ميساج

متى نعلن عن الجهتين السليبتين المحتلتين من طرف الجزائر وإسبانيا؟

لماذا لا يشير التقسيم الترابي الحالي إليهما، وكأنهما ليستا جزءاً من التراب المغربي؟

متى نعلن عن الجهتين السليبتين المحتلتين من طرف الجزائر وإسبانيا؟

لماذا لا يشير التقسيم الترابي الحالي إليهما، وكأنهما ليستا جزءاً من التراب المغربي؟

بقلم: بوشعيب حمراوي

هل تكفي اثنتا عشرة جهة لرسم خريطة المغرب التاريخية؟

هل يعقل أن تختزل المملكة المغربية مجالها الترابي في اثنتي عشرة جهة، بينما تظل مدن وجزر ومناطق ارتبطت بتاريخها، وما زال بعضها محتلة موضوع مطالب بالاسترجاع؟ وهل يكفي أن تكون تلك المناطق خارج الإدارة المغربية الحالية حتى تغيب عن خرائطنا التنظيمية ومشاريعنا المستقبلية؟

ثم ألا يحق لنا أن نتساءل: لماذا لا نفكر في إحداث جهتين إضافيتين، تحملان الرقمين الثالث عشر والرابع عشر، تكون لهما إدارتان خاصتان بالعاصمة الرباط، إلى حين معالجة الملفات المرتبطة بهما بالوسائل القانونية والدبلوماسية؟… لتبقى موضوع نضال مستمر من طرف الأجيال المتعاقبة… .

إنني أطرح هذه الأسئلة انطلاقاً من قناعة بأن الذاكرة الترابية للمملكة أوسع من التقسيم الإداري المعتمد حالياً، وأن الدفاع عن المطالب التاريخية والسيادية لا ينبغي أن يظل رهين المناسبات والأزمات السياسية.

 

لقد اعتمد المغرب منذ سنة 2015 تقسيماً جهوياً يتكون من اثنتي عشرة جهة، ضمن ورش الجهوية المتقدمة. وهو تقسيم يعكس المجال الذي تمارس عليه الدولة سلطتها الإدارية، لكنه لا يتضمن إشارة مؤسساتية خاصة إلى المناطق الشمالية المحتلة الخاضعة لإسبانيا، ولا إلى المناطق الشرقية المحتلة من طرف الجزائر .
فهل يمكن التفكير في مغرب بأربع عشرة جهة، اثنتا عشرة منها قائمة، واثنتان إضافيتان سليبتان لهما وضع خاص؟

الجهة الثالثة عشرة التي تتضمن مدن وجزر وصخور شمالية لا ينبغي نسيانها

لنبدأ بالشمال، حيث توجد سبتة ومليلية، المدينتان المحتلتان الخاضعتان للسيادة الإسبانية، واللتان ترتبطان بمطالب مغربية تاريخية عريقة و معروفة لكل العالم.
لكن المناطق الشمالية المعنية لا تنحصر في هاتين المدينتين.
فهناك صخرة بادس، المعروفة إسبانياً باسم Peñón de Vélez de la Gomera، قبالة ساحل إقليم الحسيمة.
وهناك صخرة الحسيمة، ومعها جزيرة البر وجزيرة البحر، التي تشكل مجموعة جزر الحسيمة.
وهناك الجزر الجعفرية، الواقعة قبالة الساحل المتوسطي شرق مليلية، وتضم جزيرة المؤتمر، وجزيرة إيزابيل الثانية، وجزيرة الملك.
ولا يمكن إغفال جزيرة ليلى، أو تورة، القريبة من سبتة، والتي شهدت أزمة سياسية وعسكرية بين المغرب وإسبانيا سنة 2002، قبل الاتفاق على العودة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل الأزمة.
هذه المواقع، رغم اختلاف أوضاعها القانونية، تطرح أسئلة تاريخية وسيادية تستحق المتابعة المؤسساتية.
ومن هنا أقترح إحداث الجهة الثالثة عشرة تحت اسم «جهة المناطق الشمالية السليبة»، مع مراعاة خصوصية الوضع القانوني لكل موقع.
وتكتسي هذه المبادرة راهنية خاصة بعد زيارة الملك الإسباني فيليبي السادس والملكة ليتيثيا إلى سبتة يوم 13 أكتوبر 2026، ثم مليلية يوم 14 أكتوبر، في خطوة تحمل دلالات سياسية وسيادية واضحة بالنسبة إلى إسبانيا.
وإذا كانت مدريد تزعم سيادتها على هذه المواقع، فإن ذلك لا يمنع المغاربة من مواصلة النقاش حول مطالبهم التاريخية، والعمل على معالجتها سلمياً. لأنه لا يصح إلا الصحيح ..والجغرافيا لا يمكن تغييرها بتصريحات سياسية أو تواطؤ سياسي مهما كانت مستوياته.

الجهة الرابعة عشرة… ماذا بقي من ذاكرة الصحراء الشرقية؟

أما الجهة الرابعة عشرة، التي أقترح تسميتها «جهة المناطق الشرقية السليبة»، فتتعلق بمناطق مغربية محتلة توجد حالياً داخل الجزائر، وترتبط بكتابات ومطالب تاريخية مغربية تعود إلى ما قبل التوسع الاستعماري الفرنسي.
وفي مقدمتها تندوف، وبشار، والقنادسة، وبني ونيف، والعبادلة، وواكدة، وتاغيت، وإكلي، وبني عباس، وكرزاز، ومنطقة الساورة.

ويمتد النقاش التاريخي الأوسع إلى توات، ومن أبرز مراكزها أدرار، وقورارة التي تضم تيميمون، وتيديكلت التي ترتبط بعين صالح.

هذه المناطق لا ينبغي أن تتحول أسماؤها إلى مجرد عناوين تستحضر أثناء الأزمات الدبلوماسية مع الجزائر، ثم تختفي من النقاش بمجرد هدوء التوتر.
فهناك كتابات ووثائق تاريخية تتناول روابط البيعة والتجارة والقبائل والزوايا والامتداد الديني والاجتماعي بين هذه المناطق والدولة المغربية. وكان الوقت لفتح نقاش جاد وحولها والمطالبة بإنهاء احتلالها بدون وجه حق.
علما ان المغرب والجزائر وقعا اتفاقية لترسيم الحدود يوم 15 يونيو 1972، دخلت حيز التنفيذ في 14 مايو 1989. لكن الجزائر لم تحترم كل بنود الاتفاقية. وابرزعا الاستغلال المشارك لمنح الحديد بغار جبيلات. كما أن الاتفاقية أتت على اساس أن أكون هناك وحدة مغربية جزائرية تؤثث بميلاد مغرب كبير .. لا يعترف بالحدود الجغرافية بين شعوبه…

ولذلك فإنه من المفروض إعادة فتح النقاش من أجل إلغائها.
ولا ينبغي نسيان منطقة العرجة بفجيج، التي أعادت أحداث مارس 2021 فيها النقاش حول الحدود والأراضي التي استغلها فلاحون مغاربة لعقود، قبل منعهم من مواصلة استغلالها من طرف السلطات الجزائرية.
إن المطلوب هو تحويل هذا التراث التاريخي وهذه الملفات الحدودية إلى موضوع بحث مؤسساتي جاد، يحدد طبيعة كل مطلب وأسانيده القانونية.

لماذا نغيب الجهتين عن تصورنا الترابي؟

قد يقول قائل إن التقسيم الإداري لا يشمل إلا الأراضي التي تمارس عليها الدولة سلطتها الفعلية، وإن الجهات مؤسسات دستورية لها مجالس منتخبة وميزانيات واختصاصات، وليست مجرد أسماء على الخرائط. وهذا صحيح من الناحية القانونية والإدارية.
لكن هل يمنع ذلك التفكير في صيغة مؤسساتية خاصة تحفظ ملفات المناطق موضوع المطالب المغربية، دون الادعاء بممارسة سلطة إدارية فعلية داخلها؟
إن المقصود ليس خلق مؤسسات وهمية أو تغيير الحدود بقرار إداري، وإنما التفكير في كيفية الانتقال من الاستحضار العاطفي والتاريخي إلى التوثيق والترافع والعمل المؤسساتي المنظم.

أي خريطة ترابية نقدمها للعالم… وكيف سنشرح ما أغفلناه؟

إن التقسيم الترابي للمملكة ليس مجرد وثيقة إدارية للاستهلاك الداخلي، بل هو أيضاً مرجع تستعمله المؤسسات المغربية خارج البلاد، عند عرض الاتفاقيات والشراكات الدولية، وتسويق فرص الاستثمار، والتعريف بالمؤهلات الاقتصادية والسياحية، وتقديم مشاريع التنمية والتعاون اللامركزي.

فعندما نقدم المغرب إلى المستثمرين والشركاء الأجانب، نستعرض جهاته الاثنتي عشرة، ومؤهلاتها ومشاريعها ومجالاتها الجغرافية.
وهنا يبرز سؤال لا ينبغي تجاهله: إذا كنا نعتبر أن هناك مناطق مغربية سليبة نطالب باسترجاعها، فكيف نفسر لشركائنا الدوليين غيابها عن تصورنا الترابي الذي نقدمه لهم؟
وكيف سنشرح مستقبلاً لتلك الدول وجود مطالب مغربية باسترجاع مناطق لم يسبق أن أشرنا إليها، ولو بوصفها ملفات تاريخية أو سيادية، في وثائقنا التعريفية؟

ألن يطرح علينا هؤلاء سؤالاً مشروعاً: لماذا قدمتم لنا طوال سنوات تقسيماً ترابياً يتكون من اثنتي عشرة جهة، ثم أصبحتم تتحدثون عن جهتين إضافيتين؟
صحيح أن الخريطة الإدارية تعكس مجال ممارسة السلطة الفعلية، ولا تعني بالضرورة التخلي عن مطالب تاريخية أو سيادية، لكن أليس من الأجدر أن نعتمد تصوراً مؤسساتياً واضحاً يميز بين الجهات القائمة والمناطق موضوع المطالب المغربية، ويشرح طبيعة كل ملف وأسانيده؟
إن ما نطالب به ليس إدراج مناطق خارج الإدارة المغربية في اتفاقيات التنمية وكأنها خاضعة لسلطتنا، بل ضمان حضور هذه القضايا في خطابنا الترابي الموجه إلى الخارج، حتى لا نضطر غداً إلى شرح ما كان بإمكاننا توضيحه منذ اليوم.

فالدبلوماسية ليست فقط ما نقوله في البيانات الرسمية، وإنما أيضاً ما نثبته في وثائقنا وخرائطنا ومؤسساتنا، مع احترام الحقائق القانونية.

واليان بالعاصمة الرباط… لماذا لا؟

أقترح أن تكون البداية بإحداث إدارتين خاصتين بالعاصمة الرباط، إحداهما تعنى بملف المناطق الشمالية الخاضعة لإسبانيا، والثانية بالملفات التاريخية للمناطق الشرقية الموجودة داخل الجزائر.
ويُطرح تعيين والٍ لكل جهة مقترحة، يكون مقره العاصمة الرباط، أو مسؤول سامٍ بصفة قانونية ملائمة، يتولى التنسيق بين المؤسسات المعنية.
وتشمل مهام الإدارتين جمع الأرشيف والوثائق والخرائط والمعاهدات، وإعداد الدراسات، وتتبع المستجدات الدولية، والتعاون مع الجامعات ومراكز البحث والخبراء القانونيين.
ولا بد، بطبيعة الحال، من دراسة دستورية وقانونية قبل إحداث الجهتين، خصوصاً أن الفصل 135 من الدستور يحدد طبيعة الجماعات الترابية، بينما ينظم الفصل 145 مهام الولاة والعمال.
فالتعيين وحده لا يمنح سلطة فعلية خارج المجال الذي تديره الدولة، كما أن إحداث جهة دستورية كاملة يستوجب احترام المقتضيات المتعلقة بتنظيمها وتدبيرها الديمقراطي.

هل يخدم الصمت هذه الملفات؟

إن تجاهل النقاش التاريخي لا يحسم المسائل الخلافية، كما أن ترديد الشعارات لا يغير المعاهدات ولا يثبت السيادة.
وبين الصمت والشعارات توجد مساحة واسعة للعمل العلمي والقانوني والدبلوماسي المسؤول.
إنني أدعو الحكومة والبرلمان والمؤسسات المختصة والمؤرخين والجغرافيين وخبراء القانون الدولي إلى فتح نقاش وطني حول هذه المبادرة، ودراسة إمكانية اعتماد جهتين إضافيتين بوضع خاص، أو هيئتين وطنيتين تتوليان الملفات المعنية.
ومن الضروري التأكيد على اختلاف الوضع القانوني بين المواقع الشمالية الخاضعة لإسبانيا والمناطق الشرقية الواقعة داخل الجزائر، حتى لا تتحول المبادرة إلى خلط بين ملفين لهما سياقان تاريخيان وقانونيان مختلفان.

المغرب ذو الأربع عشرة جهة… متى يتحول المقترح إلى مشروع مؤسساتي؟

إن المغرب الذي يواصل تنزيل الجهوية المتقدمة، ويستعد لاستحقاقات تنموية كبرى في أفق 2030، يستطيع أن يفتح نقاشاً وطنياً حول ذاكرته الترابية، دون أن يعني ذلك الدعوة إلى المواجهة أو تغيير الحدود بالقوة.
ولا ينبغي أن يتحول الحفاظ على الذاكرة التاريخية إلى عداء للشعوب المجاورة؛ فالمغاربة والجزائريون والإسبان تجمعهم روابط إنسانية ومصالح مشتركة تتجاوز الخلافات السياسية.
إنني أتطلع إلى اليوم الذي يصبح فيه ممكناً مناقشة مغرب بأربع عشرة جهة: اثنتا عشرة جهة قائمة، وجهة ثالثة عشرة تعنى بالمناطق الشمالية موضوع المطالب المغربية، وجهة رابعة عشرة تعنى بالملفات التاريخية للمناطق الشرقية.
فهل نكتفي بترديد أسماء سبتة ومليلية وتندوف وبشار وغيرها كلما اندلعت أزمة سياسية؟ أم نحول الاهتمام بهذه المناطق إلى عمل مؤسساتي دائم يقوم على الوثيقة والمعرفة والترافع السلمي؟
وهل نواصل تقديم خريطتنا الإدارية باعتبارها المرجع الوحيد للتعريف بمجالنا الترابي، أم نرفقها بتصور تاريخي وقانوني يوضح للعالم الملفات والمطالب التي ما زالت مطروحة؟
إن السؤال ليس فقط متى نسترجع ما نعتبره أراضي سليبة، بل متى نؤسس لعمل مؤسساتي جاد يحفظ الذاكرة الترابية، ويدرس المطالب التاريخية، ويوضح ما يمكن الدفاع عنه قانونياً ودبلوماسياً؟

متى نعلن عن الجهتين الثالثة عشرة والرابعة عشرة؟

إنها مبادرة أضعها أمام النقاش الوطني وأمام المؤسسات المختصة، انطلاقاً من قناعة بأن قوة الدول لا تقاس بالشعارات وحدها، بل بقدرتها على مواجهة أسئلة تاريخها بالحجة والوثيقة، وبناء مواقفها على المعرفة والقانون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى