ميساج

إعلام جزائري ينام ويستفيق على أخبار المغرب… فمن يدافع عن الجزائر والجزائريين؟

من تضخيم حكاية «الحزب الريفي» بإسبانيا إلى تجاهل أسئلة تندوف والقبائل وجماجم المقاومين وملايير دعم البوليساريو… متى يستعيد الإعلام الجزائري بوصلته المهنية والوطنية؟

إعلام جزائري ينام ويستفيق على أخبار المغرب… فمن يدافع عن الجزائر والجزائريين؟

من تضخيم حكاية «الحزب الريفي» بإسبانيا إلى تجاهل أسئلة تندوف والقبائل وجماجم المقاومين وملايير دعم البوليساريو… متى يستعيد الإعلام الجزائري بوصلته المهنية والوطنية؟

بقلم: بوشعيب حمراوي

يبدو أن بعض المنابر الإعلامية الجزائرية لم تعد تجد ما تملأ به صفحاتها ومواقعها وبرامجها التلفزيونية غير المغرب والمغاربة، وكأن الجزائر، بكل مساحتها الجغرافية الشاسعة وثرواتها الطبيعية والبشرية وتاريخها النضالي ومشاكلها الاقتصادية والاجتماعية وتحدياتها السياسية، قد استنفدت كل الأخبار والقضايا التي تستحق البحث والتحقيق والتحليل والمساءلة، ولم يعد أمام صحافييها سوى عبور الحدود نحو المغرب، بحثاً عن واقعة قابلة للتضخيم، أو تصريح قابل للتحوير، أو إشاعة يمكن تحويلها إلى خبر عاجل، أو حكاية هامشية يمكن تقديمها باعتبارها زلزالاً سياسياً يهدد استقرار المملكة المغربية ووحدتها الترابية.

والغريب أن جزءاً من هذا الإعلام لم يعد يكتفي بترويج الأخبار المشكوك في صحتها، بل أصبح يمارس نوعاً من الصناعة الإعلامية القائمة على انتقاء الوقائع، وإعادة تركيبها، ثم تحميلها دلالات سياسية لا تحتملها، قبل تقديمها إلى الجمهور في صورة انتصارات دبلوماسية جزائرية أو هزائم مغربية، وكأن وظيفة الصحافة لم تعد البحث عن الحقيقة، وإنما البحث عما يمكن أن يزعج المغرب، حتى وإن كانت الحقيقة أول ضحايا هذه العملية.

آخر نماذج هذا العبث ما نشرته صحيفة «الشروق» الجزائرية، يوم السابع من أكتوبر 2026، بعنوان يفيد بأن مدريد اعترفت رسمياً بما يسمى «الحزب الريفي»، مع التساؤل عن الرسالة الموجهة إلى المغرب، وكأن الحكومة الإسبانية أعلنت انقلاباً في علاقاتها مع المملكة، وقررت تبني مشروع انفصالي فوق أراضيها، بينما يتبين عند تفكيك الخبر أن مصدره الأساسي تصريح لرئيس تنظيم سياسي يتحدث عن تسجيل فرعه بإسبانيا، دون تقديم دليل على اعتراف الحكومة الإسبانية بمشروع انفصال الريف.

وهنا يظهر الفرق الكبير بين الصحافة التي تبحث عن الحقيقة والصحافة التي تبحث عن الإثارة؛ فالتسجيل الإداري لتنظيم، إذا ثبت بالفعل، لا يعني اعتراف الدولة التي تم التسجيل فوق ترابها بمطالبه، ولا يمثل تبنياً حكومياً لأهدافه السياسية، وإلا لكانت دول أوروبية كثيرة قد اعترفت بعشرات المشاريع الانفصالية لمجرد وجود جمعيات أو تنظيمات تدافع عنها فوق أراضيها.

لكن لماذا كل هذا الاحتفاء الجزائري بحكاية تنظيم ريفي محدود الحضور والتأثير؟ ولماذا هذا الإصرار على تقديم مجرد تصريح تنظيمي باعتباره انتصاراً سياسياً على المغرب؟ وهل أصبح الحلم بإضعاف المغرب أهم عند بعض المنابر الإعلامية الجزائرية من واجب إخبار الجزائريين بما يجري داخل بلدهم؟

القبائل في باريس… فلماذا لا تُطبَّق القاعدة نفسها؟

إذا كان تسجيل تنظيم انفصالي مفترض بإسبانيا يستحق، في نظر «الشروق»، كل هذا الاحتفاء والتحليل والتهويل، فلماذا لا تعتمد الجريدة نفسها المعايير ذاتها عند الحديث عن حركة تقرير مصير القبائل، المعروفة اختصاراً بـ«الماك»، والتي يتزعمها فرحات مهني، وتوجد قياداتها ونشاطاتها السياسية في فرنسا؟

ففي الرابع عشر من دجنبر 2025، أعلنت الحركة من العاصمة الفرنسية باريس استقلال منطقة القبائل عن الجزائر خلال مراسم سياسية علنية، وهو إعلان أحادي لا يمنح الحركة اعترافاً دولياً ولا يغير الوضع القانوني للمنطقة، لكنه واقعة تستحق التغطية الإعلامية والتحليل، خصوصاً عندما نقارنها بتسجيل إداري مزعوم لتنظيم آخر بإسبانيا.

فلماذا يصبح مجرد تسجيل تنظيم ريفي في إسبانيا، إن ثبت، اعترافاً سياسياً خطيراً، بينما لا يعني احتضان باريس لنشاط تنظيمي قبائلي إعلان فرنسا تأييدها لانفصال القبائل؟ ولماذا لا يشرح الإعلام الجزائري لجمهوره أن القانون الأوروبي قد يسمح بممارسة أنشطة سياسية لا تتبناها الحكومات؟

لسنا هنا بصدد الدعوة إلى تقسيم الجزائر، ولا نتمنى للشعب الجزائري إلا الوحدة والاستقرار والازدهار، وإنما نطالب باحترام قاعدة بسيطة: ما تعتبرونه حقائق قانونية في الجزائر يجب ألا يتحول إلى أكاذيب سياسية عندما يتعلق الأمر بالمغرب.

جماجم المقاومين… قضية تستحق أن تكون في صدارة الأخبار

وبينما تُستهلك ساعات طويلة في تحليل أخبار المغرب، يبقى ملف جماجم المقاومين الجزائريين ورفاتهم المحفوظة في المجموعات المتحفية الفرنسية واحداً من أكثر الملفات التاريخية استحقاقاً للمتابعة والمساءلة.

لقد استعادت الجزائر في يوليوز 2020 أربعاً وعشرين جمجمة من فرنسا، غير أن ملف البقايا البشرية الأخرى لم يُغلق، وظلت أسئلة الاسترجاع النهائي والتوثيق التاريخي والكرامة الإنسانية مطروحة، بل إن مجلس الشيوخ الفرنسي ناقش الموضوع في دجنبر 2025، وأكدت الحكومة الفرنسية حينها أنها لم تتلق طلباً جزائرياً رسمياً جديداً منذ صدور قانون الاسترجاع الفرنسي لسنة 2023.

وهنا نسأل: أليس من واجب الإعلام الجزائري متابعة هذا الملف باستمرار، والبحث في العراقيل القانونية والدبلوماسية التي تحول دون استكمال الاسترجاع، ومساءلة المسؤولين عن خطواتهم الفعلية، بدل الاكتفاء باستحضار بطولات المقاومة الجزائرية في المناسبات والخطب الرسمية؟.

والإنصاف يقتضي الاعتراف بأن منابر جزائرية تناولت قضية الجماجم بالفعل، لكن المطلوب ليس مجرد نشر خبر عابر، وإنما متابعة مستمرة تضع المسؤولين أمام مسؤولياتهم، وتنتصر لكرامة المقاومين الجزائريين الذين يستحقون أن يكونوا في صدارة الاهتمام الوطني.

حتى النشيد الوطني يحتاج إلى تحقيق إعلامي جاد

ومن الملفات التي عرفت بدورها نقاشاً حول حقوق الملكية الفكرية، قضية النشيد الوطني الجزائري «قسماً»، الذي كتب كلماته مفدي زكرياء ولحنه الموسيقار المصري محمد فوزي، وسُجل المصنف لدى مؤسسة حقوق المؤلفين والملحنين الفرنسية SACEM، قبل أن تتطور الأوضاع القانونية والمؤسساتية المتعلقة بحماية المصنفات الفنية في الجزائر.

لماذا لا يبحث الاعلام الجزائري في موضوع دفع الجزائر رسوماً مالية كلما عُزف نشيدها الوطني رسمياً. هل هو ادعاء ام حقيقة .
وهذا بالضبط هو جوهر العمل الصحفي الذي نطالب به؛ أن تفتح المنابر ملفات الحقوق والتاريخ والاتفاقيات، وأن تبحث عن الوثائق وتكشف الحقيقة للجزائريين، لا أن تغمض العين على القضايا الوطنية. و تستبدلها بنشر الإشاعة على دولة ذات سيادة. تترك القضايا الجدية معلقة دون مساءلة.

تندوف… التاريخ الذي يستحق فتح أرشيفه

ومن المفارقات الكبرى أن الإعلام الجزائري الذي يبحث عن أصغر التفاصيل المتعلقة بتاريخ المغرب وجغرافيته يتعامل بقدر كبير من الانتقائية مع تاريخ المناطق الحدودية الجزائرية المغربية، ويدعم طول النظام الجزائري في تزوير الحقائق وإلهاء الشعب الجزائري .. وتكوين اجيال برصيد تاريخي وسياسي كله مغالطات. ماذا يجري في تندوف المغربية ، التي ارتبطت تاريخياً بالخلاف الحدودي الذي خلفه الاستعمار الفرنسي، قبل إبرام اتفاقية ترسيم الحدود سنة 1972 والتصديق المغربي عليها سنة 1989. رغم ان الاتفاقية لم تطبق بالكامل. بعد أن رفض النظام الحزائري تطبيق بند الشراكة المغربية الجزائرية المغربية في استخراج حديد غار جبيلات .

ومن حق المؤرخين والصحافيين والباحثين العودة إلى الوثائق الاستعمارية والمراسلات والمفاوضات التي رافقت رسم الحدود، وتحليل السياقات التي أنتجت الخلاف المغربي الجزائري، دون إنكار الاتفاقيات القائمة أو تحويل البحث التاريخي إلى مطالب سياسية غير موثقة.

لكن السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم يتعلق بتحويل منطقة تندوف إلى مقر دائم لقيادة البوليساريو ومخيماتها، وإلى مركز لانطلاق أنشطة سياسية ودبلوماسية تستهدف الوحدة الترابية المغربية.
فلماذا لا يفتح الإعلام الجزائري نقاشاً وطنياً حقيقياً حول كلفة احتضان هذا التنظيم لمدة زادت الان ان نصف قرن ؟.. وما جدوى استمرار الصراع، وتأثيره على مصالح الجزائريين والمغاربة معاً، وعلى مستقبل التكامل الاقتصادي والأمني في المنطقة المغاربية؟

أموال الجزائريين… كم تنفق الجزائر على البوليساريو؟

هنا نصل إلى السؤال الأكثر إحراجاً، والذي لا ينبغي لأي صحافة تدعي الاستقلالية والمسؤولية الوطنية أن تتهرب منه: كم كلف دعم البوليساريو الخزينة الجزائرية خلال العقود الخمسة الأخيرة؟
فنحن أمام دعم سياسي ودبلوماسي وعسكري ولوجستي تاريخي معلن، وأمام تنظيم له قيادة وممثليات خارجية وتنقلات وأنشطة ومؤتمرات وحملات اتصال دولية، بينما يغيب عن النقاش العمومي حساب مالي دقيق يوضح للجزائريين ما تتحمله ميزانية دولتهم بصورة مباشرة وغير مباشرة. ولماذا هذا التبدير المالي ؟.. وما هو المقابل لصالح الشعب الجزائري وحتى الصالح العام ؟.

من يمول تحركات قيادات البوليساريو؟ وما طبيعة الاعتمادات المخصصة لدعمها؟ وكم تنفق الجهات الرسمية على نشاطها الدبلوماسي؟ وهل توجد عقود ضغط واتصال مع مؤسسات وشخصيات دولية؟ وما حجم الإنفاق العسكري الذي يمكن ربطه مباشرة بهذا الملف؟ وهل تخضع هذه النفقات لأي مراقبة برلمانية أو محاسباتية منشورة؟

إنها أسئلة مشروعة لا تحتاج إلى اختلاق أرقام أو اتهام أشخاص بشراء الذمم دون أدلة، بل تحتاج إلى وثائق مالية وتحقيقات استقصائية، لأن الاتهامات وحدها لا تكشف الحقيقة، ولأن المال العام ملك للشعب، وليس ملكاً لمن يتولى تدبيره.

وللتذكير بحجم الأولويات المطروحة، فقد قدرت الميزانية الدفاعية الجزائرية لسنة 2026 بنحو 24.5 مليار دولار وفق المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، وهو رقم لا يجوز الخلط بينه وبين كلفة دعم البوليساريو، لكنه يطرح سؤالاً مشروعاً عن شفافية الإنفاق العسكري والخيارات الاستراتيجية، وعلاقة ذلك بالحاجات الاقتصادية والاجتماعية للجزائريين.
وبدل الانشغال اليومي بما إذا كان تصريح صادر في مدريد سيغضب الرباط، لماذا لا تخصص المنابر الجزائرية تحقيقات واسعة حول تكلفة الخيارات السياسية الخارجية، ومدى انعكاسها على فرص الشغل والسكن والصحة والتعليم وتحسين القدرة الشرائية؟

عندما تجف الأقلام أمام المسؤول وتفيض بالحبر ضد الجار

إن أخطر ما يمكن أن يصيب الصحافة ليس قلة المعلومات ولا ضعف الإمكانيات، وإنما فقدان الاستقلالية وتحول المؤسسة الإعلامية إلى جهاز يلاحق الخصوم الخارجيين، بينما يتردد في مساءلة أصحاب القرار داخل البلاد.

لا أحد يعترض على حق الإعلام الجزائري في متابعة الشأن المغربي، بل من الطبيعي أن تهتم وسائل الإعلام بما يجري في البلدان المجاورة، ومن الطبيعي كذلك أن تختلف القراءات والمواقف بشأن الملفات السياسية والدبلوماسية، لكن غير الطبيعي أن يتحول ذلك الاهتمام إلى هوس يومي، وأن تختفي قواعد التحقق والتوازن والدقة بمجرد ورود اسم المغرب.

كما لا يمكن إنكار وجود صحافيين جزائريين مهنيين وأصوات مستقلة تحاول أداء رسالتها في ظروف صعبة، ولذلك فإن المسؤولية ليست جماعية، ولا ينبغي أن يتحول نقد إعلام موجَّه أو منحاز إلى إساءة إلى مهنة الصحافة الجزائرية كلها.

فالشعب الجزائري الشقيق لا يحتاج إلى صحافة تخبره كل صباح بأن المغرب يواجه أزمة جديدة، وإنما يحتاج إلى إعلام يخبره بالحقيقة عن أوضاع بلده، ويراقب المال العام، ويحمي مصالح المواطنين، ويدافع عن حقوقهم، ويكشف أوجه الخلل والفساد وسوء التدبير متى توفرت الأدلة.

وإذا كان بعض الإعلاميين الجزائريين يعتقدون أن الدفاع عن الجزائر يمر عبر الإساءة المستمرة إلى المغرب، فإنهم يخلطون بين الوطنية والخصومة، وبين الدفاع عن المصالح العليا للدولة وتبرير كل اختيارات السلطة، وبين الصحافة والدعاية.

فالمغرب لا يبني قوته على ضعف الجزائر، ولا يحتاج إلى تقسيمها حتى يحافظ على وحدته، والشعبان المغربي والجزائري تجمعهما روابط التاريخ والجغرافيا والأسرة والثقافة والمصير المشترك، وهي روابط أعمق من كل الحملات الإعلامية العابرة.

ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح على بعض المنابر الجزائرية ليس لماذا تكتبون عن المغرب، وإنما لماذا تكتبون عنه بهذه الكثافة، وبهذا القدر من التحوير والتضخيم والكذب .. بينما تنتظر ملفات جزائرية مصيرية من يفتحها بجرأة ومسؤولية دون جدوى ؟

إن الإعلام الذي يقضي وقته في البحث عن أزمات الجيران، وينسى مساءلة من يحكمون بلاده، لا يخدم وطنه كما يتصور، بل يحرمه من واحدة من أهم أدوات الإصلاح والتقدم.
فالصحافة الوطنية الحقيقية ليست تلك التي تعرف كل شيء عن الجار وتصمت عما يجري داخل البيت، وإنما تلك التي تملك الشجاعة لتقول الحقيقة للجميع، وفي مقدمتهم أصحاب السلطة والقرار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى