كتاب البديل

القليل الذي يكفي… والكثير الذي يُدهش: لماذا لن يُدرك العقل كلَّ شيء؟

(حقيقة علمية تثبتها التجربة: العقل الإنساني غير مؤهل لفهم الكون برمّته)

القليل الذي يكفي… والكثير الذي يُدهش: لماذا لن يُدرك العقل كلَّ شيء؟

(حقيقة علمية تثبتها التجربة: العقل الإنساني غير مؤهل لفهم الكون برمّته)

محمد عزيز الوكيلي

طالعَني بالصدفة، على أحد المواقع باليوتيوب، عنوانٌ لحلقة علمية يقول: “هل خُلِق هذا الكون كله فقط لنتفرّج عليه”؟ وهذا سؤال معرفي يستحق المناقشة والأخذ والرد بكل تأكيد.

في زمن مضى، وقف الإنسان على سطح القمر، ثمّ في زمن لاحق، أرسل مسابيره العملاقة إلى حافة الكون المنظور، وفكّك الذرة، وقرأ شفرة الحياة في الـحمض النووي، وشاهد ما يمكن وصفه بالأزمنة الأولى التي تلت الانفجار الأعظم… ورغم كل هذه الفتوحات المبهرة، يزداد شعور الإنسان بأنه لم يفهم شيئا بَعد. فكلما فتح باباً من أبواب الكون، كلما وجد خلفه آلافاً من الأبواب الأخرى الموصدة. فهل المشكلة في قلة أدواتنا؟ أم أن المشكلة في الأداة الأساسية ذاتها، أي في العقل؟

إن الحقيقة التي يثبتها الواقع والتجربة قبل الفرضيات والنظريات، تفيد أنّ عقولنا غير مصممة لفهم كل شيء، وإنما لفهم ما يكفي لعبادة الله وعمارة الأرض، وربما ليس أكثر… بل من الأرجح أنه ليس أكثر من ذلك ولا أبعد.

لعل أبلغ تعبير عن سلامة هذا الاعتقاد، ما جاء في التنزيل الحكيم من التأكيد على أن الإنسان “ما أوتي من العلم إلا قليلاً”، (الإسراء-85) والفعل “أتى” جاء في هذه الآية مجرّدا من الزمان، وبالتالي جاء مطلقاً، بمعنى أن العقل الإنساني مهما بلغ من التقدم في دروب العلم فسيبقى “فتحه العلمي” موصوفاً بالقِلّة… فسبحان العليم الحكيم، الذي يغلب الظن أنه أصدر حكمه هذا بالقياس إلى علمه المطلق، لأنه بهذه المقارنة، فحسب، يجوز القول إن ما وصل إليه الإنسان بالأمس، وما سيصل إليه اليوم وغداً، سيظل قليلاً ما دامت السماوات والأرض !!

السؤال الذي يفرض نفسه، في هذا المستوى من المناقشة، هو “هل أوجد الحق عز وجل كل هذا الكون الفسيح والمُهْوِل، بما يشتمل عليه من آلاف الملايير من النجوم والكواكب والمجرات، وبما يحدث في شساعته من التفاعلات المستديمة، وغير المدركة من لدننا… هل خلق ذلك كله لمجرد أن نشاهده نحن ونتفرج عليه ليس إلاّ؟ أم أن هناك مقاصد أخرى لا تدور ببال أحد من العالمين، ولا نملك نحن إزاءها سوى صلاحية اقتراح النظريات والفرضيات والتخمينات وليس أكثر؟

أعتقد، في نظري المتواضع، أننا نعاني من قصور بنيوي وليس قصوراً مرحلياً،
ما دام عجزنا المرحلي مؤقتاً، بدليل أن العلم يفك شيفراته مع مرور الزمن، ومع توالي الفتوحات العلمية، التي لا يُنكرها إلا جاحد أو جاهل. ولكننا في الآن ذاته، نعاني من عجز بنيوي مستديم… وهنا يطرح سؤال آخر نفسه:
“إذا كان العقل البشري مصمَّماً ليعمل داخل الزمان والمكان، فكيف له أن يحيط بما هو خارج الزمان والمكان”؟

ولعل الإجابة الشافية على هذا السؤال لهي نفس الإشارة التي أوردتُها أعلاه بخصوص لازمنية التعبير “ما أوتيتم”، وصيغته الإطلاقية، التي تزكي هذا القول بالعجز البنيوي، الذي يؤكد لنا بالملموس أن العقل الإنساني لم يؤهَّل أساساً للإحاطة بالكون برمّته… غير أن هذا لا يحل المشكلة المعرفية بتاتاً، بل يتركنا في مهب المزيد من الأسئلة، التي تزداد تعقيداً في كل عصر، وبعد كل فتح علمي جديد.

ثم هناك قول ربّاني آخر، تعبر عنه الآية: “ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء” (البقرة 255)، والذي يؤكد لنا أن الإحاطة منفية، وأن المشيئة الربانية هي المفتاح.

إننا لا نرى إلا 5% من الكون المنظور، في حين أنّ نسبة 95% الباقية تتشكّل من مادة وطاقة مظلمة لا نعرف ماهيتهما، وذلك لأن أعيننا لا ترى إلا جزءا ضئيلا من الطيف الكهرومغناطيسي. وهذا الطيف يتشكّل بدوره من موجات ومن فوتونات ضوئية في وسع الواحد منها أن يتواجد في حيّزين زمكانيين مختلفين ومتاباعدين في آن واحد، ويحمل الرسالة نفسها في الحيزَيْن معاً… وهذا يحيلنا على نظرية “العوالم الموازية” التي توشك أن تؤكد وجودَها فيزياءُ الكم، la physique quantique، وهذا يكسر منطقنا، ويقلب تمثلنا للوجود الإنساني والكوني رأساً على عقب… وبذلك فكلما اتسعت دائرة علمنا، اتسعت دائرة جهلنا بالمقابل.

ونعود لسؤالنا الفلسفي الأول:
“هل خُلق هذا الكون للفرجة فقط”؟ وهذا بيت القصيد في هذه المناقشة المتواضعة. والجواب الممكن والمريح: هو أن الكون ليس مسرحا للفرجة، بل هو كتاب للتدبر، ودليل على عظمة الخالق، وبتحصيل الحاصل ليس ضرورياً أن نفهم كل تفاصيله حتى نستطيع أن نؤدي وظيفتنا في رحابه… وهذا نوع من التواضع المعرفي، لأن العلم الحقيقي يورث التواضع، لا الغرور. فكلما تيقّن العالِم من كونه قليل العلم، كلما اقترب من الحكمة ومن الاستيفاء الكامل لشروط أداء الأمانة على الوجه الأمثل.

خلاصة القول، إن الاعتراف بأن العقل غير مؤهل للإحاطة بالكون ليس دعوة لتوقيف البحث العلمي، وإنما هو دعوة لتصحيح النية الكامنة خلفه. ذلك أننا نبحث لا لنتألّه بالعلم، بل لنتعبّد به وهنا بالذات مربط الفرس.

نحن نبحث لا لنقول “إننا أحطنا بكل شيء”، بل لنقول مع كل اكتشاف “سبحانك يا ربنا ما أعظمك”. وبذلك، يبقى القليل الذي أُوتِينَاهُ من العلم كافيا لتأمين نجاتنا، بينما يبقى الكثير الذي حُجِب عنا كافياً ليُربِّيَنا على “تواضع العلماء”.

إن الكون أوسع من أن يُفهم، وفي الوقت ذاته هو أعظم من أن يكون مجرد مشهد في مسرحية مُبْهَمة النهايات. إنه رسالة، والمطلوب منا ليس أن نفكّك كل حروفها، بل أن نفهم أنّ مغزاهاالأساس هو: أنه لا إله إلا الله…

“رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ” (آل عمران -191) !!!
_____________
* إطار تربوي متقاعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى