السياسية

فرنسا تعبّئ 3024 أستاذاً لاحتواء غضب المدارس… فهل تنجح قبل اختبار 13 أكتوبر؟

الحكومة الفرنسية تتحرك لسد الخصاص في 114 ثانوية ذات أولوية، والاحتجاجات تتراجع داخل المؤسسات دون أن تنتهي في الشارع… فهل تطفئ الإجراءات الاستعجالية غضب التلاميذ والطلبة والنقابات؟

فرنسا تعبّئ 3024 أستاذاً لاحتواء غضب المدارس… فهل تنجح قبل اختبار 13 أكتوبر؟

الحكومة الفرنسية تتحرك لسد الخصاص في 114 ثانوية ذات أولوية، والاحتجاجات تتراجع داخل المؤسسات دون أن تنتهي في الشارع… فهل تطفئ الإجراءات الاستعجالية غضب التلاميذ والطلبة والنقابات؟

بقلم: بوشعيب حمراوي

دخلت الأزمة التعليمية والاجتماعية في فرنسا منعطفاً جديداً، مساء الخميس 8 أكتوبر 2026، بعدما أعلنت الحكومة الفرنسية تعبئة 3024 أستاذاً بديلاً لسد الخصاص داخل المؤسسات التعليمية الأكثر تضرراً، في خطوة استعجالية تهدف إلى احتواء موجة الاحتجاجات التي شهدتها الثانويات والجامعات خلال الأيام الأخيرة.
وبحسب الإعلان الحكومي، سيبدأ توزيع الأساتذة ابتداءً من الجمعة 9 أكتوبر، على أن تستكمل العملية بحلول الثلاثاء 13 أكتوبر، مع منح الأولوية إلى 114 ثانوية صنفتها وزارة التربية ضمن المؤسسات التي تعاني أكبر خصاص في الأطر التربوية، إلى جانب مؤسسات أخرى تواجه صعوبات أقل حدة.
كما سمحت الوزارة للأكاديميات باللجوء إلى توظيفات إضافية عند الضرورة، والاستفادة من الساعات الإضافية لتعويض الغيابات القصيرة، في محاولة لضمان استمرارية الدراسة والتخفيف من حالة الاحتقان.

 

لكن هل يكفي توفير 3024 أستاذاً لإخماد غضب شبابي تجاوز حدود الأقسام الدراسية؟

فقد تكون أبواب أغلب الثانويات الفرنسية فُتحت من جديد، وقد تكون حركة الإغلاق تراجعت خلال يومي الأربعاء والخميس 7 و8 أكتوبر، لكن الأزمة لم تنتهِ، بل بدأت تتخذ أبعاداً اجتماعية وسياسية أوسع.

من إغلاق الثانويات إلى اتساع الاحتجاجات

بعد التعبئة الواسعة ليوم الثلاثاء 6 أكتوبر، التي قدرت السلطات عدد المشاركين فيها بنحو 266 ألف متظاهر، مقابل حوالي 450 ألفاً وفق تقديرات التنظيمات المحتجة، دخلت الحركة مرحلة إعادة ترتيب الصفوف.

فقد تراجعت عمليات إغلاق الثانويات تدريجياً، وعادت أغلب المؤسسات إلى نشاطها، بينما تواصلت التعبئة في أوساط الطلبة الجامعيين والتلاميذ والنقابات، مع استمرار تحركات احتجاجية في باريس وليون ومناطق أخرى.
ولم تعد المطالب تقتصر على تعويض الأساتذة المتغيبين، بل امتدت إلى الاكتظاظ، وتدهور ظروف الدراسة، والفوارق بين المؤسسات والمناطق، وإشكالات الولوج إلى التعليم العالي عبر منصة Parcoursup.

وهكذا انتقلت الأزمة من المطالبة بتأمين الدراسة داخل الأقسام إلى مساءلة السياسات التعليمية والاجتماعية للدولة الفرنسية.

الحكومة تتحرك تحت ضغط الشارع والميزانية

أقرت الحكومة بأن غضب الشباب يعكس اختلالات حقيقية داخل المنظومة التعليمية، وأعلنت فتح خمسة أوراش تتعلق بتعويض الأساتذة، وتحسين الظروف المادية بالمؤسسات، ومراجعة الزمن المدرسي، وتعزيز شفافية التوجيه الجامعي، وتوسيع مشاركة التلاميذ في الحياة المدرسية.كما وعدت بالكشف عن أولى القرارات المرتبطة بالمشاورات مع الشباب في نهاية أكتوبر.

غير أن الإعلان عن تعبئة 3024 أستاذاً يبقى أول امتحان عملي لجدية هذه الوعود.

فنجاح العملية لا يقاس بعدد الأساتذة المعبئين فقط، بل بمدى وصولهم فعلياً إلى المؤسسات المحتاجة، وقدرتهم على ضمان استمرار الدراسة وتعويض الحصص الضائعة.
وتواجه الحكومة في الوقت نفسه معضلة مالية معقدة، إذ تسعى إلى خفض العجز والتحكم في الدين العام، بينما تتزايد المطالب بضخ موارد إضافية في التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية.
إنها المفارقة الفرنسية: الشارع يطالب الدولة بالإنفاق أكثر، بينما تضغط الحسابات المالية في اتجاه ضبط النفقات.
الأمن يدخل على خط الأزمة
لم تبق الاحتجاجات محصورة في الملفات التعليمية، بل امتدت إلى الجدل بشأن التدخلات الأمنية وطريقة التعامل مع التظاهرات الشبابية، خصوصاً بعد تسجيل إصابات في صفوف قاصرين وإثارة مطالب بالتحقيق في بعض التدخلات.
وإذا كان من واجب السلطات حماية المؤسسات والممتلكات وضمان الأمن، فإن الإفراط في استعمال القوة قد يحول احتجاجاً تعليمياً إلى أزمة ثقة بين الشباب ومؤسسات الدولة.

13 أكتوبر… موعد اختبار جديد

يتزامن الموعد المحدد لاستكمال توزيع الأساتذة البدلاء مع الثلاثاء 13 أكتوبر، الذي ينتظر أن يشهد محطة احتجاجية جديدة.
وهذا التزامن يمنح الموعد دلالة خاصة، إذ ستكون الحكومة مطالبة بإثبات أن إجراءاتها ليست مجرد وعود لامتصاص الغضب، بينما ستكون النقابات والتنظيمات الشبابية أمام امتحان قدرتها على المحافظة على التعبئة وتوسيع المشاركة.
فإذا تمكنت الحكومة من سد جزء مهم من الخصاص، واستعادت المؤسسات التعليمية انتظامها، فقد تبدأ الأزمة في التراجع تدريجياً.
أما إذا ظلت الاختلالات قائمة، ونجحت النقابات في توحيد مطالب التلاميذ والطلبة والمدرسين، فقد تتسع المواجهة إلى قطاعات اجتماعية أخرى.
والواضح أن ما تشهده فرنسا خلال أكتوبر 2026 لم يعد مجرد احتجاجات مدرسية عابرة، بل أصبح تعبيراً عن توتر أعمق بين تطلعات الشباب وإكراهات الدولة المالية والاجتماعية.
لقد اختارت الحكومة الرد بتعبئة 3024 أستاذاً، لكن السؤال الذي ستجيب عنه الأيام المقبلة هو: هل تحتاج فرنسا إلى أساتذة إضافيين فقط، أم إلى مراجعة أعمق لسياساتها التعليمية والاجتماعية؟
قد تنجح الحكومة في إعادة الأساتذة إلى الأقسام، وقد تنجح في فتح الثانويات المغلقة، لكنها لن تستطيع إنهاء الأزمة بمجرد استئناف الدروس، ما لم تتمكن من إعادة الثقة إلى الشباب.
فالأزمة التي تبدأ بغياب أستاذ قد تنتهي بمساءلة مستقبل المدرسة العمومية، بل ومستقبل النموذج الاجتماعي الفرنسي بأكمله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى