بديل تربوي

أساتذة التربية الإسلامية يترافعون من أجل مكانة المادة والقيم داخل المدرسة المغربية

مذكرة مطلبية تضع أمام الأحزاب والحكومة المقبلة 15 مطلبًا تمتد من الزمن المدرسي والمناهج والتكوين إلى البحث العلمي والرقمنة والذكاء الاصطناعي

أساتذة التربية الإسلامية يترافعون من أجل مكانة المادة والقيم داخل المدرسة المغربية

مذكرة مطلبية تضع أمام الأحزاب والحكومة المقبلة 15 مطلبًا تمتد من الزمن المدرسي والمناهج والتكوين إلى البحث العلمي والرقمنة والذكاء الاصطناعي

بقلم: بوشعيب حمراوي

ليست المذكرة التي وضعتها الجمعية المغربية لأساتذة التربية الإسلامية بين أيدي الأحزاب السياسية مجرد لائحة مطالب مهنية مرتبطة بمادة دراسية، ولا ينبغي اختزالها في نقاش حول عدد الحصص أو المعامل أو مواقع الأساتذة داخل منظومة التربية والتكوين، لأنها، حين تُقرأ في عمقها، تفتح نقاشًا أوسع وأشد ارتباطًا بمستقبل المدرسة المغربية نفسها: ما المكان الذي نريده للقيم داخل المدرسة؟ وأي إنسان نريد أن تساهم هذه المدرسة في بنائه؟

الجمعية اختارت أن تترافع قبل أن تشتكي، وأن تقترح قبل أن تحتج، وأن تقدم للأحزاب السياسية مذكرة مفصلة لا تكتفي بتشخيص ما تعتبره اختلالات، بل تضع أمامها خمسة عشر مطلبًا استراتيجيًا، ثم تقترح التزامات استعجالية خلال المائة يوم الأولى، وتدعو إلى ميثاق انتخابي يجعل التعهدات قابلة للتتبع والمساءلة، مع تأكيدها أن مبادرتها تنطلق من موقع تربوي ومهني وليس من اصطفاف سياسي.

ليست معركة من أجل ساعات إضافية فقط

قد يبدو، للوهلة الأولى، أن أهم ما تطالب به المذكرة هو الرفع من الزمن المدرسي المخصص للتربية الإسلامية ومراجعة معاملها، لكنها في الحقيقة تذهب أبعد من ذلك بكثير.
فالجمعية تقترح جعل النهوض بالتربية الإسلامية والتربية على القيم ضمن أولويات الإصلاح التربوي، وإعداد خطة وطنية واضحة الأهداف والمسؤوليات والمؤشرات، كما تطالب بالرفع من الغلاف الزمني للمادة، والوصول تدريجيًا إلى أربع حصص أسبوعية حيث تسمح البنية الزمنية بذلك، ومراجعة المعامل وعدم استعمال حصص المادة لتعويض مواد أخرى.

ويمكن أن يختلف الناس حول عدد الحصص، وأن يناقش المختصون ما إذا كانت أربع حصص مناسبة أم كثيرة أو قليلة، وأن تخضع المسألة للتوازن العام للمنهاج الدراسي، لكن لا ينبغي أن ندفن السؤال الأساسي وسط حرب صامتة بين المواد الدراسية.
فالمدرسة ليست سوقًا لتقاسم الساعات، ولا ينبغي أن يصبح إصلاح التعليم صراعًا بين أستاذ التربية الإسلامية وأستاذ الفلسفة أو الرياضيات أو اللغات أو العلوم، لأن المطلوب في النهاية هو تكوين متعلم متوازن، يمتلك المعرفة والكفاءة والقيم والقدرة على التفكير والنقد والتعايش والمسؤولية.

 

مادة مستقلة… ولكن ليست جزيرة معزولة

 

تطالب الجمعية بضمان استقلالية مادة التربية الإسلامية وخصوصيتها ومرجعيتها، واحترام حصصها وتقويمها، وعدم إدماجها في أقطاب أخرى بما يمس هويتها البيداغوجية.
وهو مطلب يستحق نقاشًا جديًا بعيدًا عن الأحكام المسبقة.
فاستقلالية المادة لا تعني عزلها عن باقي مكونات المدرسة، كما أن الانفتاح على المواد الأخرى لا ينبغي أن يكون مبررًا لإذابتها أو إفراغها من خصوصيتها.
التلميذ في النهاية لا يتخرج بشخصيات متعددة، واحدة للرياضيات وأخرى للغة وثالثة للتربية الإسلامية، وإنما يبني شخصية واحدة تتشكل من مجموع ما يتعلمه وما يعيشه داخل المؤسسة.
ولهذا فإن القيم لا يمكن أن تبقى محصورة في درس داخل مقرر، بينما تناقضها الممارسات اليومية في المدرسة.
لا معنى لأن نعلّم التلميذ الأمانة ثم نتسامح مع الغش، أو نحدثه عن الاحترام ثم نسمح بالإهانة، أو ندرسه المسؤولية بينما لا نحاسبه على سلوكه، أو نحدثه عن المواطنة والإنصاف داخل مؤسسة لا يشعر فيها بتكافؤ الفرص

القيم لا تُحفظ فقط… القيم تُمارس.
لا إصلاح للمناهج من وراء المكاتب

ومن أقوى مطالب المذكرة الدعوة إلى إصلاح منهاج التربية الإسلامية وفق مقاربة علمية وتشاركية، تشمل تقويم المداخل والمضامين والكفايات والأهداف والمقاربات البيداغوجية والكتاب المدرسي والتقويم، وربط ذلك بحاجات المتعلم والمجتمع، مع إشراك الأساتذة والمفتشين والمكونين والباحثين والهيئات المهنية في صناعة القرار.
وهذا المطلب لا يخص التربية الإسلامية وحدها، بل يصلح قاعدة لأي إصلاح تربوي حقيقي.
لقد أصبح من غير المقبول أن تُصنع المناهج داخل دوائر ضيقة، ثم تُنزل إلى المدارس ليُطلب من الأساتذة تطبيقها كما هي، بينما هؤلاء الأساتذة هم الذين يواجهون يوميًا حقيقة القسم، واختلاف المستويات، وصعوبات التعلم، والاكتظاظ، والإكراهات الزمنية، والفجوة بين ما تقوله الوثائق وما تسمح به الممارسة.
إن الأستاذ ليس مجرد منفذ للمنهاج، والمفتش ليس مجرد مراقب له، والباحث الجامعي ليس ضيفًا يُستدعى بعد الانتهاء من صياغته.
القسم يجب أن يكون نقطة انطلاق الإصلاح، لا آخر محطة يصل إليها.

من سيدرّس المادة؟ سؤال يسبق جودة المقرر

تضع المذكرة أيضًا ملف الخصاص في الأساتذة وهيئة التأطير ضمن أولوياتها، وتقترح خطة متعددة السنوات لتحديد الحاجيات حسب الجهات والأقاليم، وفتح المناصب، واحترام التخصص في الإسناد، ومعالجة خصاص التفتيش، إلى جانب فتح مسلك للتبريز في التربية الإسلامية وتقوية البحث العلمي والديداكتيكي.

وهنا نصل إلى واحدة من أكبر مفارقات إصلاح التعليم.
يمكن أن نكتب أجمل المناهج، ونضع أكثر الأهداف طموحًا، ونصدر عشرات المذكرات والدلائل، لكن كل ذلك ينتهي أمام باب القسم، حيث يوجد شخص واحد اسمه الأستاذ.
إذا لم يكن الأستاذ مكوَّنًا جيدًا، متمكنًا من مادته، قادرًا على التواصل، مدعومًا بالتكوين المستمر والتأطير والبحث التربوي، فإن أجمل الوثائق ستظل حبرًا على ورق.
الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من الكتاب المدرسي وحده، بل يبدأ كذلك من من سيحمل هذا الكتاب إلى المتعلم وكيف سيحوله من صفحات جامدة إلى معرفة وفهم وسلوك.

التربية على القيم مسؤولية المدرسة كلها

من النقاط المهمة في المذكرة أنها لا تجعل التربية على القيم مسؤولية مادة واحدة، بل تقترح استراتيجية وطنية للتربية على القيم تشمل المواطنة والمسؤولية والأمانة والإتقان والتضامن والاعتدال والحوار والتعايش ونبذ العنف والكراهية والتطرف، مع اعتبار التربية الإسلامية مكونًا أساسيًا في هذا المشروع دون إعفاء باقي المواد من مسؤوليتها.
وهنا تكمن إحدى أهم الرسائل التي ينبغي أن تلتقطها المدرسة المغربية. فالقيم مسؤولية جماعية.

أستاذ الرياضيات يربي على الدقة والنزاهة، وأستاذ اللغة يربي على الحوار والتعبير واحترام الآخر، وأستاذ التاريخ يربي على الوعي، وأستاذ التربية البدنية على الالتزام والعمل الجماعي، والإدارة على احترام القانون، والمؤسسة كلها على الانضباط والإنصاف.
وحين تفشل المدرسة في صناعة بيئة قيمية متكاملة، يصبح من الظلم مطالبة أستاذ مادة واحدة بإصلاح ما تفسده باقي التفاصيل اليومية.

من القرآن والحديث إلى الذكاء الاصطناعي

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في المذكرة أنها لم تحصر تصورها للتربية الإسلامية في الماضي، بل وضعت ضمن مجالات البحث والتطوير الذكاء الاصطناعي والتعليم الرقمي، واقترحت منصة وطنية للموارد الرقمية، ودعت إلى إدماج مسؤول للذكاء الاصطناعي في تدريس المادة.

وهذه نقطة تستحق التوقف. فالجيل الموجود اليوم داخل الأقسام يعيش في عالم رقمي مفتوح، ويتلقى المعلومة من الهاتف والمنصات ومحركات البحث وأدوات الذكاء الاصطناعي قبل أن يجدها أحيانًا في الكتاب المدرسي.
ولذلك لم يعد السؤال: هل يدخل الذكاء الاصطناعي إلى المدرسة؟
لقد دخل.
السؤال الحقيقي هو: كيف نستعمله؟
وكيف نساعد المتعلم على التمييز بين المعرفة والمعلومة، وبين الحقيقة والمحتوى المفبرك، وبين الاستفادة من التكنولوجيا والتحول إلى تابع لها؟
إن الدفاع عن الهوية لا يعني الهروب من العصر، كما أن الانفتاح على العصر لا يفترض التخلي عن الهوية.

مرصد للقيم… لكن بشرط أن يقيس ويغيّر

تدعو المذكرة كذلك إلى إحداث مرصد وطني للتربية على القيم يتولى رصد التحولات القيمية لدى المتعلمين، ودراسة العنف والتنمر والكراهية، وقياس أثر المناهج ورفع التوصيات وإصدار التقارير.
وهي فكرة مهمة، شريطة ألا نضيف مؤسسة جديدة إلى سلسلة مؤسسات تنتج التقارير ثم تنتهي التقارير في الرفوف.
نحتاج مرصدًا يخبر المغاربة بالأرقام ماذا يحدث داخل مدارسهم، لكنه يجب أيضًا أن يساعد على معرفة لماذا يحدث، وماذا فعلنا لمواجهته، وهل تحسن الوضع بعد سنة أو سنتين أم ازداد سوءًا.
الرصد الذي لا يقود إلى القرار مجرد توثيق للفشل.

الأحزاب أمام مذكرة لا أمام شيك على بياض

المذكرة موجهة أساسًا إلى الأحزاب السياسية، والجمعية لا تطلب فقط بيانات مساندة، بل تريد تحويل المطالب إلى التزامات قابلة للتتبع، وتقترح لذلك ميثاقًا انتخابيًا للنهوض بالتربية الإسلامية والتربية على القيم. كما تدعو الحكومة المقبلة إلى اعتماد أهداف محددة وآجال واضحة وموارد ومؤشرات وآليات للمساءلة.
وهذه طريقة يمكن أن تغني النقاش العمومي، لأن الأحزاب ليست مطالبة بالتصفيق لكل ما جاء في المذكرة، بل بتقديم أجوبة.
هل توافق على الرفع من الزمن المدرسي؟ ولماذا؟
ما تصورها لاستقلالية المادة؟
كيف ستعالج الخصاص؟
ما موقفها من التبريز؟
كيف ستدمج التربية على القيم والرقمنة والذكاء الاصطناعي؟
وما الذي يمكن قياسه بعد سنة أو سنتين حتى يعرف المواطن هل نُفذت الوعود أم بقيت خطبًا انتخابية؟
السياسة التعليمية لا تحتاج مزيدًا من الجمل الجميلة بقدر ما تحتاج التزامات يمكن قياسها ومحاسبة أصحابها عليها.

المائة يوم الأولى… اختبار للجدية لا سباق للقرارات

وتقترح الجمعية خمسة التزامات خلال المائة يوم الأولى: فتح حوار وطني حول مكانة التربية الإسلامية، إحداث لجنة لتقويم وضعية المادة، إصدار توجيه يؤكد استقلاليتها ويحمي زمنها، إطلاق مراجعة للمنهاج والأطر المرجعية بمشاركة المختصين، وإعداد مخطط لسد الخصاص وفتح مسلك التبريز.
ولا ينبغي فهم المائة يوم باعتبارها مهلة لإنهاء الإصلاح، لأن المدرسة لا تُصلح في مائة يوم، وإنما باعتبارها اختبارًا لمعرفة ما إذا كانت الوعود ستنتقل من الكلام إلى فتح الأوراش الحقيقية.
الخاتمة: القضية أكبر من مادة في استعمال الزمن
مهما اختلفنا مع بعض تفاصيل مذكرة الجمعية المغربية لأساتذة التربية الإسلامية، فإنها تستحق أن تُقرأ وتناقش، لا أن توضع في خانة المطالب الفئوية وينتهي الأمر.
فالسؤال الذي تطرحه في نهايتها أكبر من جميع تفاصيلها: أي إنسان نريد أن تبني المدرسة المغربية؟

هل نريد تلميذًا يحصل على أعلى النقط لكنه لا يحترم القانون؟
هل نريد خريجًا يمتلك شهادة ولا يمتلك الأمانة؟
هل نريد مواطنًا يعرف حقوقه ولا يعترف بواجباته؟
وهل تستطيع المدرسة أن تنجح في مهمتها إذا صنعت المعرفة وأهملت الإنسان؟

أساتذة التربية الإسلامية يترافعون اليوم من أجل مكانة مادتهم، وهذا حقهم المهني والتربوي، لكن قوة هذا الترافع ستزداد كلما تحول من الدفاع عن المادة فقط إلى الدفاع عن مدرسة مغربية متوازنة، تعلم الرياضيات والعلوم واللغات والفلسفة والتاريخ، وتُكوِّن في الوقت نفسه إنسانًا قادرًا على التفكير والاختلاف والحوار، معتزًا بهويته ومنفتحًا على عصره، يمتلك المعرفة ولا يفقد القيم.

فالمغرب لا يحتاج إلى مدرسة تحفظ أبناءه القيم في الامتحان ثم تتركهم ينسونها عند باب المؤسسة.
نحتاج مدرسة تجعل القيم جزءًا من الحياة اليومية؛ لأن نجاح التربية الإسلامية، مثل نجاح المدرسة كلها، لن يُقاس بعدد الدروس التي حُفظت، بل بنوعية الإنسان الذي خرج من القسم إلى المجتمع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى