كتاب البديل

الخطاب الملكي بين قراءتين: باريس التي فهِمَتْ.. ومدريد التي توجّسَتْ

الخطاب الملكي بين قراءتين: باريس التي فهِمَتْ.. ومدريد التي توجّسَتْ

محمد عزيز الوكيلي

لم يكن خطاب جلالة الملك محمد السادس يوم الجمعة تاسع أكتوبر 2026، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية الثانية عشرة، خطاباً بروتوكولياً عادياً، بل كان رسالةً مؤشِّرةً على لحظة مفصلية، تأتي مباشرة بعد انتخابات 23 شتنبر، في سياق إقليمي ودولي مضطرب.

لذلك، كان من الطبيعي أن تتباين قراءات الإعلام الفرنسي والأوروبي، والإسباني خاصةً، بين من التقط عمقه الاستراتيجي، ومن اختزله في جملة واحدة تثير التوجُّسات والمخاوف، من قَبيل “ويل للمصلين”!

ولكي نفهم هذا الانقسام في التأويلات، ينبغي أن نعود إلى النص. فجلالة الملك وضع ولايته التشريعية الجديدة في “ظرفية استثنائية غنية بفرص قد لا تتكرر”، وحدد لها هدفين متلازمين:
– أن يكون المغرب “قوة اقتصادية صاعدة وموثوقة”؛

– وأن يحقق في نفس الوقت “توازنا منسجما بين منطق النمو الاقتصادي ومتطلبات عدالة اجتماعية ومجالية معززة”.

من جانب آخر، أعاد الخطاب التذكير بمرجعية 2014 الشهيرة بقوله: إنّ “الشعور الأغلى في حياتي هو اعتزازي بمغربيتي”، هذا الشعور الذي “لا يزال ثابتاً بل يزداد تجذُّرا”. كما أنه ذكّر بأن المغرب يشكّل “إحدى أقدم الأمم في العالم، ويزدهر تحت لواء إحدى أقدم الملكيات في التاريخ”، مؤكداً حق المغاربة في الاعتزاز بهويتهم الدينية الأصيلة في ظل إمارة المؤمنين، وهويتهم الحضارية المتنوعة.

كل هذا جدير بالفخر والاعتزاز لأنه يعبر عن عمق الاعتداد المغربي بالهوية، وبالتاريخ الإمبراطوري الشريف والتليد. لكن ما يهمني في هذا المقال بالذات، هي تلك الفقرة التي أشعلت الإعلام الأوروبي، والتي تتعلق تحديداً بالهجرة. فجلاة الملك قال بوضوح إن “النموذج الحالي للتعاون الهجروي أصبح متجاوزا”، وإن الأزمات المتكررة خير دليل على ذلك، وأعلن بالمناسبة أن المغرب سيقدم لشركائه في المستقبل المنظور “وثيقة تحمل رؤية استراتيجية واضحة وعملياتية”، قوامها التنمية المشتركة، والتنافسية الاقتصادية، والاستقرار الإقليمي.

ولم يكتف الخطاب بالإشارة والتذكير فحسب، بل شخّص العوائق، التي وصفها بكونها “مقتضيات قانونية متجاوزة”، و”قرارات قضائية بعيدة عن الواقع”، تعمل بطبيعتها على عرقلة ترحيل القاصرين ومَن ينتحلون صفة طالبي اللجوء، وتُغذّي في الوقت ذاته “أطماع الشبكات الإجرامية”.

ثم جاءت الجملة المفصلية التي تناقلتها وكالات الأنباء الأجنبية والدولية، والتي تفيد بأن “الشراكة خيار سيادي والتزام طوعي، ولا يمكن أن تكون موضوع أي ضغط أو تهديد أو ابتزاز”، وذلك ردّاً على ما سمّاه جلالة الملك “تصريحاتٍ غيرَ مسؤولة” و”استغلالاً فاضحاً”، لموضوع الهجرة بالذات، من لدن بعض الأوساط السياسية والإعلامية.

في فرنسا، كانت ردود الفعل هادئة، إذِ التعليق جاء متّزِناً وعميقاً. حيث لم يقرأ الإعلام الفرنسي الجاد الخطاب كهجوم، بل “كإعادة تموقع” وليس أكثر.

فقد اعتبر “جيروم بيسنار”، أستاذ القانون العام والعلوم السياسية بجامعة باريس سيتي، أن هذا الخطاب يعلن “قلباً لمخطط الشمال-الجنوب”. فعلى امتداد عقود خلت، كانت أوروبا هي من تضع دفتر التحملات، وكان المغرب ينفذ فحسب. أما اليوم، فالمغرب “هو من سيضع الوثيقة المرجعية ويقترحها على شركائه”. وهذا لا يمكن اعتباره نوعاً من القطيعة، بل نضجاً متوقّعاً ومنطقياً في تدبير الشراكة.

نفس هذه النبرة نلمسها عند “غيوم جوبان”، رئيس المدرسة العليا للصحافة بباريس، الذي رأى في الخطاب “تكريساً للزخم الديناميكي للعلاقات الفرنسية المغربية”. وقال إن البراغماتية، التي تتميز بها الدبلوماسيا الملكية، وكذلك توجّهاتها التوقعية والاستباقية، تجعل المغرب ممسكاً بزمام المبادرة في ملف الصحراء خاصةً، وفي ملفات النطاق المتوسطي عامةً، وبالتالي، ففرنسا تتفهّم اليوم، كيف أنّ التعامل مع الرباط ينبغي أن يكون في إطار من الندّية بين قوتين صاعدتين، وليس بين مانح من أعلى ومتلقٍّ من أسفل، كما كان عليه الشأنُ في السابق.

هذه القراءة الفرنسية تكتسي أهمية، إذ ترى أنه لا يمكن للمغرب أن يكون قوة صاعدة اقتصادياً، وموثوقة دولياً، إذا ظل يُعامَل مثل “حارس حدود” لإسبانيا خاصةً ولأوروبا عامة.

نأتي الآن إلى الضفة الأخرى، المتاخمة مباشرة لحدودنا الشمالية. ذلك أن القراءة الإسبانية جاءت، بامتياز، موصوفة بالتوتر والانتقائية. فجل الصحف الكبرى، من “ألباييس” إلى “لارازون” إلى “وكالة إيفي”، اختزلت خطاباً عمّر نحو خمسة عشر دقيقة في سطر واحد وضعت له كعنوان: “الابتزاز” !

والظاهر أنّ السبب في هذا السلوك التهويلي سياقي بالملموس؛ فالخطاب يأتي بعد شهرين ونصف من الأزمة التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة في نهاية يوليوز 2026، كما يأتي السياق مكتملاً باقتراب موعد الزيارة المعلَنة للملك فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية يومي 13 و14 أكتوبر. وهكذا ربطت الصحافة الإسبانية فوراً بين انتقاد الملك لـ “القرارات القضائية البعيدة عن الواقع” التي تعرقل الترحيل، وبين “الجدل الدائر في إسبانيا حول القاصرين المغاربة غير المرافَقين”.

وكما هي العادة في إعلام جارتنا الإيبيرية، تجاهلت الصحف الإسبانية، عن قصد، الشق المتعلق ب”العدالة المجالية واللامركزية والتشغيل والتعليم والصحة”، وركزت فقط على بُعد واحد يُشخّصه السؤال التّوَجُّسي: “هل يهددنا المغرب بتعليق التعاون”؟ في حين أن نص الخطاب يقول عكس ذلك تماما، لكونه أكّد على أن التعاون سيستمر، لكن وفق رؤية جديدة يضعها المغرب، قوامها التنمية المشتركة الموَسَّعة، بدلاً من المقاربة الأمنية الضيّقة.

والحال أن هذا الاختزال، الذي يمارسه الإعلام الإسباني مدفوعاً بمخاوفه غير المبرَّرة والتي صارت مَرَضية، يكشف عن مأزقٍ أوروبيٍّ أوسع، يتمثل في صعوبة التخلي عن منطق “المانح والآمر” الذي ندد به الخطاب صراحة بالقول إن “زمن الإملاءات ولى”… ليبقى السؤال مطروحاً: هل كان الإعلام الإسباني يحلّل خطاباً ملكياً واضحاً وصريحاً لا مكان فيه للمراوغة والمداورة، أم أنه كان فحسب، يبثّ مظاهر سوء نواياه، عن طريق انتقائه بحرص شديد ومبيَّت، ما يُغذي تلك المخاوف لتأليب مواقف اليمين ومَن يتخندق معه من غربان الاستعمار القديم.

نهايتُه… إنّ ما كشف عنه تَتَبُّعُ الإعلام الفرنسي، وكذلك الأوروبي، هو أن الخطاب الملكي لم يكن موجَّهاً للداخل فقط، بل كان وثيقة سيادية تضع الإطار النظري لما سيأتي. “وثيقة استراتيجية مغربية ستُقدم قريباً للشركاء الأوروبيين”. وهذا هو عين الإعلام الذي فهم أن المغرب يريد أن ينتقل من منطق “التدبير الظرفي للأزمات”، إلى منطق “الشراكة المُهيكَلة والقائمة على التنافسية والاستقرار”، وبالتالي يكون هذا الإعلام قد التقط فعلاً “جوهر الخطاب وإشاراته اللبيبة”.

أما الإعلام الذي أصر على البقاء أسيراً لقراءة “الضغط والابتزاز”، فإنه لم يفعل سوى أنه أعطى الدليل مرة أخرى على كونه يفكر بمنطق قديم تخطّاه الخطاب نفسُه ووصفه بـ “المتجاوز”.

إن المغرب، كما قال جلالة الملك، “فخورْ بهويته”، “طموحٌ كقوة صاعدة”، “سياديٌّ في اختياراته”… ومن يُريد أن يكون شريكاً لهذا المغرب، فعليه أن يفهم هذه الثلاثية بالذات، ويتعامل معها بكل وضوح… لا أن يخشاها… و… عجبي !!!
____________
* إطار تربوي متقاعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى