار يرى تعاونًا في الشدّة، فيتعلّم الانتماء. لكن حين تُهمل التفاصيل، يتصدّع البناء. فترى قمامة تُرمى بلا اكتراث، ضجيج يُفرض على الآخرين ، سيارة تُركن كيفما أراد صاحبها، كلمة جارحة تُقال ثم تُنسى. كلها شقوق صغيرة، تتسع مع الوقت.
الدوّار، مثل الحيّ، ليس هامشًا. هو قلب نابض بقيم التآزر، حين تُحفظ. في الدواوير، حيث الذاكرة حيّة، نرى معنى التضامن حين يمرض أحدهم، أو يحتاج آخر. لكن حتى هناك، تغيّرت الأشياء. الخصوصية السلبية تسلّلت، والروابط ضعفت، والمسؤولية الجماعية تراجعت.
الوطن يبدأ حين نشعر أن المكان لنا جميعًا. أن الشارع ليس بلا صاحب، وأن المرفق العام ليس غنيمة، وأن راحة الجار جزء من راحتنا. حين نُدرك ذلك، يتغيّر السلوك دون قانون.
رمضان فرصة لإحياء هذا الوعي المحلي. فموائد إفطار جماعية تُعيد اللمة، مبادرات تنظيف تُعيد الاحترام، وساطات بسيطة تُعيد السلم، السؤال عن الصحة والأحوال، هذه أفعال صغيرة، لكنها تُعيد الثقة.
الخطأ الشائع أن ننتظر الحلول من فوق، بينما نُهمل ما تحت أقدامنا. الإصلاح الوطني يبدأ محليًا. حين يُصلح كل واحد منا دائرته الصغيرة، تتّسع دوائر الخير. الوطن ليس بعيدًا… هو قريب جدًا.
الحيّ الذي يسوده الاحترام، يُنتج مواطنين، والدوّار الذي يحفظ التضامن، يُنتج وطنًا متماسكًا. أما حين نترك الصغائر تتراكم، فإننا نُسهِم في خلل أكبر. رمضان لا يُغيّر الأمكنة، بل يُغيّر نظرتنا إليها. يجعلنا نرى الجار قبل الغريب، والقريب قبل البعيد، والمسؤولية قبل الشكوى. ومن هذا المنطلق، يبدأ البناء الحقيقي.
إذا أردنا وطنًا أقوى، فلنبدأ من حيث نعيش،من الحيّ الذي نمرّ به كل يوم ، من الدوّار الذي نعرف وجوهه، ومن التفاصيل التي نستهين بها… لكنها تصنع الأوطان.


