ميساج

«الزم بيتك» يا عثماني.. هكذا أصبح الموقّع على التطبيع عبئاً على خطاب «المصباح»

من توقيع 2020 إلى سفارات 2026.. هل يريد العدالة والتنمية الاحتفاظ بخطاب مناهضة التطبيع وإبعاد الرجل الذي وقّع عليه؟

«الزم بيتك» يا عثماني.. هكذا أصبح الموقّع على التطبيع عبئاً على خطاب «المصباح»

من توقيع 2020 إلى سفارات 2026.. هل يريد العدالة والتنمية الاحتفاظ بخطاب مناهضة التطبيع وإبعاد الرجل الذي وقّع عليه؟

بقلم: بوشعيب حمراوي

لم تكن العبارة التي أطلقها عبد الإله ابن كيران في وجه سعد الدين العثماني، وهو يطلب منه أن «يلزم بيته»، مجرد انفلاتة لسان يمكن أن يمحوها توضيح أو اعتذار، لأنها أعادت إلى الواجهة واحدة من أكثر صفحات حزب العدالة والتنمية إحراجاً وتعقيداً، وهي الصفحة التي كان فيها سعد الدين العثماني في الوقت نفسه رئيساً للحكومة وأميناً عاماً للحزب، قبل أن يجد نفسه يوم 22 دجنبر 2020 جالساً إلى طاولة توقيع الإعلان الثلاثي المغربي الأمريكي الإسرائيلي، ثم يجد حزبه نفسه بعد سنوات يرفع شعارات مناهضة التطبيع في الشوارع ويطالب اليوم الرجل نفسه بالابتعاد عن الأنظار حتى لا يعيد حضوره طرح السؤال القديم: من وقّع باسم المغرب عندما كان العدالة والتنمية يقود الحكومة؟

عندما وقّع الأمين العام ورئيس الحكومة

يوم 22 دجنبر 2020 لم يكن سعد الدين العثماني مواطناً عادياً ولا وزيراً عابراً، بل كان رئيس الحكومة المغربية والأمين العام لحزب العدالة والتنمية، أي إنه كان يجمع بين المسؤولية الحكومية الأولى والقيادة السياسية للحزب الذي جعل القضية الفلسطينية ومناهضة التطبيع جزءاً من خطابه السياسي والتعبوي طيلة سنوات.

وفي ذلك اليوم وقّع العثماني في الرباط الإعلان المشترك بين المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل، وهو الإعلان الذي نص، ضمن ما نص عليه، على إعادة فتح مكتبي الاتصال في الرباط وتل أبيب وتطوير التعاون في مجموعة من المجالات.

كان المشهد ثقيلاً على قواعد العدالة والتنمية؛ ليس لأن المغاربة كانوا يجهلون أن السياسة الخارجية للدولة لا يقررها أمين عام حزب بمفرده، وإنما لأن الذي ظهر في الصورة ووضع توقيعه أسفل الوثيقة كان زعيم الحزب الذي ظل يقدم نفسه باعتباره من أكثر التنظيمات السياسية رفضاً للتطبيع.
وهنا بدأ التناقض الذي لم يستطع «المصباح» التخلص منه إلى اليوم.

بلاغ اليوم الموالي.. دعم العثماني ثم الدعوة إلى مجلس لم ينعقد

بعد يوم واحد فقط، أي في 23 دجنبر 2020، اجتمعت الأمانة العامة للعدالة والتنمية برئاسة العثماني نفسه، وأصدرت بلاغاً مهماً للغاية لأن العودة إليه اليوم تكشف أن الحزب لم يتبرأ آنذاك من أمينه العام ولم يعتبره متجاوزاً لخط الحزب.

فقد جدد البلاغ الترحيب بالموقف الأمريكي القاضي بالاعتراف بسيادة المغرب على صحرائه، وأكد الالتفاف حول الملك محمد السادس في ما يتعلق بالوحدة الترابية والسياسة الخارجية، وجدّد المواقف المؤيدة للحقوق الفلسطينية، لكنه أضاف بوضوح أن الأمانة العامة تعبر عن «دعمها الكامل» لسعد الدين العثماني في مهامه كرئيس للحكومة، باعتباره يقوم بمسؤولياته الحكومية في إطار الاختصاصات السيادية للدولة. بل إن البلاغ نفسه أشاد بموقف عبد الإله ابن كيران آنذاك ووصفه بالموقف «الوطني المسؤول والقوي».

الأكثر أهمية أن البلاغ أعلن عقد دورة استثنائية للمجلس الوطني للحزب يوم 27 دجنبر 2020 لمناقشة أداء الحزب إزاء التطورات المتعلقة بالقضية الوطنية والقضية الفلسطينية.
لكن المجلس لم ينعقد في موعده. تم تأجيل الدورة في آخر لحظة، وأُعلن رسمياً أن القرار جاء بناء على طلب أعضاء وباتفاق بين مكتب المجلس والأمانة العامة، بينما ربطت تغطيات صحفية التأجيل بالتوتر الداخلي الذي خلفه توقيع العثماني وبالنقاش الحاد حول مسؤوليته السياسية.

وهنا بقي السؤال معلقاً منذ 2020: لماذا لم يُفتح النقاش السياسي والتنظيمي الكبير الذي وُعد به أعضاء الحزب والرأي العام مباشرة بعد التوقيع؟

ست سنوات تمر.. والتطبيع ينتقل من مكاتب اتصال إلى سفارات

مرت السنوات، وتفاقمت الحرب في غزة، وتصاعدت الوقفات والمسيرات المغربية الرافضة للتطبيع، وكان مناضلو العدالة والتنمية في مقدمة كثير منها، وارتفع خطاب الحزب إلى سقف غير مسبوق في مهاجمة إسرائيل والمطالبة بإنهاء العلاقات معها.
ثم جاء شتنبر 2026. ففي لقاء بنيويورك جمع ناصر بوريطة ووزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، برعاية السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز، أُعلن الاتفاق على رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي من مكتبي اتصال إلى سفارتين وتبادل السفراء، إلى جانب استئناف وتوسيع الرحلات الجوية والعمل على اتفاقات اقتصادية جديدة.

وكان رد العدالة والتنمية لافتاً بدوره. ففي بلاغ 17 شتنبر 2026 جدد الحزب رفضه «لكل أشكال التطبيع وكل العلاقات والاتفاقيات» مع إسرائيل، لكنه طلب في الوقت نفسه من مناضليه عدم الانشغال بهذا المستجد ومواصلة الحملة الانتخابية والتركيز عليها.

من حق أي حزب أن يغير تقديراته وأن يراجع مواقفه، ومن حق العدالة والتنمية أن يعارض اليوم ما قد تكون قيادته الحكومية وجدت نفسها مطالبة بالتعامل معه بالأمس، لكن من حق المغاربة كذلك أن يسألوا: أين يبدأ موقف الحزب وأين تنتهي مسؤولية الدولة؟ ولماذا كان العثماني سنة 2020 يستحق «الدعم الكامل» بعد توقيعه، ثم يصبح ظهوره سنة 2026 مصدر «تشويش» على الحزب؟

هل أصبح العثماني شاهداً غير مرغوب فيه؟

لا يوجد بلاغ رسمي يقول إن العدالة والتنمية قرر «إخفاء» سعد الدين العثماني، ولذلك لا يجوز تقديم الأمر باعتباره حقيقة تنظيمية مثبتة، لكن يمكن فهم الحرج السياسي الذي يسببه ظهوره.
فكلما ظهر العثماني في تجمع انتخابي، يمكن أن تعود معه صورة 22 دجنبر 2020؛ وكلما رفع مناضلو «المصباح» شعار إسقاط التطبيع، يمكن لخصومهم أن يسألوا: ومن كان رئيس الحكومة الذي وضع توقيعه أسفل الإعلان الثلاثي؟
وهنا تصبح عبارة ابن كيران «الزم بيتك» أكبر من خلاف شخصي، لأنها تبدو وكأنها تعكس معضلة سياسية كاملة: الحزب يريد الاحتفاظ بخطابه الرافض للتطبيع، لكنه لا يستطيع محو توقيع أمينه العام السابق من التاريخ.
والتاريخ، للأسف بالنسبة إلى السياسيين، لا يمحى بإبعاد صاحبه عن المنصة.

ابن كيران أيضاً عاد من الباب الذي خرج منه

أما عبد الإله ابن كيران نفسه، فله مع السياسة قصة لا تقل إثارة للمفارقات.
بعد إعفائه من رئاسة الحكومة سنة 2017 قال إن «ابن كيران انتهى بالنسبة للحكومة»، وتراجع حضوره التنظيمي بعد انتخاب العثماني أميناً عاماً، وظل سنوات بعيداً عن قيادة الحزب، وإن لم يعلن اعتزالاً نهائياً ثابتاً؛ بل قال سنة 2018 صراحة إنه لم يعتزل السياسة. ثم أعاده المؤتمر الاستثنائي للحزب في أكتوبر 2021 إلى منصب الأمين العام بعد الهزيمة الانتخابية الثقيلة التي عاشها الحزب.
وبين الخروج والعودة كان ملف معاشه الاستثنائي قد أثار جدلاً واسعاً. فقد كشفت وثائق منشورة سنة 2019 أن المعاش الاستثنائي حُدد في 70 ألف درهم صافية شهرياً بأثر رجعي ابتداء من مارس 2017، وهو المبلغ الذي أكد ابن كيران نفسه لاحقاً أنه معاشه.
ولا أتوفر اليوم على وثيقة رسمية حديثة تقول إن هذا المعاش توقف بعد عودته إلى النشاط السياسي وقيادة الحزب، ولذلك يكون السؤال مشروعاً دون تحويله إلى اتهام: إذا كان المعاش الاستثنائي قد ارتبط بمرحلة ما بعد رئاسة الحكومة والابتعاد عن المسؤولية، فهل تغير شيء في وضعيته بعد عودة المستفيد منه إلى قلب السياسة وقيادة حزب وخوض حملات انتخابية جديدة؟
إنه سؤال في الأخلاق السياسية وتدبير المال العام قبل أن يكون سؤالاً شخصياً.

لا تطلبوا من العثماني أن يمحو التاريخ

قد يكون سعد الدين العثماني أخطأ، وقد يكون قبل توقيعاً كان بإمكانه رفضه وتحمل تبعات ذلك، وقد يكون رأى أنه رئيس حكومة ملزم بقرار دولة يدخل في مجال السياسة الخارجية، وكل هذه القراءات قابلة للنقاش.
لكن ما لا يبدو منصفاً سياسياً هو أن يتحول الرجل بعد ست سنوات إلى شماعة يعلق عليها الحزب أزمة التوفيق بين خطابين: خطاب الدولة الذي شارك الحزب في تنفيذه عندما كان يقود الحكومة، وخطاب المعارضة الذي يرفعه اليوم ضد التطبيع.
والأغرب أن الذين دافعوا سنة 2020 عن العثماني باعتباره رئيس حكومة ينفذ التزامات الدولة، يعود بعضهم اليوم ليحمّله وزر الصورة التي ظهر فيها منفرداً.

لذلك، قبل أن يقال لسعد الدين العثماني «الزم بيتك»، ربما يحتاج العدالة والتنمية إلى الجلوس مع تاريخه هو أولاً.
لأن العثماني يستطيع أن يلزم بيته، لكنه لا يستطيع أن يأخذ معه إلى البيت توقيع 22 دجنبر 2020، ولا بلاغ 23 دجنبر الذي سانده، ولا المجلس الوطني الذي تقرر عقده ثم تأجل، ولا ست سنوات كاملة من التناقض بين ممارسة السلطة وخطاب المعارضة.
وتلك، في رأيي، هي القضية الحقيقية التي أعادتها عبارة ابن كيران إلى السطح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى