اليوم الدولي للمسنين.. عندما يصبح طول العمر امتحانًا للكرامة والتقاعد
خمسة ملايين مغربي فوق الستين اليوم ونحو عشرة ملايين سنة 2050.. فهل تواكب المعاشات والصحة والحماية الاجتماعية مجتمعًا يتجه سريعًا نحو الشيخوخة؟

اليوم الدولي للمسنين.. عندما يصبح طول العمر امتحانًا للكرامة والتقاعد
خمسة ملايين مغربي فوق الستين اليوم ونحو عشرة ملايين سنة 2050.. فهل تواكب المعاشات والصحة والحماية الاجتماعية مجتمعًا يتجه سريعًا نحو الشيخوخة؟
بقلم: بوشعيب حمراوي
يحل الأول من أكتوبر، اليوم الدولي للمسنين، هذه السنة تحت شعار أممي بالغ الدلالة: «عصر طول العمر: إعادة التفكير في الأنظمة لمواكبة حياة أطول». والشعار ليس دعوة إلى الاحتفال فقط بكون الإنسان أصبح يعيش سنوات أكثر، بل إلى مساءلة الدول والمجتمعات: ماذا فعلنا بهذه السنوات الإضافية؟ وهل نضمن للمسن أن يعيشها في صحة وأمان واستقلال وكرامة، أم أن طول العمر قد يتحول، بالنسبة إلى فئات واسعة، إلى سنوات إضافية من القلق والحاجة والعزلة؟
العالم يشيخ.. والمغرب ليس بعيدا
الأمم المتحدة تقول إن البشرية تعيش أطول من أي وقت مضى، وإن عدد الأشخاص البالغين 60 سنة فأكثر، والمقدر بنحو 1.2 مليار شخص، مرشح للارتفاع إلى 2.1 مليار بحلول 2050، أي قرابة خُمس سكان العالم. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن شخصًا واحدًا من كل ستة أشخاص سيكون في سن الستين أو أكثر بحلول 2030، وأن الجزء الأكبر من كبار السن سيعيش سنة 2050 في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل.

والمغرب ليس بعيدًا عن هذا التحول. فنتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 أظهرت أن عدد الأشخاص البالغين 60 سنة فأكثر بلغ 5 ملايين و27 ألفًا، أي 13.8 في المائة من السكان، بعدما كانت نسبتهم 9.4 في المائة فقط سنة 2014. وتفيد إسقاطات المندوبية السامية للتخطيط بأن عددهم سيقارب 5.33 ملايين سنة 2026، ثم 5.99 ملايين سنة 2030، قبل أن يصل إلى نحو 9.72 ملايين سنة 2050، أي 22.9 في المائة من السكان.
بعبارة أوضح: المغرب الذي اعتاد أن يقدم نفسه بلدًا فتيًا يتجه بسرعة إلى مجتمع سيكون فيه أكثر من شخص واحد من كل خمسة في سن الستين فما فوق. وهذا التحول لا يتعلق بالديمغرافيا وحدها، بل بالصحة والسكن والنقل والحماية الاجتماعية وسوق الشغل، وبسؤال أكبر اسمه التقاعد.
ليس كل مسن متقاعدًا
من الأخطاء الشائعة أن نساوي بين «المسن» و«المتقاعد». فالواقع المغربي أكثر تعقيدًا. المندوبية السامية للتخطيط سجلت أن 19.2 في المائة فقط من الأشخاص البالغين 60 سنة فأكثر صرحوا بأنهم متقاعدون في إحصاء 2024. وتبلغ النسبة 32.4 في المائة بين الرجال، مقابل 6.7 في المائة فقط بين النساء، كما تصل إلى 26.8 في المائة في الوسط الحضري ولا تتجاوز 5.9 في المائة في الوسط القروي.
هذه الأرقام تختصر عقودًا من العمل غير المهيكل، والفلاحة التقليدية، والحرف والمهن الصغيرة، والعمل المنزلي غير المؤدى عنه، ومسارات مهنية لم تكن تفتح لصاحبها باب معاش عند الكبر. لذلك نجد مسنين يواصلون العمل لأنهم يريدون ذلك، وآخرين لأنهم لا يملكون خيارًا آخر.
والشيخوخة تأتي كذلك بكلفة صحية متزايدة؛ إذ تفيد دراسة المندوبية المبنية على إحصاء 2024 بأن 18.5 في المائة من المسنين يعانون شكلًا من أشكال الإعاقة، وترتفع النسبة بشكل كبير مع التقدم في السن.
أي إننا نتحدث عن مرحلة قد ينخفض فيها الدخل في الوقت نفسه الذي ترتفع فيه نفقات العلاج والدواء والتنقل والرعاية.
المتقاعد بين معاش ثابت وأسعار متحركة
أما من حصلوا على معاش، فالسؤال لا ينتهي عند وجود دخل شهري، بل يبدأ من قيمته الحقيقية. فالمعاش الذي كان يسمح لصاحبه قبل سنوات بتغطية جزء مهم من احتياجاته قد يفقد جزءًا من قوته الشرائية إذا ارتفعت أسعار الغذاء والسكن والنقل والدواء والخدمات وبقي هو شبه ثابت.
وهنا توجد معاناة لا تظهر دائمًا في الأرقام: متقاعد أدى واجبه المهني ثلاثين أو أربعين سنة، ثم يجد نفسه يحسب ثمن الوصفة الطبية قبل شرائها، أو يؤجل فحصًا، أو يعتمد على أبنائه لسد عجز لم يكن يتوقعه.

لذلك لا يكفي أن نقول إن المتقاعد يتقاضى معاشًا؛ المطلوب هو السؤال: هل ذلك المعاش يكفي لعيش كريم؟
وقد كان دخول الإعفاء التام للمعاشات من الضريبة على الدخل ابتداء من فاتح يناير 2026 إجراءً إيجابيًا لفائدة المتقاعدين الذين كانوا يؤدون هذه الضريبة. لكنه لا يحل وحده معضلة المعاشات الصغيرة، لأن من كان معاشه أصلاً لا يخضع للضريبة لن يحقق من هذا الإجراء الزيادة نفسها في دخله.
600 إلى 1000 درهم.. معاش أم مجرد حماية من انعدام المعاش؟
ومن الإصلاحات التي وسعت دائرة الاستفادة إقرار معاش الشيخوخة لفئات من مؤمني الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الذين راكموا ما بين 1320 وأقل من 3240 يومًا من التأمين، مع تحديد الحد الأدنى، بحسب عدد أيام التأمين، في مبالغ تتراوح بين 600 و1000 درهم شهريًا، إضافة إلى الاستفادة من التأمين الإجباري عن المرض.
هذه الخطوة أفضل من حرمان المؤمن له نهائيًا من المعاش، لكنها تضع أمامنا سؤال الكفاية الاجتماعية بوضوح: ماذا يمكن أن يفعل مسن بـ600 أو 800 أو 1000 درهم في الشهر إذا لم يكن له مورد آخر؟
إن ضمان الحق في معاش شيء، وضمان أن يكون ذلك المعاش قادرًا على حماية صاحبه من الفقر والحاجة شيء آخر.
صناديق مختلفة.. واختلالات مختلفة
ويتعقد الملف أكثر عندما ننظر إلى تعدد أنظمة التقاعد. فبحسب تقرير الاستقرار المالي لسنة 2024، بلغت اشتراكات الأنظمة الرئيسية التي تشمل نظام المعاشات المدنية بالصندوق المغربي للتقاعد، والنظام العام لـRCAR، وفرع الأمد الطويل بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وCIMR حوالي 66.8 مليار درهم، مقابل 71.1 مليار درهم من التعويضات والخدمات.
لكن الوضع يختلف من نظام إلى آخر. ففي 2024 سجل نظام المعاشات المدنية بالصندوق المغربي للتقاعد عجزًا تقنيًا بنحو 7.18 مليارات درهم، وسجل RCAR عجزًا تقنيًا بنحو 4.56 مليارات، بينما حقق فرع التقاعد في CNSS فائضًا تقنيًا يناهز 2.45 مليار، وحققت CIMR فائضًا تقنيًا يقارب 4.98 مليارات درهم.
وهذه الفوارق توضح أن «إصلاح التقاعد» ليس ملفًا واحدًا بسيطًا يمكن حله بإجراء موحد، لأن لكل نظام بنيته الديمغرافية والمالية وقواعده الخاصة.
إصلاح التقاعد.. لكن ليس على حساب المتقاعد
في يونيو 2026 أكدت الحكومة السابقة أن الإصلاح الشامل لن يحسم قبل نهاية ولايتها، وأن الملف سيظل مطروحًا أمام الحكومة التالية.
وسيعيد ذلك إلى النقاش أسئلة سن التقاعد، ونسب الاشتراك، وطريقة احتساب المعاشات، والتقارب بين الأنظمة والحكامة والاستدامة المالية.
لكن أي إصلاح لا ينبغي أن يبدأ بالسؤال: كم سيدفع المتقاعد أو الأجير أكثر؟ بل بالسؤال: كيف نضمن استدامة الصناديق من دون إفقار من عاشوا من أجورهم وسيعيشون من معاشاتهم؟
رفع سن التقاعد قد يخدم التوازنات المالية في بعض التصورات، وزيادة الاشتراكات قد توفر موارد إضافية، لكن لكل قرار كلفته الاجتماعية. لذلك ينبغي أن يكون الإصلاح متوازنًا: توسيع قاعدة المنخرطين، ومحاربة الشغل غير المهيكل، وتحسين الحكامة والاستثمار، وضمان تحصيل الاشتراكات، ومعالجة الاختلالات بين الأنظمة، بدل تحميل الكلفة لطرف واحد.
لماذا لا نربط مراجعة المعاشات بكلفة المعيشة؟
أحد الملفات التي تستحق أن تكون في صلب الإصلاح هو إعادة تقييم المعاشات. فالمتقاعد لا يعيش في اقتصاد موازٍ؛ بل يشتري الخبز والخضر والدواء، ويؤدي الماء والكهرباء والنقل مثل باقي المواطنين.
وعندما ترتفع الأسعار ولا يتحرك المعاش، فإنه يتعرض عمليًا لانخفاض في دخله الحقيقي.
لذلك يصبح من المشروع مناقشة آلية دورية ومنصفة لمراجعة المعاشات وفق تطور كلفة المعيشة والإمكانات المالية لكل نظام، مع إعطاء الأولوية للمعاشات الصغيرة والمتوسطة. ويمكن أن تواكب ذلك امتيازات اجتماعية حقيقية للمسنين في النقل والعلاج والأدوية وبعض الخدمات العمومية، لأن دعم القدرة الشرائية لا يكون نقديًا فقط.
الشيخوخة ليست نهاية الصلاحية
ثم إن حماية المسن لا تختزل في المال. فهناك الوحدة والعزلة والعنف والإهمال وصعوبة الولوج إلى العلاج والنقل والإدارة، وهناك أيضًا نظرة اجتماعية تعتبر أن الإنسان بمجرد تقاعده انتهى دوره.
وهذه نظرة يجب أن تتغير.
فالمتقاعد يمكن أن يظل مدرسًا ومؤطرًا ومستشارًا ومتطوعًا وفاعلًا ثقافيًا واجتماعيًا، وأن ينقل تجربة عقود إلى الأجيال الأصغر. والمجتمع الذي يهدر خبرة مسنيه يهدر جزءًا من ذاكرته.
الأول من أكتوبر ليس يومًا للورود فقط
اليوم الدولي للمسنين يجب ألا ينتهي بصورة تذكارية أو ندوة عابرة. إنه موعد سنوي لمساءلة السياسات العمومية: كم عدد المسنين بلا معاش؟ وكم معاشًا لا يكفي صاحبه إلى نهاية الشهر؟ وكم مسنًا يؤجل العلاج؟ وهل مدننا ونقلنا وإداراتنا ومستشفياتنا مهيأة لمجتمع يشيخ؟
خمسة ملايين مسن في 2024، ونحو عشرة ملايين منتظرين في أفق 2050. هؤلاء ليسوا أرقامًا في تقرير. إنهم آباؤنا وأمهاتنا، ومدرسونا وعمالنا وموظفونا وفلاحونا وحرفيونا. وهم، في نهاية الأمر، صورتنا نحن بعد سنوات.
فالنجاح الحقيقي ليس أن نضيف سنوات إلى حياة الإنسان فقط، بل أن نضيف حياة وكرامة وأمانًا إلى تلك السنوات.
والتقاعد لا ينبغي أن يكون بداية الخوف من الفقر والمرض والحاجة، بل حقًا مستحقًا في الراحة والعيش الكريم بعد عمر كامل من العمل والعطاء.


