ميساج

الصحراء المغربية… بعض المواقف أقوى من أصوات الأمم المتحدة!

المغرب والجزائر يصوتان معًا، وأمريكا وإسرائيل تعارضان… هل أصبح الحكم الذاتي يفرض قواعد التفاوض، وباتت الجزائر تخشى الكرسي الفارغ وتصنيف البوليساريو إرهابيًا؟

الصحراء المغربية… بعض المواقف أقوى من أصوات الأمم المتحدة!

المغرب والجزائر يصوتان معًا، وأمريكا وإسرائيل تعارضان… هل أصبح الحكم الذاتي يفرض قواعد التفاوض، وباتت الجزائر تخشى الكرسي الفارغ وتصنيف البوليساريو إرهابيًا؟

بقلم: بوشعيب حمراوي

عندما تتشابه الأصوات وتختلف المواقف!

في السياسة الدولية، ليست كل «نعم» تأييدًا للموقف نفسه، وليست كل «لا» رفضًا للقضية نفسها. فقد تصوت دولتان متخاصمتان لصالح قرار واحد، بينما تعارضه دولتان حليفتان، دون أن يعني ذلك انقلابًا في التحالفات أو تبدلًا في القناعات. فالأصوات تعلن المواقف من النصوص، لكنها لا تكشف دائمًا حقيقة الحسابات التي تحكم المصالح.
وهذا بالضبط ما حدث يوم الخميس 15 أكتوبر 2026، عندما اعتمدت اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة مشروع قرارها السنوي بشأن الصحراء المغربية، بأغلبية 152 صوتًا مؤيدًا، مقابل صوتين معارضين وسبع امتناعات.

المثير ليس عدد الأصوات، بل هويات أصحابها!

فالمغرب والجزائر صوتا لصالح القرار، رغم اختلافهما الجذري حول القضية، بينما عارضته الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وهما دولتان تعترفان صراحة بالسيادة المغربية على الصحراء.
فهل أصبحت الجزائر أقرب إلى الموقف المغربي من واشنطن وتل أبيب؟ وهل تراجعت الدولتان عن اعترافهما بمغربية الصحراء؟ أم أننا أمام تصويت يكشف انتقال النزاع إلى مرحلة جديدة، عنوانها الحكم الذاتي وكلفة تعطيل التسوية؟

أولًا: المغرب يصوت لصالح القرار… لأنه يعرف أين يوجد مكسبه الحقيقي

لم يكن تصويت المغرب لصالح القرار تنازلًا عن سيادته أو قبولًا بإعادة فتح النزاع من نقطة الصفر.
فالنص المعتمد أدرج القرار التاريخي رقم 2797، الصادر عن مجلس الأمن يوم 31 أكتوبر 2025، ضمن مرجعياته الأممية.
وهنا يكمن التطور الجوهري. فذلك القرار جعل المقترح المغربي للحكم الذاتي أساسًا للمفاوضات، وأقر بأن الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يمكن أن يمثل الحل الأكثر قابلية للتطبيق.

لقد أصبح المقترح المغربي، الذي قدم سنة 2007، في قلب المسار السياسي الأممي.
صحيح أن القرار لا يشكل اعترافًا أمميًا نهائيًا بالسيادة المغربية، وأنه يحافظ على مبدأ تقرير المصير والحل المقبول من الأطراف، لكن الأكيد أن المغرب نجح في نقل مبادرته من مجرد مقترح وطني إلى مرجعية تفاوضية صريحة لمجلس الأمن. ولذلك صوت المغرب لصالح إدراج هذا المكتسب ضمن وثائق اللجنة الرابعة.

ثانيًا: أمريكا وإسرائيل… هل كانت «لا» أقوى سياسيًا من «نعم» المغربية؟

قد يبدو السؤال مستفزًا، لكنه يستحق التأمل.
فالدولتان اللتان صوتتا ضد القرار سبق أن اعترفتا بمغربية الصحراء، ولم تكتفيا بمجرد دعم الحكم الذاتي باعتباره أحد الحلول الممكنة.
والأكثر دلالة أن بيانًا ثلاثيًا صدر يوم 16 شتنبر 2026، عقب لقاء جمع ممثلين عن المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل بنيويورك، جدد التأكيد على اعتراف واشنطن وتل أبيب بالسيادة المغربية على كامل الصحراء، ودعمهما مقترح الحكم الذاتي باعتباره الأساس الوحيد للحل السياسي.

وبالتالي، فإن التصويت المعارض بعد أقل من شهر لا يمكن اعتباره، بمجرده، تراجعًا عن موقف سبق تأكيده بهذا الوضوح.
بل يمكن قراءته بوصفه تحفظًا على استمرار استحضار بعض المرجعيات التقليدية المتعلقة بتصفية الاستعمار والاستقلال، وهي المرجعيات التي لا تزال حاضرة في قرارات اللجنة الرابعة.
فكيف لدولة تعترف بمغربية الصحراء ان تصون على قرار. يتضمن عبارات من قبيل تقرير المصير. والاستقلال.؟.

ومن هنا يبرز احتمال سياسي مهم: ربما أراد المغرب تثبيت القرار 2797 داخل النص الأممي، بينما لم ترغب واشنطن وتل أبيب في تأييد النص بكامله، رغم اتفاقهما مع المغرب بشأن السيادة والحكم الذاتي.
إنها مواقف يمكن أن تتكامل سياسيًا، رغم تعارضها في صندوق التصويت.

ثالثًا: الجزائر تصوت بنعم… هل اقتنعت أم بدأت تخشى العزلة؟

هنا تكمن المفارقة الثانية.

فالجزائر التي رفضت المشاركة في التصويت على القرار 2797 داخل مجلس الأمن سنة 2025، صوتت في أكتوبر 2026 لصالح نص يستحضر القرار نفسه. فهل تغير موقفها؟
ليس بالضرورة. فالقرار يتضمن أيضًا عبارات تقليدية تتعلق بتقرير المصير وتصفية الاستعمار، تستطيع الجزائر أن تستند إليها لتبرير موقفها.

لكن الاكتفاء بهذا التفسير قد يحجب تحولًا سياسيًا أعمق.
فالجزائر عادت إلى محادثات ضمت المغرب وموريتانيا والبوليساريو تحت رعاية أمريكية وأممية، بعد أن ظل خطابها يؤكد أنها ليست طرفًا مباشرًا في النزاع. وهنا يمكن طرح السؤال الجوهري:
هل بدأت الجزائر تدرك أن الغياب عن طاولة المفاوضات لن يوقف المسار، بل قد يضعف قدرتها على التأثير في نتائجه؟
إن الكرسي الفارغ لا يمنح صاحبه حق تعطيل المفاوضات إلى الأبد، خصوصًا عندما يكون المسار مدعومًا من قوى دولية مؤثرة.
وقد تكون الجزائر أمام حسابات جديدة: إما المشاركة ومحاولة التأثير في التفاصيل، وإما الانسحاب وتحمل الكلفة السياسية للغياب.
ولا يعني ذلك أن القضية ستنتهي تلقائيًا بانسحابها، لكنه يعني أن استمرارها خارج المفاوضات قد يجعل موقفها الدبلوماسي أكثر تعقيدًا.

رابعًا: أخطر ما يواجه البوليساريو… ليس التصويت بل أوراق الكونغرس الأمريكي

إذا كان التصويت الأممي يسمح بتفسيرات متعددة، فإن مشروع قانون أمريكيًا قدم يوم 24 يونيو 2025 يتضمن رسالة أكثر تحديدًا.
ويتعلق الأمر بالمشروع H.R.4119، الذي تقدم به عضوا الكونغرس جو ويلسون وجيمي بانيتا، والهادف إلى دراسة إمكانية فرض عقوبات على البوليساريو وتصنيفها منظمة إرهابية.
لكن النقطة الأهم توجد في المادة الخامسة.
فهي تنص على إمكانية الإعفاء من التصنيفات والعقوبات المقترحة إذا ثبت انخراط البوليساريو بحسن نية في مفاوضات تنفيذ مخطط الحكم الذاتي المغربي لسنة 2007، الذي يمنح سكان الصحراء صلاحيات واسعة تحت السيادة المغربية.

وهنا تظهر دلالة سياسية تستحق الانتباه.

فبعض المشرعين الأمريكيين لم يعودوا يكتفون بالدعوة إلى التفاوض، بل طرحوا ربط ملف العقوبات بسلوك البوليساريو تجاه تنفيذ الحكم الذاتي.
صحيح أن الأمر يتعلق بمشروع قانون، وليس بتصنيف نافذ أو قرار حكومي أمريكي، لكنه يكشف وجود اتجاه تشريعي يريد جعل استمرار الرفض مكلفًا سياسيًا.
فهل تدرك الجزائر أن مواصلة دعم المواقف المتشددة للبوليساريو قد تضعها أمام ضغوط أمريكية متزايدة؟
الاحتمال وارد، لكن لا يجوز القفز منه إلى الجزم بأن رفض المفاوضات سيؤدي تلقائيًا إلى تصنيف البوليساريو منظمة إرهابية أو الجزائر دولة راعية للإرهاب.
فتلك إجراءات قانونية مستقلة تستلزم شروطًا وأدلة وقرارات رسمية.
ومع ذلك، فإن مجرد طرح هذه الخيارات داخل الكونغرس مؤشر على أن بيئة النزاع الدبلوماسية لم تعد كما كانت.
خامسًا: الحكم الذاتي… عندما تنتقل المفاوضات من المبدأ إلى كيفية التطبيق
من الناحية السياسية والدستورية، يفترض الحكم الذاتي ممارسة سكان منطقة معينة لاختصاصات واسعة في تدبير شؤونهم داخل إطار دولة ذات سيادة.
ولذلك فإن المغرب، عندما يقترح الحكم الذاتي تحت سيادته، لا يقدم صيغة استقلال مقنّع، بل مشروع تنظيم للحكم داخل الوحدة الترابية للمملكة.

وهنا يمكن فهم أهمية القرار 2797.

فالتفاوض الذي ينطلق من المبادرة المغربية يختلف عن مفاوضات لا تتوفر على مرجعية محددة.
لكن ذلك لا يعني أن جميع الأطراف وافقت مسبقًا على النتيجة النهائية؛ فالقرار لا يزال يشترط حلًا سياسيًا متوافقًا عليه يحقق تقرير المصير.
ومن مصلحة المغرب أن يجعل نقاش الحكم الذاتي أكثر تقدمًا، من خلال تحديد الصلاحيات المؤسساتية والمالية والتشريعية، وضمانات المشاركة الديمقراطية، وكيفية تدبير الموارد، وعلاقة المؤسسات الجهوية بالسلطات المركزية.
فكلما ازدادت المبادرة وضوحًا وقابلية للتنفيذ، أصبحت الحجة المغربية أقوى أمام المجتمع الدولي وأمام سكان الصحراء أنفسهم.
سادسًا: المينورسو… هل حان وقت تغيير المهمة؟
أُحدثت المينورسو سنة 1991 في سياق مخطط للتسوية كان يفترض تنظيم استفتاء لتقرير المصير، إلى جانب مراقبة وقف إطلاق النار.

لكن تعثر الاستفتاء لعقود، وتطور المسار السياسي، يطرحان سؤالًا مشروعًا حول مستقبل البعثة.
فالقرار 2797 لم يمدد ولايتها إلى 31 أكتوبر 2026 فحسب، بل طلب مراجعة استراتيجية لمهامها المستقبلية في ضوء نتائج المفاوضات.
وإذا كان النقاش السياسي ينتقل تدريجيًا إلى تفاصيل الحكم الذاتي، فلا بد أن يواكبه نقاش بشأن دور المينورسو.
هل تظل بعثة مرتبطة بمنطق مرحلة سابقة، أم تتطور مهامها بما يخدم التسوية السياسية الجديدة، ويحافظ على وقف إطلاق النار ويساعد الأطراف على تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه؟
ذلك سؤال ينبغي أن يكون حاضرًا بقوة في المحطة المقبلة لمجلس الأمن.

الجزائر أمام امتحان الاختيار… والمغرب أمام امتحان التنزيل

قد تكون أكبر أخطاء قراءة التصويت الأممي هي الاعتقاد بأن المغرب خسر حليفين لأن واشنطن وتل أبيب صوتتا ضد القرار، أو أن الجزائر انتصرت لأنها صوتت مع المغرب ضمن أغلبية من 152 دولة.
فالحقيقة السياسية أكثر تعقيدًا.
المغرب يراكم مرجعيات دبلوماسية تدعم مساره نحو الحكم الذاتي تحت سيادته، والولايات المتحدة وإسرائيل تجددان اعترافهما الصريح بتلك السيادة، بينما تواجه الجزائر سؤالًا صعبًا حول مستقبل مشاركتها في مفاوضات بات المقترح المغربي أساسًا لها.
أما البوليساريو، فتجد نفسها أمام تحدي الانتقال من خطاب الرفض إلى التعامل مع مفاوضات فعلية، في سياق تظهر فيه مبادرات أمريكية لربط العقوبات بشروط محددة.
ولا ينبغي أن نختزل هذه التحولات في إعلان انتصار نهائي لم يقع بعد، كما لا ينبغي أن نقلل من أهميتها.
لقد أصبح المغرب مطالبًا بتحويل مكاسبه الدبلوماسية إلى مشروع حكم ذاتي متكامل ومقنع وقابل للتنفيذ، بينما أصبحت الأطراف الأخرى مطالبة بتوضيح ما الذي تقترحه عمليًا لإنهاء نزاع استنزف المنطقة لعقود.
وفي النهاية، ليست العبرة بمن قال «نعم» أو «لا» داخل اللجنة الرابعة، بل بمن يملك مشروعًا واقعيًا لإنهاء النزاع، ومن يستطيع الدفاع عنه على طاولة المفاوضات.
فالقرارات تُقرأ بما تتضمنه من التزامات ومسارات، لا بمجرد ألوان الأزرار التي ضغط عليها المصوتون… والسيادة لا تثبتها الشعارات وحدها، بل تعززها الدبلوماسية والتنمية وقدرة الدولة على تحويل مقترحاتها إلى واقع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى