مغرب اليوم أذكى وأقدر من مغرب الأمس: حقيقة يزكيها الواقع؟

مغرب اليوم أذكى وأقدر من مغرب الأمس: حقيقة يزكيها الواقع؟
عشنا إلى أن رأينا الواقع يزكّي الحقيقة، وشتان ما بين الواقع والحقيقة، فالأول ظنّيّ رغم ظاهره المرئي والملموس، والثانية خالصة وثابتة، وبالتالي أزلية، رغم احتجابها وتَرفُّعِها عن التّعَرّي والابتذال!!
إن هذا الذي يعيشه المغرب، الساعة، وما عاشه بالأمس، ليس إلا واقعاً لا تخطئه الأعين وباقي الحواس، أما كون ذلك الواقع متحركاً ومندفعاً إلى الأمام، وكونه في تطور مستديم رغم شَوَارِد الداخل، التي يجسّدها عُبّاد الكوفية والإسلامجيون، والسلفية خاصة، ورغم مُعَوِّقات الخارج، التي تبدأ من خلف حدودنا الشرقية… فذلك عينُ الحقيقة المغربية، وأمرٌ سيبقى ما بقي المغرب، إلى أن يرث الله الأرض وما عليها، ومن لم يعجبه هذا التوصيف فليشرب البحر.
لنبدأ من البداية حتى تتضح الرؤية:
في سنة 2021، وتحديدا في الساعة الثانية عشرة ليلا من يوم الحادي والثلاثين من أكتوبر، أقدم النظام الجزائري، الذي بِتُّ أتحاشى ذكره ما استطعتُ، على إقفال “أنبوب الغازودوك المغاربي”، الذي كان يحمل الغاز الجزائري إلى إسبانيا ومنها إلى بعض دول الاتحاد الأوروبي، مرورا بالتراب المغربي، وكان ذلك النظام العدائي والعدواني يحلم بأن يجعل المغرب بذلك يسقط في ظلام دامس، وكأن الغاز الجزائري يشكل مجموع الاحتياجات المغربية إلى الطاقة، بينما الأمر لم يكن يتعدى الثمانية إلى العشرة في المائة من تلك الاحتياجات.
في الساعات الأولى من ذلك الصباح ذاتِه، كان على المغرب أن يواجه مشكلةَ تموين محطتَيْ إنتاج الكهرباء، بكل من “تهدّارت” و”عين بني مطهر”، بسبب الانقطاع الذي كان يُفترض أن يكون مفاجئاً، للغاز المقتطَع من البابلاين الجزائري.
بيد أن هذا المغرب، الذي نحن هنا الآن بصدده، لم يتفاجأ بذلك الانقطاع، لأنه في غمرة الحمى الجزائرية المصاحِبة لقطع العلاقات الدبلوماسية من جانب واحد، وغَلْق الحدود البرية والبحرية ثم الجوية في وجه المغاربة، من ذات ذلك الجانب الواحد، أقول في غمرة تلك الحمى وذلك السلوك المَرَضي، دبّر أموره بحكمة وعبقرية لا يقدر عليهما إلا هذا المغرب الجديد، الذي ما عاد يشبه إلاّ ذاته… فكيف ذلك؟
لقد فكر المغاربة في إمكانية قلب اتجاه نقل الغاز عبر البابلاين المغاربي، الذي كان جزائرياً فصار بقوة القانون مغربياً، من إسبانيا إلى المغرب، بعد اقتناء الغاز السائل عن طريق الشركات الإسبانية المتخصصة، ومِن ثَم معالجته داخل معامل التحويل الإسبانية قبل ضخه باتجاه المغرب، وتحديداً صوب المحطتين الكهربائيتين المذكورتين، بيد أنه فكر في كون هذه الخطوة، رغم موضوعيتها ويُسْرِها، كانت ستجعل عنق المملكة الشريفة تحت مقصلة إسبان لم يتشافَوْا بعد من عقليتهم الاستعمارية، بدليل موقفهم من ملف سبتة ومليلية والجزر، ومن ملف الهجرة، الذي يريدون من المغرب إن يضطلع فيه بدور العسّاس الساهر ليلاً والمتيقٍّظ نهاراً… وبذلك تصبح إسبانيا ممسكةً ومتحكّمةً في ثلاث ورقات وازنة تتلاعب بها كيف تشاء:
1- ورقة الحاجة المغربية الملحة إلى ضخ الغاز المستورد عبر شركات إسبانية تعمل تحت إمرة حكومات متقلبة، سواء اليمينية منها أو الاشتراكية، وبذلك يتحكم الإسبان في جزء غير يسير من ملف الطاقة المغربي، حوالي 10% من احتياجات المغرب من الغاز؛
2- ورقة ملف المدينتين والجزر المحتلة منذ قرون، من خلال ممارسة كل أشكال الضغط من أجل إطالة الصمت المغربي بإزاء معالجته، على أمل اكتساب شرعية تاريخية للاحتلال ذاته، وكأن طول العهد يُسقِط مشروعية المطالبة باسترجاع الحقوق التاريخية والجغرافية… وهذا محال؛
3- ورقة استمرار إجبار المغرب على لعب دور الحارس في ملف الهجرة غير النظامية، رغم أنه ليس سوى دولة عبور أو “ترانزيت” وليس أكثر، ورغم أن الحدود التي يطلب الإسبان من المغرب استمرار الدفاع عنها هي مجرد تخوم صورية ومزورة، وبالتالي تكون الإدارة المغربية مُطالَبَةً بمنع المغاربة خاصةً من دخول ترابٍ هو مغربي في أساسه ووضعيته، بشهادة التاريخ والجغرافيا على السواء… وهذا محضُ نوعٍ من العَبَث.
هذا المسار إذَنْ، لم يترك مغرب اليوم لنفسه أدنى مجال للانزلاق إليه، ولذلك عمد منذ إحساسه بقرب قطع إمدادات الغاز عبر الأنبوب المغاربي، إلى عقد شَراكات جديدة متنوعة، في مقدمتها الشراكة المغربية الأمريكية، لاستيراد الاحتياجات القائمة من الغاز، ثم تخزينها في صهاريج وخزانات عملاقة تم تشييدها على وجه السرعة في كل من المحمدية والناظور، وبذلك فَوَّتَ المغرب على إسبانيا فرصة اللعب على الوريقات الثلاث سالفة الإشارة، واحتفظ لنفسه بِحُرية الحركة بإزاء الملفات الثلاثة دفعةً واحدة.
فلا المغرب اضطر إلى تَوَسُّل الحصول على إمدادات الغاز عن طريق الشركات الإسبانية؛ ولا هو قَبِلَ مُجْبَراً لعِبَ دور الحارس الأمين على حدود يُسمّونها إسبانيةً، بينما هي ليست في حقيقتها بالإسبانية؛ ولا هو سكت على ملف استرجاع ثغوره المحتلة، بدليل أنّ مطالبته بها صارت تنطلق من أمام حضرة جلالة الملك، وعلى ألسنة وزراء في الحكومة، وهذا ما حدث فعلا من لدن كل من وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية ووزير العدل… والبقية يعرفها الخاص والعام.
نحن الآن بصدد نقلة نوعية جبارة، تأخذنا من تدبير أزمة الغاز إلى تدبير مصير أمة.
إنّ ما كان يراد به أن يكون ضربة قاضية، تحوّل بفضل حكمة القيادة الملكية الرشيدة إلى شهادة ميلاد جديدة لمغرب متجدد، وبالغ التطوّر، مغرب لا يفكر بعقلية رد الفعل، بل بعقلية الفعل التوقعيّ والاستباقيّ.
وهكذا، فمن صهاريج المحمدية والناظور، إلى ورش محطة الغاز الطبيعي المسال بالناظور، إلى مشروع أنبوب الغاز الإفريقي-الأطلسي نيجيريا-المغرب، إلى خارطة الطريق للهيدروجين الأخضر والطاقات المتجددة… وبالتالي فقد أدرك المغرب أن “السيادة الطاقية” هي أم السيادات.
هنا بالذات، يكمن الفرق الجوهري بين مغرب الأمس ومغرب اليوم. فمغرب الأمس كان يدبر النقص، بينما مغرب اليوم يدبر الوفرة. ومغرب الأمس كان يبحث عن مَنْفَذ، بينما مغرب اليوم صار هو عين المَنْفَذ؛ أقصد المنفذ الإفريقي المتوسطي إلى أوروبا، والمنفذ الإفريقي الأطلسي إلى كل أقطار العالم.
إن هذا الذكاء الذي تحدثتُ عنه، ليس ذكاءً تقنياً فحسب، بل هو ذكاء دولة. دولة تعلمت ألاّ تضع بيضها كله في سلة واحدة، هي سلة الجار في الشرق أو الشمال، ولا أن تجعل رقبتها تحت مقصلة الصديق مهما كان منسوب الصداقة، ولا أن تُنصت إلى ضجيج عُبّاد الكوفية وأمثالهم في الداخل، ولا إلى صخب الجنرالات المرضى في الخارج من جهتَي الشرق والشمال.
إن الواقع الذي نراه اليوم، من طنجة المتوسط إلى الداخلة الأطلسية، ومن صناعة السيارات والطائرات والمسيَّرات والصواريخ والقذائف، إلى صناعة الرقائق والبطاريات واللقاحات، كل ذلك، يزكي حقيقة واحدة: وهي أن هذا المغرب لم يعد يشبه إلا نفسه، نفسه القوية، الصاعدة، التي قررت أن لا تعود إلى الوراء أبداً.
ومَن لم يفهم بَعدُ هذه الحقيقة، سواء داخل الوطن أو خارجه، فلْيبقَ حيث هو، ولْيكتفِ بالتفرج على الأنبوب الفارغ في انتظار أن تملأه أحلام اليقظة… و… عجبي !!!
_____________
محمد عزيز الوكيلي
إطار تربوي متقاعد.



