ميساج

بوجدور… المحبة تسبق موعد اللقاء

من العيون التي سكنت القلب والروح إلى بوجدور التي ينتظرها الشوق… منارة على الأطلسي، وذاكرة في قلب الصحراء المغربية، وأهل يفتحون القلوب قبل الأبواب… رسالة محبة واعتزاز بمناسبة النسخة الرابعة من الملتقى الدولي لإعلاميي شمال إفريقيا والشرق الأوسط.

بوجدور… المحبة تسبق موعد اللقاء

من العيون التي سكنت القلب والروح إلى بوجدور التي ينتظرها الشوق… منارة على الأطلسي، وذاكرة في قلب الصحراء المغربية، وأهل يفتحون القلوب قبل الأبواب… رسالة محبة واعتزاز بمناسبة النسخة الرابعة من الملتقى الدولي لإعلاميي شمال إفريقيا والشرق الأوسط.

بقلم: بوشعيب حمراوي

إلى بوجدور الحبيبة..

إلى مدينة لم تطأ قدماي أرضها بعد، لكن أخبار أهلها وطيب معشرهم وصدق مشاعرهم سبقت إليّ، حتى صار الشوق إلى زيارتها أكبر من مجرد الرغبة في اكتشاف مدينة جديدة.

إلى أهلنا في بوجدور، رجالاً ونساءً، شباباً وشيوخاً، أبعث هذه الرسالة محملة بالمحبة والتقدير والاعتزاز، وأنا أستعد للتشرف بزيارتكم والمشاركة في النسخة الرابعة من الملتقى الدولي لإعلاميي شمال إفريقيا والشرق الأوسط.

ولأن زيارتي المرتقبة ليست مجرد موعد إعلامي، فقد وجدت نفسي أبحث في تاريخ مدينتكم، وأستكشف مؤهلاتها، وأقرأ عن موروثها الثقافي، وعن رجالها ونسائها، وعن تلك القيم الإنسانية النبيلة التي جعلت من الصحراء المغربية أرضاً للأصالة والوفاء والكرم.

العيون… مدينة زرتها مرة وسكنتني إلى الأبد

قبل الحديث عن بوجدور، لا بد أن أستحضر تجربة إنسانية ومهنية عزيزة على نفسي، عشتها السنة الماضية، 2025، عندما تشرفت بزيارة مدينة العيون والمشاركة في النسخة الثالثة من هذا الملتقى الإعلامي الكبير.

لم تكن مشاركتي مجرد حضور في تظاهرة مهنية، ولا كانت زيارتي مجرد رحلة إلى مدينة من مدن وطننا العزيز، بل كانت تجربة استثنائية، اكتشفت خلالها وجهاً مشرقاً من وجوه الصحراء المغربية، ووقفت عن قرب على غنى موروثها الثقافي، وحيوية مجتمعها، وكرم أهلها، وطموح أبنائها.

لقد أثار إعجابي ما أحاط بالملتقى من تنظيم وأنشطة متنوعة، وما احتضنه من معارض وندوات فكرية وإعلامية، ومسابقات في التصوير الفوتوغرافي، وفضاءات للتواصل وتبادل التجارب والخبرات.

كانت المعارض نوافذ مفتوحة على الإبداع والذاكرة، وكانت الندوات فرصة للنقاش والتفكير في قضايا الإعلام وتحدياته، بينما كشفت مسابقات التصوير عن قدرة الصورة على توثيق اللحظة، وحفظ التفاصيل، ونقل جمال المكان وصدق الإنسان.

وما أعجبني أكثر أن الملتقى لم يكن مجرد تجمع للإعلاميين، بل فضاءً التقت فيه الكلمة بالصورة، والثقافة بالإبداع، والتجربة المهنية بالعلاقات الإنسانية.
غير أن أجمل ما احتفظت به من تلك الزيارة لم يكن برنامج الملتقى وحده، وإنما مدينة العيون نفسها.

لقد تركت العيون في نفسي ما لا تختزله الكلمات، وفي قلبي ما لا تمحوه المسافات، وفي روحي ما لا تستطيع الذاكرة أن تتخلى عنه.
أحببت فيها دفء الاستقبال، وصدق الابتسامات، وعفوية اللقاءات، وكرم الضيافة، وأصالة التقاليد، وتلك القدرة العجيبة لأهل الصحراء على تحويل الغريب إلى قريب، والزائر إلى صديق، والصديق إلى أخ.

غادرت العيون بجسدي، لكن شيئاً مني ظل هناك، بين شوارعها وساحاتها، وبين وجوه أناس التقيتهم، وكلمات محبة سمعتها، وذكريات جميلة حملتها معي.

ومنذ ذلك الحين، لم تعد العيون بالنسبة إلي مجرد مدينة على خريطة المغرب، بل أصبحت مكاناً له موقع خاص في وجداني.
ولهذا، فإن رحلتي المرتقبة إلى بوجدور تبدو لي امتداداً طبيعياً لذلك اللقاء الأول مع الصحراء وأهلها، وفرصة لتجديد المحبة واكتشاف فضاء جديد من فضاءات وطننا.

بوجدور… حيث يعانق الأطلسي ذاكرة الصحراء

لبوجدور خصوصية قلما تجتمع في مكان واحد.
فهنا تمتد الصحراء في رحابها الواسعة، ويعانق المحيط الأطلسي رمالها وهضابها، وتلتقي زرقة المياه بألوان الأرض الصحراوية، في مشهد يجمع بين سكينة اليابسة وهيبة البحر.

وهنا تقف منارة بوجدور، شاهدة على تاريخ المدينة وعلاقتها بالمحيط، بينما يحمل رأس بوجدور ذاكرة بحرية ارتبطت بمغامرات الملاحة والتحولات التي عرفتها السواحل الأطلسية.

لكن تاريخ بوجدور أعمق من حكايات البحارة الأوروبيين، فالصحراء كانت منذ القدم مجالاً للحياة والترحال والتبادل التجاري والإنساني، ولها أهلها ومسالكها وذاكرتها.

واليوم، تتطلع بوجدور إلى تعزيز موقعها الاقتصادي والثقافي، مستندة إلى مؤهلاتها البحرية والطاقية والبشرية، وإلى طموحات أبنائها في التنمية والتقدم.

إنها مدينة تجمع بين ذاكرة الماضي وإمكانات المستقبل، وتستحق أن تحظى بما يليق بها من اهتمام وإشعاع.

أهل الصحراء… حيث الكرم هوية

إذا كان البحر يمنح بوجدور جمالها، والصحراء تمنحها اتساعها، فإن أهلها يمنحونها روحها.
لقد تعلمت من زيارتي السابقة للعيون أن الكرم الصحراوي ليس مجرد عادة اجتماعية، بل ثقافة متجذرة في النفوس، تقوم على إكرام الضيف، والوفاء بالعهد، وصون الجوار، واحترام الكبير، والتشبث بصلة الرحم.
وفي الخيمة الصحراوية تتجلى أجمل صور هذا الموروث الإنساني، حيث تتحول جلسات الشاي إلى فضاءات للتواصل والإنصات، وحيث لا يقاس الغنى بما يملكه الإنسان، وإنما بما يستطيع أن يقدمه لغيره.
وما أجمل أن تكون الضيافة تعبيراً صادقاً عن المحبة، لا استعراضاً للمظاهر!
إنها قيم تستحق الحفظ والنقل إلى الأجيال الجديدة، لأنها تمثل جزءاً أصيلاً من غنى الهوية المغربية.

الثقافة الحسانية… روح المكان وحارسة الذاكرة

لا يمكن الحديث عن بوجدور دون التوقف عند الثقافة الحسانية، باعتبارها مكوناً أصيلاً من مكونات الهوية المغربية.
فالحسانية ليست مجرد وسيلة للتخاطب، بل وعاء للذاكرة الجماعية، وللحكمة الشعبية، وللشعر والأمثال والحكايات والتقاليد.
وفي الشعر الحساني، أو «لغن»، تختزن الصحراء عواطف أهلها وتجاربهم، بينما يعكس «التبراع» جانباً مميزاً من الإبداع الشعري النسائي.
وتحمل الدراعة والملحفة، إلى جانب الموسيقى والأهازيج والعادات الاجتماعية، دلالات تتجاوز المظهر إلى التعبير عن الانتماء والهوية.
وأتطلع إلى أن تتيح لي زيارة بوجدور التعرف عن قرب إلى مبدعيها وشعرائها ومثقفيها، وإلى المبادرات التي تحفظ هذا التراث وتمنحه آفاقاً جديدة.
فالثقافة ليست ترفاً، وإنما ذاكرة وطن، وجسر يصل الماضي بالمستقبل.

المرأة والشباب… وجه بوجدور المشرق

للمرأة الصحراوية المغربية مكانة تستحق كل التقدير.
فهي الأم والمربية وحافظة جزء مهم من الذاكرة الشفوية والتقاليد، كما أنها فاعلة في التعليم والإدارة والإعلام والمقاولة والعمل الجمعوي.
وأتطلع إلى لقاء نساء من بوجدور يجمعن بين الوفاء للأصالة والانفتاح على العصر، ويساهمن في تنمية مجتمعهن.
أما الشباب، فهم الثروة الحقيقية للإقليم.

إن مستقبل بوجدور لا تصنعه البنيات التحتية وحدها، وإنما تصنعه أيضاً المدرسة الجيدة، والتكوين، وفرص الشغل، والمبادرات الثقافية والرياضية، والمؤسسات التي تحتضن الطاقات المحلية.
ومن مسؤوليتنا نحن الإعلاميين ألا نكتفي بنقل الصور الجميلة، وإنما أن ننصت كذلك إلى انتظارات السكان، وتحديات التنمية، وطموحات الشباب.

فمحبة المدن لا تعني تجاهل نقائصها، بل المساهمة في تجاوزها.

من العيون إلى بوجدور… حين يجمعنا الإعلام

لقد توقفت بكثير من التقدير عند الرسالة الأخوية التي وجهها الأستاذ عبد الله جداد، رئيس نادي الصحراء للصحافة والتواصل بالعيون، وما حملته من دعوة إلى تعزيز العلاقات الإنسانية والمهنية، وتبادل الخبرات، وتوحيد الجهود لإنجاح النسخة الرابعة من الملتقى.

وأجدها مناسبة لتجديد شكري وامتناني له، ولكل من ساهم في نجاح النسخة الثالثة التي عشت تفاصيلها بمدينة العيون.
لقد أثبتت تلك التجربة أن الإعلام يستطيع أن يكون جسراً للتعارف والتعاون والمحبة، وأن الملتقيات الإعلامية يمكن أن تتجاوز حدود الندوات الرسمية إلى بناء صداقات دائمة وشراكات مثمرة.

وأتمنى أن تحمل النسخة الرابعة ببوجدور الإشعاع نفسه، وأن تضيف إليه تجارب جديدة، ومعارض نوعية، وندوات غنية، ومسابقات إبداعية تتيح للمواهب الشابة التعبير عن قدراتها، وتمنح المدينة فرصة أكبر للتعريف بمؤهلاتها.

إننا في حاجة إلى إعلام يقترب من الإنسان، وينقل الحقيقة، ويحفظ الذاكرة، ويمنح الكفاءات المحلية ما تستحقه من حضور.

إلى أهل بوجدور… موعدنا المحبة

إلى إخوتي وأخواتي في بوجدور…

لا أعرف بعد الوجوه التي سأصافحها، ولا الأماكن التي ستقودني إليها خطواتي، ولا الحكايات التي سأسمعها.
لكنني أعرف أنني قادم إليكم بمحبة صادقة، وفضول معرفي، ورغبة حقيقية في اكتشاف مدينتكم والاقتراب من نبضها الإنساني.
قادم لأستمع إلى حكايات الصيادين، وإبداعات المثقفين، وأحلام الشباب، وتجارب النساء والرجال الذين يصنعون الحياة والأمل.
قادم لأتعلم منكم، مثلما أتطلع إلى تقاسم بعض ما علمتني إياه سنوات التعليم والصحافة والكتابة.

وإذا كانت العيون قد علمتني أن بعض المدن نستطيع مغادرتها دون أن تغادرنا، فإنني أتطلع إلى أن تمنحني بوجدور حكاية أخرى تستقر في القلب والذاكرة.

إلى الأستاذ عبد الله جداد، وإلى جميع الساهرين على تنظيم هذا الموعد الإعلامي، خالص التقدير على روح المبادرة والإيمان بأن الإعلام رسالة ومسؤولية، وجسر للتواصل بين أبناء الوطن الواحد.

أما أنت يا بوجدور، فأقول لك:
يا مدينة الأطلسي والصحراء…
يا أرض المنارة والبحر والريح…
يا موطن الذاكرة الحسانية والكرم الصحراوي…
سآتيك وفي القلب أسئلة كثيرة، وفي الوجدان محبة أكبر.
سآتيك أحمل معي ذكريات العيون الجميلة، وأملاً في أن أضيف إليها ذكريات جديدة لا تقل جمالاً ودفئاً وصدقاً.

فالعيون فتحت لي أبواب المحبة، وها أنا أتطلع إلى بوجدور لتواصل الحكاية.
بعض المدن نزورها فنتعرف إليها، وبعضها نزورها فنتعلق بها، وبعضها تسبقنا محبتها إليها قبل أن نصل.
وما أجمل أن تسبق المحبة موعد اللقاء!

إلى بوجدور وأهلها الكرام… لنا لقاء قريب، وللمحبة بقية، وللأخوة امتداد، وللإعلام رسالة تستحق أن نجتمع من أجلها.

همسة الحاج بوشعيب حمراوي استاذ كاتب وصحفي وقبل كل هذا مغربي واعتز بمغربيتي
دمتم في رعاية المولى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى