ميساج

الجزائر واللعب بالنار… هل يُدبَّر في الخفاء مخطط لإشعال فتيل الحرب مع المغرب؟.

من اعتقال 61 مغربيًا إلى التصعيد الإعلامي والعسكري… مؤشرات تثير الشكوك حول محاولة صناعة أزمة جديدة مع اقتراب الحسم الدبلوماسي لملف الصحراء المغربية

الجزائر واللعب بالنار… هل يُدبَّر في الخفاء مخطط لإشعال فتيل الحرب مع المغرب؟.

من اعتقال 61 مغربيًا إلى التصعيد الإعلامي والعسكري… مؤشرات تثير الشكوك حول محاولة صناعة أزمة جديدة مع اقتراب الحسم الدبلوماسي لملف الصحراء المغربية

بقلم: بوشعيب حمراوي

لم يعد السؤال المطروح اليوم هو لماذا تعادي السلطات الجزائرية المغرب، ولا لماذا تواصل دعم جبهة البوليساريو، ولا حتى لماذا تصر على إبقاء الحدود مغلقة والعلاقات الدبلوماسية مقطوعة. فهذه كلها حلقات معروفة من خلاف سياسي امتد لعقود.

السؤال الأخطر اليوم هو: ما الذي يجري التحضير له في الجزائر بعيدًا عن الأضواء؟ وهل نحن أمام مقدمات مخطط تصعيدي يراد منه جر المغرب إلى مواجهة عسكرية أو أزمة أمنية كبرى، بعدما أصبحت المبادرة المغربية للحكم الذاتي في قلب المسار الأممي لتسوية نزاع الصحراء؟

إنني لا أطرح هذا السؤال من باب التهويل أو التحريض، بل لأن الوقائع المتلاحقة تفرض اليقظة. ولأن قراءة الأحداث منفصلة قد تخفي ما يمكن أن تكشفه قراءتها مجتمعة.

61 مغربيًا… لماذا الآن؟

 

مساء الأحد 11 أكتوبر 2026، أعلنت السلطات الأمنية الجزائرية توقيف 61 مواطنًا مغربيًا، متهمة إياهم بالتحضير لأعمال تخريبية تستهدف الأمن والنظام العام.
إنه اتهام بالغ الخطورة، ليس فقط بسبب العدد الكبير للموقوفين، ولكن أيضًا بسبب الصياغة التي استعملها البيان الأمني، وحديثه عن شبكة إجرامية دولية مغربية، ووجود عسكري سابق ضمن الموقوفين.
لكن أين الأدلة التي تبرر هذه الاتهامات؟..وقبل كل هذا هل هؤلاء الموقوفين فعلا مغاربة ؟ ..

لماذا لم يتم الإعلان عن طبيعة المنشآت المستهدفة؟ وأين المعدات التي كان يفترض استعمالها في التخريب؟ وما طبيعة المخطط المزعوم؟ ومن أصدر الأوامر؟ وما علاقة الدولة المغربية، إن كانت هناك علاقة أصلًا، بتصرفات هؤلاء الأشخاص؟..بل لماذا لا يتم الكشف عن هويات الموقوفين لنعرف هل هم مغاربة ؟ .. و هل هم فعلا. مذنبين ؟ اما مغاربة تم اختطافهم من قلب تونس واتهامهم بالباطل .. ، أم مغاربة تم اختطافهم من قلب تونس واتهامهم بالباطل، أو عمال مغاربة بسطاء عبروا الحدود بحثًا عن لقمة عيش تساعدهم على إعالة أسرهم الفقيرة، فجرى اختطافهم وإلصاق هذه الاتهامات بهم؟ فنحن لم نعد نثق، الآن، لا في النظام التونسي ولا في النظام الجزائري…

كل ما كشفه البلاغ، في حدود المعطيات المنشورة، هو حجز جوازات سفر مغربية ومبالغ مالية بالدرهم واليورو، والحديث عن دخول الموقوفين عبر الحدود التونسية.
فهل أصبح حمل جواز سفر مغربي، أو حيازة أموال، أو وجود عسكري سابق بين مجموعة من الأشخاص، دليلًا على التخطيط لأعمال تخريبية؟

إن خطورة الاتهامات تستوجب أدلة في مستوى خطورتها، لا مجرد بلاغ رسمي تتناقله وسائل الإعلام.
ولا أحد يطالب الجزائر بالتساهل مع جرائم حقيقية إن ثبت وقوعها، وإنما باحترام قرينة البراءة، وتوفير ضمانات المحاكمة العادلة، وعدم تحويل الجنسية المغربية إلى قرينة اتهام.

حين تجتمع السياسة والإعلام والأمن

ما يثير الريبة أن الإعلان الأمني لم يأت في فراغ سياسي.
فقد سبقته، خلال الأيام الأخيرة، تغطيات إعلامية جزائرية تتناول المغرب من زوايا تتكرر فيها مفردات التجسس والمخدرات والتهديد الأمني والاتهامات السياسية.
وفي العاشر من أكتوبر، أعادت الجزائر تأكيد شروطها السياسية لتسوية ملف الصحراء، وسط انتقادات متزايدة للمسار الدبلوماسي الذي يدفع باتجاه مناقشة الحكم الذاتي.
وفي اليوم نفسه، كان رئيس أركان الجيش الجزائري، السعيد شنقريحة، يقوم بزيارة تفتيش إلى الناحية العسكرية الثالثة، انطلاقًا من بشار، القريبة من الحدود المغربية.. وهي الزيارة الثانية خلال هذه السنة بعد زيارة ماي 2026.
صحيح أن الزيارات العسكرية لا تشكل، في حد ذاتها، دليلًا على التحضير للحرب، وأن الجزائر لها الحق في إدارة قواتها داخل أراضيها. لكن من حق المتابع أن يتساءل عن دلالات التوقيت، وعن الرسائل السياسية التي قد تحملها تحركات متزامنة مع تصاعد الخطاب الأمني.
وهنا أرى ملامح ما قد يكون مخططًا للتصعيد يجري إعداده بعيدًا عن الرأي العام، بينما تظهر بعض مقدماته في البلاغات والتصريحات والتغطيات الإعلامية.
إنها فرضية سياسية جادة تستحق التحقيق، وليست حقيقة مثبتة بوثيقة سرية أو دليل قاطع. والخطر أن تتحول الاتهامات المتراكمة إلى رواية رسمية تبرر لاحقًا اتخاذ إجراءات أكثر خطورة.

الصحراء المغربية… عندما تضيق الخيارات الدبلوماسية

من الصعب فصل هذه التطورات عن التحولات التي يشهدها ملف الصحراء المغربية.
لقد شكل قرار مجلس الأمن رقم 2797، الصادر في 31 أكتوبر 2025، تطورًا بالغ الأهمية للمغرب، بعدما جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسًا للمفاوضات الرامية إلى الوصول إلى حل سياسي متوافق عليه. والذي طبعا لن يكون خارج السيادة المغربية.
وبذلك انتقل النقاش الدبلوماسي إلى مرحلة جديدة، أصبح فيها المقترح المغربي يحتل موقعًا مركزيًا في الجهود الأممية.
صحيح أن التسوية النهائية لم تتحقق بعد، وأن المفاوضات ما زالت تواجه خلافات، لكن المغرب يتقدم دبلوماسيًا بمبادرة واضحة، بينما تجد الجزائر نفسها مطالبة بالتعامل مع مسار سياسي لا يتطابق مع الطرح الانفصالي الذي ظلت تدعمه لعقود.
ولعل السؤال الذي يتعين طرحه اليوم هو: هل تستطيع القيادة الجزائرية التكيف مع التحولات الدبلوماسية، أم أنها قد تلجأ إلى تصعيد التوتر من أجل تعطيل مسار التسوية أو التأثير فيه؟
إن الاستمرار في معارضة المقترح المغربي أمر سياسي معروف. أما محاولة نقل الخلاف من قاعات التفاوض إلى صناعة الأزمات الأمنية، إن ثبتت، فستكون مسألة مختلفة تمامًا.

هل يبحث البعض عن ذريعة لإشعال الحرب؟

الحروب لا تبدأ دائمًا بإعلان رسمي، ولا تبدأ بالضرورة باجتياح عسكري مباشر.
فبعض الأزمات العسكرية الكبرى سبقتها حملات اتهام، وبلاغات أمنية، وحوادث حدودية، وتعبئة للرأي العام، قبل أن تتطور إلى مواجهات يصعب احتواؤها.
ولهذا لا أستبعد أن تكون هناك داخل دوائر القرار الجزائري جهات تفكر في توظيف التوتر مع المغرب لتحقيق أهداف سياسية أو استراتيجية.

وما أخشاه هو أن تتحول قضية الموقوفين المغاربة المزعومين. إلى مقدمة لسلسلة اتهامات أخطر، قد تشمل توجيه المسؤولية مباشرة إلى الدولة المغربية، ثم تبرير إجراءات استثنائية تحت عنوان حماية الأمن القومي الجزائري.
حينها لن نكون أمام مجرد خلاف إعلامي، بل أمام أزمة مصطنعة أو متفاقمة قد تكون عواقبها مدمرة على البلدين.
والأخطر أن يحدث ذلك في الوقت الذي تتطلع فيه شعوب المنطقة إلى التنمية والتعاون والاستقرار، بدل العودة إلى منطق المواجهات العسكرية.

المغرب لا يريد الحرب و لن يُستدرج إليها

لقد اختار المغرب، في تدبير قضية وحدته الترابية، مسارًا قائمًا على المبادرة السياسية والعمل الدبلوماسي، مع التمسك بحقه في الدفاع عن أمنه وسيادته.
ولا يحتاج المغرب إلى افتعال مواجهة مع الجزائر حتى يدافع عن صحرائه. ولا يحتاج إلى تقديم ذرائع لمن يريدون تصويره دولة تهدد جيرانها.
إن قوته اليوم تكمن في وضوح موقفه، وفي بناء تحالفاته، وفي تطوير أقاليمه الجنوبية، وفي استمرار الدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي داخل المؤسسات الدولية.
وإذا كانت هناك بالفعل محاولة لاستدراجه نحو مواجهة غير محسوبة، فإن إفشالها يقتضي اليقظة والهدوء والحزم، وتوثيق كل اتهام، ومطالبة الجهات التي تطلقه بتقديم الأدلة.
كما أن المغرب مطالب بالدفاع عن الحقوق القانونية والإنسانية لمواطنيه الموقوفين، والمطالبة بتوضيح حقيقة ما نُسب إليهم، بعيدًا عن المزايدات السياسية.

الشعب الجزائري ليس عدوًا للمغرب

من الخطأ الكبير تحويل خلافات الأنظمة إلى عداوة بين الشعوب.
فالشعب الجزائري شقيق للشعب المغربي، تجمعهما روابط التاريخ والدين والجغرافيا واللغة والمصاهرة والكفاح المشترك ضد الاستعمار.
ولا مصلحة لأي مواطن مغربي أو جزائري في حرب تدمر ما بناه الآباء، وتستهلك ثروات الأجيال المقبلة، وتفتح المنطقة أمام تدخلات خارجية لن يدفع ثمنها سوى أبناء البلدين.
ولذلك فإن انتقاد سياسات القيادة الجزائرية لا ينبغي أن يتحول إلى إساءة إلى الجزائريين، كما أن الدفاع عن الوحدة الترابية المغربية لا يعني الدعوة إلى الحرب.

من وراء الستار… الحذر قبل فوات الأوان

إن تسلسل الاتهامات، والتشدد الدبلوماسي، والتوظيف الإعلامي للملفات الأمنية، كلها مؤشرات تستوجب التعامل بجدية مع احتمال وجود توجه منظم للتصعيد.
وقد يكون هدف هذا التوجه الضغط على المغرب دبلوماسيًا، أو التأثير في مناقشات مجلس الأمن، أو إعادة توجيه الاهتمام الداخلي الجزائري، أو خلق أزمة جديدة تغير طبيعة النقاش حول الصحراء.
غير أن الحذر لا يعني الصمت، كما أن رفض التهويل لا يعني تجاهل المخاطر.
فالخطر الحقيقي ليس فقط في احتمال وجود مخطط يجري التحضير له في الخفاء، بل في أن تنجح أي جهة متشددة في تحويل التوتر السياسي إلى واقع عسكري لا يستطيع أحد التحكم في نتائجه.
والمغرب، الذي يدافع عن صحرائه ووحدته الترابية، ليس مطالبًا بأن يخوض حربًا لإثبات حقوقه، وإنما بأن يواصل بناء عناصر قوته، وأن يحمي أمنه، وأن يمنع استدراجه إلى مواجهة تخدم خصوم الاستقرار.
وفي انتظار أن تكشف الأيام ما تخفيه الحسابات السياسية والعسكرية، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل نحن أمام محاولة جديدة للضغط على المغرب، أم أمام مقدمات أزمة أخطر يجري إعداد فصولها بعيدًا عن الأنظار؟
إن الأيام المقبلة، ولا سيما ما سيسبق قرار مجلس الأمن المنتظر بنهاية أكتوبر، ستمنحنا مؤشرات أوضح.
أما الثابت، فهو أن المغرب لا ينبغي أن يسمح بتحويل نجاحاته الدبلوماسية إلى مناسبة لاستدراجه نحو الحرب.
فالوطن الذي يعرف كيف يدافع عن أرضه، يعرف أيضًا كيف ينتصر بالحكمة، وكيف يحرم خصومه من الذرائع التي يبحثون عنها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى