هذه النبتة من تلك الشجرة… (حين يعيد التاريخ نفسه بصعود عاهل إسبانيا إلى خشبة مسرح آيل للسقوط)

هذه النبتة من تلك الشجرة… (حين يعيد التاريخ نفسه بصعود عاهل إسبانيا إلى خشبة مسرح آيل للسقوط)
محمد عزيز الوكيلي*
هناك خطابات تمر مرور الكرام، وهناك أخرى تكون نذير شؤم على أصحابها. ومِن عجائب القدَر ومظاهرِ سخريته أن ملوك إسبانيا تخصصوا في هذا النوع الثاني من الخطابات كلما تعلق الأمر بالمغرب.
في يوم ثاني نوفمبر 1975، فاجأ الأمير خوان كارلوس، ولي عهد إسبانيا آنذاك، مواطنيه الإسبان المقيمين بمدينة العيون المغربية، المحتلة آنئذٍ، بزيارة خاطفة حضرتْها، إلى جانب عساكر إسبانيا وأسرهم وعائلاتهم، جموعٌ من الصحراويين المغاربة الذين سِيقوا قسراً تحت ضغط السلطات الاستعمارية المرابطة هناك في تلك الحقبة.
وقف ولي العهد خوان كارلوس فوق منصة خشبية مرتجَلة، وألقى خطاباً حماسياً حاول أن يُطَمْئِن به مواطنيه الإسبان، ومَن كان يدور في فلكهم من خونة الداخل، وهؤلاء كانوا قلة قليلة معزولة، وقال لهم ما مفاده أنّ الأقاليم المغربية الجنوبية المحتلة “تعتبَر إسبانيةً، وأنها ستبقى إسبانيةً، وأنه لن يفرّط فيها مهما كان الثمن، وأن الجيش الإسباني سيبقى هناك للدفاع عن شرف إسبانيا”… بلا بلا بلا بلا…
كانت الكلمات كبيرة، لكن الواقع على الأرض كان أكبر منها… وهنا يحسن بنا أن نتذكّر السياق. فإسبانيا كانت تحتضر مع جنرالها فرانكو، الذي كان يلفظ أنفاسه الأخيرة في مدريد، والعالم كله كان يعلم أن المغرب قد حسم أمره ولن يتراجع عن أخذ حقه بأيدي نسائه ورجاله، ومع ذلك، أراد خوان كارلوس أن يلعب دور المنقذ، وأن يلتقط صُوَراً تاريخية، كما يفعل اليوم عُشّاق “السيلفي”، يُثبت فيها أنه ملك قوي، رغم أنه كان مُوقِناً من إصرار جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني على التنفيذ الفعلي لمشروعه التحريري غير المسبوق، المتمثل في مسيرته الخضراء التاريخية التي كان قد أعلن عنها قبل تلك الزيارة.
والنتيجة؟ أنه بعد خطاب “خوان كارلوس الأب” بأربعة أيام فقط، في السادس من نوفمبر 1975، أصدر الملك الراحل الحسن الثاني، طيب الله ثراه، أمره بانطلاق المسيرة الخضراء… ومِن ثَمّ زحَف نحو الصحراء أكثر من 350 ألف مغربي ومغربية، بإضافة الوفود العربية والإسلامية الشقيقة والأخرى الصديقة، التي شاركت على سبيل المساندة، بلا سلاح سوى المصاحف والأعلام وصياحات التوحيد والتكبير.
فماذا فعل صاحب خطاب: “لن نفرط في الصحراء الإسبانية”؟ جمع رحاله، ووقّع على اتفاقية مدريد، وغادر المنطقة وهو يجر ذيول الخيبة والمرارة، تاركاً جنوده يتباكون في ثكناتهم وأصداء خطبته الرنانة لم تندثر بعد.
كان ذلك الخطاب هو آخر مسمار دَقَّه الإسبان أنفسهم في نعش احتلالهم لصحرائنا الجنوبية الغربية، و”إعلاناً رسمياً عن الهزيمة”، بينما كان الخطيب الملكي يظنه “إعلانَ نصر”.
ومن مظاهر سخرية القدر، المضحكة المبكية، أن نفس المشهد تكرر قبل يومين، في 13 و14 أكتوبر الجاري، في نسخة طبقَ الأصل لسابقتها، ولكن بجودةٍ في غاية الرداءة.
لقد أنبتت الشجرةُ ذاتُها نفس النبتة، وجاء الابن فيليبي السادس، الذي يحمل اسم أبيه في الشطر الثاني من اسمه، فيليبي خوان كارلوس، لينزل ضيفاً على المدينتين المغربيتين المحتلتين، سبتة ومليلية، في أول زيارة له منذ اعتلائه العرش سنة 2014، أي بعد اثنتي عشرة سنةً من التلكُّؤ والتردُّد العَصِيَّيْن على الإنكار والإخفاء.
هكذا وجدنا أنفسنا امام نفس المسرحية: حشد مصطنَع، أعلام وبيارق تُلَوِّح، تصفيقات مبرمَجة، وخطاب يقول إنّ “سبتة ومليلية جزء لا يتجزأ من إسبانيا وإنّ سيادتها غير قابلة للنقاش” (!!!)… وهذا كلام شديد الشبه، بل هو نسخة مماثلة ومطابقة، من الكلام الذي هرطَقَ به أبوه سنة 1975.
وحتى ذلك المبيت في سبتة، الذي شكّل هو الآخر “سابقة غير مسبوقة” في بروتوكول الديمقراطية الإسبانية، أرادوا منه أن يكون رسالة قوة، فإذا به رسالة خوف وارتباك، لأنّ الملكَ الواثِقَ فعلاً من سيادته لا يحتاج إلى أن يبيت ليلة حتى يُثْبتَها.
وهنا تكمن السخرية الكبرى التي تجعلنا نقول: “إنّ هذه النبتة من تلك الشجرة”، لولا أن الثّمرة هذه المرة ستكون بكل تأكيدٍ أكثرَ مرارة.
لقد كان أبوه يخاطب جيشاً إسبانياً جراراً قوامه 20 ألف جندي، وترسانة عسكرية، وقواعد جوية في صحراء شاسعة، ومع ذلك لاذَ بالفرار أمام جمهور من العُزّل.
أما الابن، فهو اليوم يخاطب بضع مئات من الموظفين الإسبان القلقين المرتبكين والهلوعين، في مدينتين محاصرتين جغرافياً واقتصادياً، تعيشان نزيفاً حاداً للمستثمرين، الذين شرعوا في بيع عقاراتهم بأبخس الأثمان، والذين فر بعضهم نحو الداخل الإسباني، وبعضهم الآخر صوب طنجةَ والناظور، حيث ميناء طنجة المتوسط وميناء الناظور غرب المتوسط يمارسان، يوماً بعد آخر وساعة بعد أخرى، سحب البساط من تحت قوائم اقتصاد إسباني غيرِ محسودٍ على حاله ومآله.
وهناك مفارقة لافتة، وهي أن “خوان كارلوس الأب”، كان بالأمس يواجه “مسيرة عزلاء سلمية”، أما “خوان كارلوس الابن”، فمن دلائل سُوءِ طالعه أنه يواجه اليوم دولة “بمنظومة عسكرية حديثة”، بدرون “إيريفي” الذي يصل مداه تلقائياً وبتسيير ذاتي إلى ألفَيْ كيلومتر دون حاجة إلى قمر صناعي، وبصناعة صاروخية متوسطة وبعيدة المدى، وبمناورات عسكرية مع أقوى جيوش العالم، ثم بتقارير إسبانية خالصة، تتحدث هي نفسُها عن بداية “اختلال توازن الرعب” في مجموع المنطقة المغاربية والمتوسطية ومضيق جبل طارق.
إن ما لم يفهمه ملوك “آل بوربون” هؤلاء، هو أن السيادة لا تثبت بالزيارات، وبليالي المَبيت الباذخ وبالخطابات، وأنّ الجغرافيا لن تستطيعَ أن تغيّرَها الأُمنيات، وأنّ التقاط صُوَر “السيلفي” مع حشد مُصطنَع في ساحة إفريقيا بسبتة، لن يَمحوَ حقيقة المدينتين بأنهما مغربيتان حتى النخاع، تاريخاً وجغرافيَا ودماً.
وإذا كان خطاب 2 نونبر 1975 في العيون قد شكّلَ نذيرَ شُؤْمٍ، وعجّل برحيل إسبانيا عن صحرائنا الجنوبية الغربية، فماذا ننتظر من خطاب 13 أكتوبر 2026 في سبتة ومليلية والجُزُر غير المصير ذاته؟!
إنّ التاريخ يعيد نفسه فعلا، مرة في صورةِ تراجيديا، ومرة ثانيةً في شكلِ مهزلة. وما فعله الأب في العيون، يكرّره ابنه اليوم في سبتة ومليلية، بنفس الغباء، ونفس العنجهية، وبالتالي بنفس النهاية المحتومة.
فلْيهنأْ فيليبي السادس بصُوَرِه التذكارية، وليحتفظ بها في ألبوم العائلة إلى جانب صُوَر والده في العيون، لأنه سيحتاج إليها يوماً ما، ليشرح لأحفاده كيف ضاعت آخر مستعمرات إسبانيا في شمال إفريقيا، وكيف أن هذه النبتة المسكينة ذبلت وماتت لأنها كانت من تلك الشجرة الشبيهة في وهنها ببيوت العناكب… بينما وجدت أمامها، في الخندق المقابل، نبتةَ ملوك دَوّن التاريخ أسماءهم بماء الذهب، تتجذّر شجرتهم الباسقة في أعماق هذه الأرض الطيبة، وتشرئب أغصانُها إلى كل بقاع الخريطة المغربية المُسْقاة بدماء شهداء العز والكرامة، دون ترك أي شبر بين يدي أي وافد من خارج الزمن والفضاء المغربيَّيْن… و… عجبي !!!
_____________
* إطار تربوي متقاعد.



