ميساج… بُنَيَّ… بُنَيَّتي…لا تُسلِّما مفاتيح الغد لأحد وصية إلى كل مقبل ومقبلة على مرحلة الشباب

ميساج… بُنَيَّ… بُنَيَّتي…
لا تُسلِّما مفاتيح الغد لأحد
وصية إلى كل مقبل ومقبلة على مرحلة الشباب
بقلم: بوشعيب حمراوي
بُنَيَّ… بُنَيَّتي…
تعاليا،
لا لأضعَ فوق أكتافكما
ما عجز جيلي عن حمله،
ولا لأحبسَ خطواتكما
في حذاء الزمن الذي مضى.
تعاليا لأمنحكما من عمري
مصباحًا، لا قيدًا؛
وسؤالًا، لا أمرًا؛
ووصيةً تقبل النقاش،
لأنني لا أريدكما نسختين مني.
أنا ابنُ ضوء الشموع،
وابنُ «اللامبا» بفتيلتها و«الگاز»،
وابنُ الكانون والمجمر،
وابنُ الطنجرة التي كانت تجمعنا
حول دفء القليل،
فنقتسم ما في القِدر،
ونترك للحكايات ما يسد جوع الروح.
أنا ابنُ أمٍّ تنفخ في الجمر
لتوقظ النارَ ولا توقظَ الصغار،
وابنُ أبٍ يُخبِّئ التعبَ
كي لا ينام الحلم جائعًا.
لم يكن في البيت كلُّ ما نشتهي،
لكنّ قطعة الخبز
كانت تتَّسع، حين نتقاسمها.
وكنتُ أعرفُ صوتَ الريح من شقوق النافذة،
وصوتَ المطرِ على السقف،
وصوتَ أمي وهي تقول: غدًا خير.
لم يكن الفقرُ فضيلةً نتمناها،
ولا الشقاءُ مدرسةً نمدح قسوتها؛
ولكنَّنا تعلَّمنا ألَّا نتركَ أحدًا
وحيدًا أمام العوز.
كنا نبحث عن الضوء كي نقرأ،
وأنتم تحملونه في الجيوب؛
كنا ننتظر رسالةً أيامًا،
وأنتم تعبرون القارات بلمسة؛
كنا نفتِّش عن المعلومة،
وأنتم تفتِّشون عن الحقيقة.
في بحرٍ من المعلومات.
فلا تقولا: كان زمنكم أجمل،
ولا أقول: ضاع زمانكم.
لكل جيلٍ عتمتُه،
ولكل جيلٍ شعلتُه.
خذَا من زمننا الصبر،
ومن زمنكما الجُرأة،
ومن الكانون دفءَ القلب،
ومن الشاشةِ سعةَ الأفق؛
فما نفع أن نضيء العالم
إذا انطفأ النور فينا؟
—
بُنَيَّ… بُنَيَّتي…
ستخلع الطفولة حذاءها عند الباب،
وستدفعكما الحياة إلى الشارع الكبير.
لا تركضا خلف أول صوت يقول: اتبعاني،
ولا تُبطئا خوفًا من حجر.
إن سقطتما، فلا تُقيما في السقوط؛
وإن سبَقَكما أحد،
فليس العمر سباقَ خيل.
لا تجعلا من الفشل اسمًا لكما،
ولا من مديح الناس مرآتكما الوحيدة.
لا تظنَّا أنَّ اليومَ الذي لم تُنجزا فيه شيئًا
يومٌ بلا قيمة؛
قد يكونُ يومَ شفاءٍ،
أو مُصالحةٍ مع النفس،
أو اكتشافِ حلمٍ تأخَّر في الكلام.
اختارا دربكما،
واسمحا للعقل أن يُغيِّر وجهته
حين يتضح أن الدرب خطأ.
تعلَّما،
ليس فقط كي تنجحا في الامتحان،
بل كي لا يمتحنَ أحدٌ جهلكما فيستغلَّه.
أحبَّا الرياضياتِ لصدق البرهان،
والتاريخَ كي لا تُسرق الذاكرة،
والعلومَ كي لا تُباع الخرافة دواءً،
والشعرَ كي لا يجفَّ القلب.
احملا العربية والأمازيغية
وسائر روافد المغرب باعتزاز،
وتعلَّما لغات الآخرين
من غير أن تخجلا من لغة البيت.
ولا تحتقرا حرفةً أو يدًا خشنةً؛
فالذي يُصلح آلة
قد ينقذ مدينةً من التوقف.
ولا تسرقا نقطةً بالغش؛
فالشهادة التي تُخفي فراغًا
بابٌ من ورق.
لا تشتريا بحثًا باسمكما،
ولا تستعيرا عقلَ غيركما لتنجحا؛
فالخطأُ الذي تفهمانه
أنفعُ من جوابٍ صحيحٍ سُرق.
وعندما تصبحُ المعرفةُ مسؤولية،
لا تنسيا فضلَ معلِّمٍ
فتحَ لكما أولَ نافذة.
—
بُنَيَّ… بُنَيَّتي…
لا تُسلِّما عقليكما للهاتف،
ولا وجهيكما لميزان الإعجابات.
ليس كل مشهور قدوة،
ولا كل صاخبٍ صادقًا،
ولا كل ابتسامةٍ منشورةٍ سعادة.
قد يُفبرَك وجه، ويُستنسخ صوت،
وقد تُسافر الكذبة في ثانية
ولا يعود الاعتذار إلا مُتأخرًا.
تحقَّقا، قبل أن تنشرا؛
فكرامة الناس ليست لعبةَ تعليق.
واستخدما الذكاء الاصطناعي
نافذةً للعلم، لا عقلًا بالإيجار.
احميا أسراركما وصوركما،
ولا تمنحا غريبًا مفاتيح خصوصيتكما.
وإن ابتزَّكما أحدٌ،
فلا تدفعا ثمن الجريمة صمتًا؛
اطلبا العون، فالعار على المعتدي.
وأطفئا الشاشة أحيانًا،
كي تسمعا إنسانًا يجلس قربكما.
ولا تخلطا بين مَن يعرف أخباركما
ومَن يعرفُ خوفكما.
في الشبكةِ آلافُ الوجوه،
لكنَّ الصديقَ الحقيقي
من يطرقُ الباب
إذا اختفى ضوءُكما عن الجميع.
ولا تجرحا إنسانًا بكلمةٍ خلف شاشة
لمجرد أنكما لا ترَيان وجهَه حين يتألَّم.
—
بُنَيَّ… بُنَيَّتي…
إياكما وتاجرًا يبيعُ النسيان
في حبَّةٍ أو دخان،
ويُسمِّي الإدمان تجربة.
لا للمخدرات التي تسلب الإرادة،
لا للقمار الذي يبيع الفقرَ حلمَ ثراء،
لا لمراهنةٍ تُحوِّل مباراةً
إلى بابٍ للديون والندم.
ناما ما يكفي، تحرَّكا، واعتنيا بصحتكما؛
فالجسد بيتٌ لا نملك غيره.
ولا تجعلا المدرَّج حربًا،
ولا الطريق مضمارَ استعراض؛
قد تُطفئ ثانيةُ تهوُّر
قناديلَ بيتٍ بأكمله.
لا تمنحا ثقتكما لمَن يبيعُ وصفةَ جمالٍ سحرية،
ولا تتجاهلا إشارةَ تعب،
ولا تُقارنا أجسادكما بصورٍ مُعدَّلة؛
فالصحَّةُ حياةٌ نعيشُها،
لا مظهرٌ نعرضُه على الغرباء.
—
بُنَيَّ… بُنَيَّتي…
إذا استوطن الحزن صدريكما،
فلا تتظاهرا بفرحٍ مستعار.
البكاء ليس هزيمة،
والعلاج النفسي ليس عارًا،
وطلب المساعدة شجاعة.
لا تسخرا من شكلٍ أو لهجة،
ولا من فقرٍ أو إعاقة؛
فالعبارة الجارحة
قد تظل في صدر صاحبها
بعد أن ينساها قائلها.
لا تُفسِّرا صمتَ زميلٍ بأنَّه كبرياء،
فقد يجرُّ وحدَه قلقًا
لا يعرفُ كيف يسمِّيه.
وإذا حدَّثكما أحدٌ عن رغبته في الاختفاء،
فخذا كلامَه بجديَّة،
وأوصلاه إلى عونٍ موثوق؛
فالحياةُ أثمنُ من أن يُستهانَ بوجعها.
كونا كتفًا لمن يتعب،
لا كاميرا تُصوِّر انهياره.
وتذكَّرا: لا تُظهِر الشاشات
كلَّ ما تُخفيه البيوت من حزن.
—
بُنَيَّ… بُنَيَّتي…
أحبَّا،
ولكن لا تتعلَّما الحبَّ من قاموس السيطرة.
الحب ليس تفتيش هاتف،
ولا تهديدًا بصورة،
ولا حقًّا في جسدٍ بغير رضا.
بُنَيَّ، لا تجعل رجولتك خوفَ امرأة.
بُنَيَّتي، لا تجعلي صورتك حدَّ قيمتك؛
أنتِ عقلٌ وموقفٌ ومصير.
وإن افترق قلبان،
فليتركا خلفهما ذكرى لا فضيحة،
واحترامًا لا انتقامًا.
ومن اختارَ ألَّا يدخلَ علاقةً
فلا تسخرا من خيارِه،
ولا تحوِّلا الزواجَ إلى سباقٍ
يُقاسُ فيه النضجُ بموعدِ العرس.
فالمحبَّةُ قرارُ أحرار،
وليست سباقًا لإرضاءِ الأقارب.
ولا تسمحا للعنف أن يلبس قناع الغيرة،
أو أن تصبحَ المحبة سجنًا باسم الحماية.
—
بُنَيَّ… بُنَيَّتي…
عودا إلى البيت بأذنٍ تسمع،
لا بلسانٍ يُحاكم.
احترما الوالدين،
واسمعا من الجدّات حكاية المكان،
لكن لا تُسمِّيا الإهانة تربية،
ولا الصمتَ عن الأذى برًّا.
تقاسما الخبز والعمل والمسؤولية؛
فالمطبخ لا ينقص الرجولة،
والطموح لا ينتقص من الأنوثة.
واختارا صديقًا يُعيدكما إلى الصواب
إذا دفعتكما الجماعة نحو الهاوية؛
صديقًا يحفظ السرَّ ولا يشتري به سلطانًا.
ولا تتفرَّجا على عنفٍ في شارعٍ أو مدرسة،
بل اطلبا التدخُّلَ الآمنَ من أهلِ القدرة.
احميا الأطفال من الاستغلال،
واحترما الكبيرَ حين يضعف،
ولا تتركا المرأةَ وحدَها
أمامَ ذريعةٍ تُسمِّي العنفَ حقًّا.
فالبيتُ الذي يخافُ فيه أحدُ أهله
يحتاجُ إلى أمانٍ لا إلى ستائر.
—
بُنَيَّ… بُنَيَّتي…
قد تُقابل شهادتَكما أبوابٌ موصدة،
وقد يتقدَّم صاحبُ وساطة
على صاحبِ كفاءة.
لا تُصدِّقا أن الفقير كسول،
أو أن العاطلَ بلا قيمة؛
فابنةُ الجبلِ التي تمشي إلى المدرسة
لا تبدأ من خطِّ انطلاق
ابنِ المدينة الميسور.
طالبا بمدرسةٍ عادلة،
وعلاجٍ يصون الكرامة،
وعملٍ وسكنٍ وفرصٍ لا تُباع.
وفي الوقت نفسه، تعلَّما مهارة،
واطرقا الأبواب، وابتكرا بابًا؛
لا تتركا الانتظار يأكل الشباب.
واحذرا الرشوة والقروض للمظاهر
وتجَّار الوظائف والأرباح الخيالية؛
فالمال وسيلةُ عيشٍ
لا مقياسُ إنسان.
لا تستدينا لتصنعا من مظهركما
حياةً لم تعيشاها،
ولا تُخفيا الفاقةَ بترفٍ مستعار.
تعلَّما الادِّخار،
والتخطيطَ لما يدخلُ وما يخرج،
وارفضا عملًا يستغلُّ حاجتكما
أو يُصادِرُ حقكما في الأجرِ والراحة.
فالاستقلالُ ليس راتبًا فحسب،
بل قدرةٌ على قولِ لا.
—
بُنَيَّ… بُنَيَّتي…
ولا تقولا: السياسة للكبار.
فالطريقُ إلى المدرسة سياسة،
وحافلةُ القرية سياسة،
والماءُ في الحنفية سياسة.
شاركا في جمعيةٍ، واسألا منتخبًا،
واقرآ البرامج قبل الصور.
لا تبيعا صوتًا في صندوق الاقتراع،
ولا تُعيرا غضبكما لمُحرِّض،
ولا تسمحا لأحدٍ أن يُجنِّدكما
للعنف أو للتطرف أو للكراهية.
احتجَّا بسِلم، واختلفا باحترام؛
ليس حب الوطن تصفيقًا دائمًا،
ولا الإصلاح شتيمةً دائمة.
ارفضا استغلال الأطفال في الدعاية،
واحميا الحقَّ في السؤال
مهما اشتدَّ صخب المنابر.
والجمعيةُ ليست صورةً جماعية،
ولا التطوُّعُ سلَّمًا للمناصب؛
إنَّه أن تسمعا حيًّا منسيًّا،
وتُعيدا إلى ساحةٍ مهملةٍ صوتَ الأطفال.
لا تُقدِّسا زعيمًا،
ولا تَخُونا مُخالفًا،
ولا ترضيا أن تتحوَّلَ القضايا الكبرى
إلى خصوماتٍ بين الأسماء.
—
بُنَيَّ… بُنَيَّتي…
أحبَّا المغرب كما يُحَبُّ البيت:
لا ننكر شرخَ الجدار،
ولا نتركه للانهيار.
أحبَّا الريفَ والأطلس،
والواحاتِ والسواحل،
والصحراءَ المغربية،
والمدنَ التي تضيء،
والقرى التي تنتظر الضوء.
هذا وطنٌ تعدَّدت ألسنتُه وروافدُه،
وتتَّسع ذاكرتُه لكل المغاربة
ولمن اختلف واختار أن يعيش بسلام.
لا تحتكرا الوطنية،
ولا تقبلا أن يحتكرها أحد؛
فالعَلَمُ أعلى من المصالح،
والانتماء أصدقُ حين يحمي الإنسان.
أيُّ وطنٍ نحب
إذا تركنا طفلًا بلا مدرسة،
ومريضًا بلا علاج،
وشابًّا بلا أفق؟
—
بُنَيَّ… بُنَيَّتي…
وإن راودتكما الهجرة،
فلا تُسمِّيا الرحيل خيانة،
ولا البقاء فشلًا؛
لكن لا تسلِّما حلمكما لقاربِ موت،
ولا ثقةَ أهلكما لتاجرِ بشر.
ابحثا عن بابٍ آمن،
وكونا مغربيَّين بكرامتكما
أينما أخذتكما الحياة.
وإن بقيتما هنا، فلا تنظرا إلى رحيلِ غيركما
كما لو أنَّه حكمٌ بالفشل عليكما.
قد يُثمرُ المرءُ حيثُ وُلد،
وقد يحتاجُ إلى أرضٍ أخرى؛
المهمُّ ألَّا يضيعَ الإنسانُ
وهو يبحثُ عن مكان.
وحين ترَيان طفلًا تحت الركام،
لا تسألا أولًا عن هويته وماهيته
كونا مع المظلوم،
وضدَّ الحرب والعنصرية والإرهاب،
ولا تدعا الكراهية تُفسد عدالةَ القضية.
واحفظا قطرةَ الماء،
وشجرةَ الغابة، وزُرقةَ البحر؛
فالطبيعة ليست متاعَ جيلٍ واحد،
والبيئة مسؤوليةُ الناس والمؤسسات.
واجعلا الإيمانَ رحمةً وأمانة،
لا وسيلةً للحكم على الضمائر،
فما قيمةُ عبادةٍ
إذا لم تمنع ظلمَ الضعيف؟
—
بُنَيَّ… بُنَيَّتي…
لا أريدكما صورتين من جيلي؛
أريدكما أن تُصلحا ما أفسدناه،
وتُكملا ما بدأناه،
وتفرحا بما لم نتعلَّم أن نفرح به.
اقرآ شعرًا، اضحكا، سافرا إن استطعتما،
واستريحا من سباق الإنجاز؛
انظرا أحيانًا إلى السماء،
وأنصتا إلى صوتِ البحر،
وامشيا بلا موعدٍ إلى من تُحبَّان.
فللضحكِ حقُّه،
وللفرحِ شرفُه،
وللوقتِ الذي نقضيه مع الأحبَّة
قيمةٌ لا تُدوَّن في سيرةٍ مهنية؛
فالروح ليست آلةً للإنتاج.
وإن أخطأتما، اعتذرا؛
وإن نجحتما، لا تتكبَّرا؛
وإن صرتما يومًا مسؤولَين،
فتذكَّرا وجوهَ من وقفوا خلف الأبواب.
—
وإذا سألكما الزمنُ ذات يوم:
ماذا صنعتما بشبابكما؟
فلا تَعُدَّا الصورَ أو الأرصدة،
بل قولا:
مسحنا دمعة،
ووقفنا في وجه ظلم،
ورفضنا رشوة،
وزرعنا شجرة،
وفتحنا للآتين نافذة.
لم نكن ملائكة؛
تعثَّرنا وقمنا،
لكنَّنا لم نبع الضمير.
—
بُنَيَّ… بُنَيَّتي…
هذه وصيتي:
لا تُسلِّما مفاتيح الغد لأحد؛
لا لتاجرِ خوف،
ولا لصانعِ أوهام،
ولا لمن يريدُ منكما
ظلَّين في موكبِه.
احملا من زمن الكانون دفءَه،
ومن زمن الآلة علمَه،
واجعلا من الحرية مسؤولية،
ومن الاختلاف رحمة،
ومن الوطن عملًا لا شعارًا.
وإذا سألكما المغرب: مَن أنتما؟
فقولا:
نحنُ أبناؤك وبناتُك،
لم نأتِ لننتظر المستقبل؛
جئنا لنصنعه،
ونتركَ الدربَ بعدنا
أقلَّ ظلمة،
وأكثرَ اتساعًا للإنسان.
فأنا ابنُ ضوء الشموع…
وأنتما، إن صنتما العقلَ والقلبَ والضمير،
ضوءُ الغد الدائم والدافئ



