
للشارع ربٌّ يحميه
بقلم: بوشعيب حمراوي
سمعتُ أن بعضهم
عاد يسأل عن عنوان الشارع!
بعد أن ضاقت بهم
موائد الأغلبية،
وأخطأت أسماءهم
طريقها إلى الحقائب،
استفاقوا ذات صباح
بلا كراسٍ،
ولا مفاتيح،
ولا حاشيةٍ تصفق!
تذكروا فجأةً
أن في البلاد شعبًا،
وأن للشعب وجعًا،
وأن للوجع صوتًا،
وأن للشارع
أرصفةً تتسع للواقفين!
يا للعجب!
أين كانت حناجركم
حين كان المواطن
يبتلع صوته
كي لا يفقد خبزه؟
أكانت مشغولةً بالتصفيق،
أم كنتم تنتظرون
سقوط أسمائكم من لوائح الوزراء
كي تكتشفوا
فضيلة الاعتراض؟
✦ ✦ ✦
مهلًا أيها القادمون
من خيبة الحقائب!
المعارضة ليست معطفًا
يلبسه من طردته
حسابات المقاعد.
وليست غرفة انتظار
لحقائب تأخرت عن أصحابها.
المعارضة موقف،
والموقف ضمير،
والضمير لا يستيقظ
بقرار الإعفاء!
أما الشارع،
فليس حديقةً خلفيةً
لمن أغلقت في وجهه
أبواب الأغلبية.
للشارع ربٌّ يحميه!
✦ ✦ ✦
أتذكرون ذلك الجيل
الذي سخرتم من صمته؟
جيل «زد»…
قلتم:
جيلٌ تائه،
غافل،
أسيرُ هاتف،
تائهٌ بين لعبةٍ وصورة،
لا يعرف من الوطن
إلا كلمة السر،
ولا من الحرية
إلا زر الإعجاب!
لكنه فاجأكم…
فتح في الشاشة
نافذةً على الوطن،
وجعل من هاتفه
لسانًا لمن لا صوت له،
ومن صمته
سؤالًا أقلق المنابر!
خرج…
لا يطارد وزارة،
ولا يستجدي تزكية،
ولا يحمل صورة زعيم.
خرج وفي صدره
حقيبةٌ واحدة:
هموم الناس!
✦ ✦ ✦
قالوا إنه
لا يعرف معنى الأسرة…
فإذا به ينوب
عن أبٍ أنهكه العمل،
وأمٍّ أرهقها الغلاء،
وجدٍّ أذله المعاش،
ومريضٍ طال انتظاره،
وتلميذٍ ضاق به القسم،
وخريجٍ شاخت شهادته
قبل أن يبدأ عمره المهني.
لم يطالب
بهاتفٍ أحدث،
ولا بسيارةٍ أفخم،
ولا بمقعدٍ
قرب موائد السلطة.
قال:
لأمي حقٌّ في العلاج،
ولأبي حقٌّ في الكرامة،
ولأختي حقٌّ في التعليم،
ولأخي حقٌّ في العمل،
ولجدي حقٌّ في شيخوخةٍ
لا تتسول الرحمة.
يا له من جيلٍ غافل!
علّم اليقظين
كيف يستيقظون،
وأعاد إلى القاموس
كلماتٍ أتعبها الاستعمال
وأفسدتها الشعارات!
✦ ✦ ✦
وحين خرج،
تحركت ظلالٌ
تبحث بين خطواته
عن موطئ قدم.
جاء من أراد
أن يضع في فمه
شعاراتٍ مستعملة،
ومن حاول
أن يستعير غضبه
لتصفية حساباتٍ قديمة،
ومن اشتهى
أن يجعل مطالبه
حطبًا لنيران الفتنة.
لكن صوتًا ارتفع
من قلب الصفوف:
لسنا للبيع!
لسنا للإيجار!
ولسنا جنودًا
في حروب الآخرين!
نريد إصلاح البيت،
لا إحراقه.
نريد فتح الأبواب،
لا اقتلاعها.
نريد وطنًا يسمعنا،
لا وطنًا نخسره
كلما أردنا أن يسمع!
✦ ✦ ✦
وكان للشارع
امتحانٌ آخر…
حين حاولت الفوضى
أن ترتدي ثوب الاحتجاج،
والتخريب
أن ينتحل صفة الغضب،
وحين تسللت إلى الصفوف
أقدامٌ لا تعرف
إلى أين يسير الناس،
وأيادٍ لا تعرف
غير لغة الحجارة.
ارتفعت أصوات الشباب:
لا لحجرٍ
يكسر زجاج الوطن
باسم إصلاحه!
لا ليدٍ تمتد
إلى ممتلكات الناس
ثم تختبئ
خلف لافتة المطالب!
لا للسُّكر والمخدرات
حين تهدد سلامة المسيرات!
فالمدمن يحتاج علاجًا،
والمريض يحتاج عونًا،
أما المخرب
فلا تمنحه اللافتة
شهادة براءة.
فالاحتجاج ليس فوضى،
والسلمية ليست ضعفًا،
والوطن ليس عدوَّ المطالبين بحقوقهم!
✦ ✦ ✦
يا من حسبتم
أن الحكمة حكرٌ
على أصحاب الشيب والمناصب!
أما عرفتم
أن النضج
لا يُقاس بعدد السنين،
ولا بطول الخطب،
ولا بحجم الكراسي؟
قد يسكن العقل
رأس شابٍّ في العشرين،
ويغيب عن رجلٍ
أضاع نصف عمره
ينتقل من كرسيٍّ إلى آخر!
وقد يملك فتىً
من الشجاعة
ما لا تملكه
قاعاتٌ مكتظةٌ بالخطباء.
جيلٌ لم يرث
مفاتيح المستقبل،
فحاول أن يصنعها
من أسئلته.
ولم ينتظر أحدًا
ليمنحه لسانًا،
فقد اكتشف
أن في حلقه
صوت وطن!
✦ ✦ ✦
والآن…
ها أنتم تعودون
إلى عتبة الشارع،
تفتشون عن مكانٍ لصوركم
بين لافتات المحتجين،
وعن سلمٍ جديد
تصعدون به
إلى الشرفات القديمة.
لا بأس…
فالشارع لا يغلق أبوابه
في وجه معارضٍ صادق،
ولا يحتكره جيلٌ
دون جيل.
لكنه ليس تركةً
توزع بعد تشكيل الحكومة،
ولا تعويضًا
عن وزارة ضائعة،
ولا ملجأً سياسيًا
لمن خذلته الحسابات.
قبل أن تدخلوا،
اتركوا حقائبكم
عند باب المصالح.
انزعوا أقنعة المنقذين،
واخلعوا أحذية التعالي،
وتعلموا السير
بسرعة البسطاء.
لا تتقدموا الصفوف
قبل أن تعرفوا
لماذا اصطف الناس،
ولا ترفعوا الشعارات
قبل أن تفهموا
ما تخفيه الدموع.
ولا تنصبوا أنفسكم
أوصياء على جيلٍ
أثبت أنه قادر
على الحديث باسمه
وباسم أسرته.
✦ ✦ ✦
أيها الشارع المغربي…
يا ذاكرة فبراير،
ويا صدى «زد»،
ويا دفتر المظالم
الذي لا تنتهي صفحاته!
لستَ ملكًا للأغلبية،
ولا غنيمةً للمعارضة.
أنت فضاء الجميع،
ومرآة الوطن
حين تضيق به المرايا.
فيك للموافق مكان،
وللمخالف مكان،
ولمن يطلب حقه
حقٌّ في أن يُسمع.
لكن ليس لأحد
أن يصادر أصوات الآخرين،
أو يسرق مطالبهم،
أو يحول آلامهم
إلى عملةٍ سياسية
تُصرف عند أبواب الوزارات.
✦ ✦ ✦
يا جيل «زد»…
لا تسمح لأحد
أن يسرق منك الدرس.
ولا تجعل من أشاد بك
وصيًّا عليك،
ولا من اختلف معك
عدوًّا لك.
فليس كل معارضٍ
تاجرَ شعارات،
ولا كل مسؤولٍ
خصمًا للمواطن.
اجعل العقل قائدًا،
والسلمية طريقًا،
والكرامة غايةً،
والوطن سقفًا
لا يسقط على رؤوس أبنائه.
واحذر أن تتحول
من صاحب قضية
إلى شاهد زور
في قضية غيرك!
✦ ✦ ✦
وإذا جاءكم يومًا
سياسيٌّ يحمل في يده
وثيقة انضمامه إلى المعارضة،
وفي الأخرى
حقيبةً لم تجد لها وزارة،
وقال:
أفسحوا لي الطريق!
أنا الآن
من قادة الشارع!
فلا تسألوه
عن حزبه،
ولا عن عدد مقاعده،
ولا عن ألوان رايته.
اسألوه:
أين كنت
حين كان الشارع ينادي؟
هل كنت تسمع
أم كنت تفاوض؟
هل كنت تدافع
عن مطالب الناس،
أم عن حصتك
من المناصب؟
فإن أجاب بلغة الشعارات،
فذكّروه
أن الشارع تعلم
من جيلٍ وصفتموه بالتائه
كيف يميز
بين الصوت والصدى،
وبين اليد الممدودة للمساعدة
واليد الممدودة
إلى جيب الوطن!
✦ ✦ ✦
للشارع ربٌّ يحميه…
وله شعبٌ يعيه،
وجيلٌ لقّن الدروس
لمن ظنوه يحتاج إلى دروس.
فلا تخلطوا
بين معارضة الحكومة
وامتلاك الشارع،
ولا بين خسارة الكرسي
واكتساب ثقة الشعب.
فالمقاعد توزع في المجالس،
والحقائب توزع في الحكومات،
أما ثقة المواطنين
فلا تمنحها الأغلبية،
ولا تهديها المعارضة.
الشارع ليس حقيبةً وزارية،
ولا مقعدًا تعويضيًا،
ولا سوقًا لتصريف الخاسرين.
الشارع وطنٌ داخل الوطن…
من دخله صادقًا
وجد فيه متسعًا،
ومن أراد امتطاءه
فليعلم أن الشعب
ليس حصانًا في إسطبل السياسة!
ومن أراد مكانًا في قلبه،
فليأتِ بقلبٍ
لا يبحث عن كرسي!
كثّف المقاطع المتكررة
وحّد تسمية جيل «زد»
خفّف الاستعارات السياسية المتلاحقة




