
قصور في الخفاء… وقصور في الوفاء
حين تُشيَّد قصور الرفاهية على أنقاض الوعود، ويتحوّل التقصير في الأداء إلى خيانة للأمانة
بقلم: بوشعيب حمراوي
أيُّها السادةُ الجالسونَ فوقَ كراسي القرار…
أجيبونا قبلَ أن تُغلقوا الأبواب،
وقبلَ أن تُطفئوا الميكروفونات،
وقبلَ أن تُعيدوا ترتيبَ الوجوهِ والحقائبِ والمناصب!
كيفَ يتّسعُ الوطنُ لقصورٍ تُشيَّدُ في الخفاء،
ويضيقُ عن توفيرِ غرفةٍ تليقُ بكرامةِ الفقراء؟
كيفَ تتكاثرُ الثرواتُ في جيوبِ بعضِ المسؤولين،
وتتناقصُ فرصُ العيشِ الكريمِ
في حياةِ الملايين؟
كيفَ يُتقنُ السياسيُّ فنَّ الوعود،
ويتعثّرُ في أبسطِ الواجبات؟
وكيفَ يحفظُ المنتخبُ عناوينَ الأحياءِ
حينَ يبحثُ عن الأصوات،
وينساها حينَ يصبحُ صاحبَ القرار؟

كيفَ يطلبُ الوزيرُ ثقةَ الوطنِ كاملة،
ثمّ يُقدّمُ للوطنِ
نصفَ التزام،
وربعَ إنجاز،
وألفَ عذرٍ لتبريرِ الإخفاق؟
لا تسألونا عن الصبرِ بعدَ اليوم،
بل اسألوا أنفسَكم
عن كلِّ وعدٍ لم يتحقّق،
وكلِّ مشروعٍ لم يكتمل،
وكلِّ حقٍّ ضاعَ
بينَ توقيعٍ وتأجيل،
وكلِّ أمانةٍ تحوّلتْ
من مسؤوليةٍ إلى امتياز!
فنحنُ لا نتحدّثُ عن قصورِ الحجرِ وحدَها،
بل عن قصورِ الضميرِ المهني،
وقصورِ الالتزام،
وقصورِ الإنجاز،
وقصورِ الوفاءِ بما عاهدتمُ الناسَ عليه!
حينَ تُصبحُ المسؤوليةُ طريقًا إلى القصور
في وطني…
قصورٌ لا يعرفُ الناسُ
متى وُضعتْ أساساتُها،
ولا كيفَ ارتفعتْ جدرانُها،
ولا من أينَ جاءتْ أموالُها.
قصورٌ تختبئُ خلفَ الأشجار،
وخلفَ الأسماءِ المستعارة،
وخلفَ شركاتٍ تتناسلُ
كأنّها لا تعرفُ الخسارة.
قصورٌ بأسوارٍ عالية،
ومسابحَ واسعة،
وحدائقَ لا يعطشُ فيها العشب،
بينما قرى بأكملِها
تنتظرُ قطرةَ ماء!
لا نخاصمُ الثراءَ المشروع،
ولا نُجرّمُ من بنى بعرقِه بيتًا،
لكنّنا نرفضُ
أن يتحوّلَ المنصبُ إلى منجم،
والتوقيعُ إلى ثروة،
والنفوذُ إلى تجارة،
والمالُ العامُّ إلى غنيمة.
نسألُ فقط:
من أينَ لكم هذا؟
وماذا قدّمتم مقابلَ ما أخذتم؟
وأينَ حصيلةُ المسؤوليةِ
حينَ تُقارنُ بحصيلةِ الممتلكات؟
فليسَ العيبُ أن تمتلكَ قصرًا،
بل أن يكبرَ قصرُكَ
كلّما صغرتْ إنجازاتُك،
وأن تزدهرَ أرصدتُك
بينما تتعثّرُ مشاريعُ من ائتمنوك!
—
أيُّها المنتخب… لمن أعطيتَ الوفاء؟
أتذكرُ يومَ جئتَنا
بوجهٍ يغمرُه التواضع؟
أتذكرُ كيفَ كنتَ تُصافحُ الجميع،
وتجلسُ إلى جوارِ العجائز،
وتحملُ الأطفالَ أمامَ الكاميرات،
وتُقسمُ أنّكَ لن تنسى
الحيَّ الذي أنجبَ أحلامَك؟
قلتَ لنا:
سأصلحُ الطرق،
وأُنيرُ الأزقّة،
وأُنظّفُ الأحياء،
وأفتحُ أبوابَ الملاعبِ والحدائق،
وأُعيدُ الاعتبارَ
للمدرسةِ والمستوصفِ والسوق.
قلتَ إنّكَ واحدٌ منّا،
وأنّ همومَنا همومُك،
وأنّ بابَكَ سيبقى مفتوحًا.
فماذا حدث؟
هل غيّرَ الكرسيُّ ملامحَكَ؟
أم غيّرتِ المصلحةُ ذاكرتَكَ؟
لماذا صارتْ شوارعُنا
تنتظرُ الوعودَ ذاتَها؟
ولماذا بقيَتْ حفرُ الطرقِ
أكثرَ وفاءً لمواقعِها
من وفائِكَ بعهودِك؟
نحنُ لا نطلبُ معجزات،
ولا نطلبُ تحويلَ الترابِ إلى ذهب،
بل نطلبُ ما التزمتَ به،
وما تسمحُ به الإمكانات،
وما يفرضُه القانون،
وما تستوجبُه الأمانة.
فالانتخابُ ليسَ تتويجًا،
والتصويتُ ليسَ تفويضًا بالنسيان،
والجماعةُ ليستْ ضيعة،
والمواطنُ ليسَ ورقةً
تنتهي قيمتُها
عند إغلاقِ صناديقِ الاقتراع!
أيُّها الوزير… أينَ حصيلةُ القسم؟
أيُّها الوزير…
لا نريدُ أن نعرفَ
كم مرّةً ظهرتَ على الشاشات،
ولا كم مؤتمرًا حضرت،
ولا كم شريطًا قُصَّ
احتفالًا بمشروعٍ جديد.
نريدُ أن نعرفَ
كم مشروعًا أنجزتَ،
وكم التزامًا احترمتَ،
وكم أزمةً عالجتَ،
وكم مواطنًا تغيّرتْ حياتُهُ
بفضلِ قراراتِك.
فالمستشفى لا يشفى بالبلاغات،
والمدرسةُ لا تنهضُ بالشعارات،
والبطالةُ لا تنخفضُ بالتصريحات،
والأسعارُ لا تتراجعُ
بالتمنّيات.
أيُّها الوزير…
حينَ يتألّمُ مريضٌ
لأنّ العلاجَ بعيد،
وحينَ يُغادرُ تلميذٌ مقعدَهُ
لأنّ المدرسةَ أبعدُ من قدرتِه،
وحينَ تحملُ أسرةٌ ديونَها
كما يحملُ المحكومُ سلاسلَه،
فإنّ السؤالَ لا ينبغي
أن يبقى محبوسًا
في نشراتِ الأخبار.
من يتحمّلُ المسؤولية؟
ومن يُحاسَبُ على التقصير؟
ومن يُجيبُ عن سنواتٍ
ضاعَتْ في انتظارِ الإصلاح؟
لا تقولوا لنا
إنّ الأرقامَ جميلة،
إن لم تكنِ الحياةُ أجمل.
ولا تقولوا
إنّ البرامجَ ناجحة،
إن لم يلمسِ المواطنُ أثرَها.
فالنجاحُ ليسَ ما تكتبونَهُ
في تقاريرِ آخرِ السنة،
بل ما يشعرُ به الناسُ
في أوّلِ كلِّ صباح!
—
أيُّها المسؤول… أنتَ خادمٌ لا سيّد
من منحَكَ حقَّ إغلاقِ الأبواب؟
ومن جعلَ توقيعَكَ
أغلى من كرامةِ الإنسان؟
لماذا يحتاجُ المواطنُ
إلى معرفةِ شخصٍ نافذ
كي يحصلَ على حقٍّ واضح؟
ولماذا يصبحُ القانونُ صارمًا
في وجهِ الضعيف،
ومرنًا
حينَ يطرقُ بابَهُ أصحابُ النفوذ؟
أيُّها المسؤول…
ليستِ الأمانةُ
أن تحميَ مكتبَكَ،
بل أن تحميَ الحقوق.
وليستِ الكفاءةُ
أن تتقنَ تبريرَ التأخير،
بل أن تُحسنَ تدبيرَ الوقتِ والمال.
وليستِ المسؤوليةُ
أن تجلسَ فوقَ الجميع،
بل أن تنهضَ
لخدمةِ الجميع.
فكلُّ ملفٍّ تُعطّلُهُ بغيرِ حق،
قد يكونُ وراءَهُ مستقبلُ أسرة.
وكلُّ قرارٍ تؤجّلُهُ دونَ مبرّر،
قد يُضاعفُ معاناةَ إنسان.
وكلُّ تقصيرٍ تتستّرُ عليه،
قد يصبحُ غدًا
مأساةً لا ينفعُ معها الاعتذار!
العيشُ الكريم… ليسَ مِنّةً ولا صدقة
في وطني…
لا يطلبُ الفقراءُ مفاتيحَ القصور،
ولا يحلمُ العاطلونَ بمواكبِ الوزراء،
ولا ينتظرُ المرضى
أن يُفرشَ لهم الطريقُ بالورود.
إنّهم يريدونَ فقط
أن يعيشوا بكرامة.
يريدُ العاملُ أجرًا
يكفيهِ آخرَ الشهر،
وتريدُ الأمُّ غذاءً
لا يلتهمُ ميزانيةَ الأسرة.
يريدُ الشابُّ عملًا،
لا خطبةً عن فضائلِ الصبر.
وتريدُ الفتاةُ فرصةً عادلة،
لا وعدًا جديدًا بالمناصفة.
يريدُ الفلّاحُ ماءً لأرضِه،
والتلميذُ مدرسةً لقريتِه،
والمريضُ طبيبًا ودواء،
والمسنُّ معاشًا
يحمي ما تبقّى من عمرِه.
يريدُ الناسُ سكنًا لائقًا،
ونقلًا يحترمُ الوقت،
وإدارةً تُنصفُ المرتفق،
وقضاءً عادلًا،
ومرافقَ تحفظُ الكرامة.
أهذهِ مطالبُ مستحيل؟
أهذهِ أحلامٌ تفوقُ طاقةَ الوطن؟
أم أنّ الخللَ
في ترتيبِ الأولويات،
وفي تدبيرِ الإمكانات،
وفي صدقِ الالتزامات؟
فالعيشُ الكريمُ
ليسَ هديةً انتخابية،
ولا مكافأةً على الطاعة،
ولا امتيازًا لمن يصفّق.
إنّه حقٌّ
لا ينبغي أن يضيعَ
بينَ قصورِ الخفاءِ
وقصورِ الوفاء!
خيانةُ الأمانة… ليستْ سرقةَ المالِ وحدَه
خيانةُ الأمانةِ
أن تعدَ وأنتَ لا تنوي الوفاء.
أن تعرفَ الخللَ
ولا تسعى إلى إصلاحِه.
أن ترى الفسادَ
وتختارَ الصمتَ
حفاظًا على المنصب.
أن تُقدّمَ القريبَ
على الكفء،
والمواليَ
على المستحق.
أن تُنفقَ على المظاهر،
وتنسى الضروريات.
أن تتباهى بالإنجازاتِ الوهمية،
وتُخفي الإخفاقاتِ الحقيقية.
أن تجعلَ المواطنَ
يدفعُ ثمنَ أخطائِك،
ثمّ تطلبَ منه
أن يشكرَكَ على صبرِك!
الخيانةُ ليستْ دائمًا
يدًا تمتدُّ إلى الخزينة.
قد تكونُ يدًا
ترفضُ التوقيعَ على الحق،
أو قرارًا يُتّخذُ لمصلحةٍ خاصة،
أو مشروعًا يُتركُ ليتعفّن،
أو ميزانيةً تُصرفُ
دونَ أثرٍ ينفعُ الناس.
وما أخطرَ أن يتحوّلَ التقصيرُ
إلى عادة،
والعادةُ إلى نظام،
والنظامُ إلى حصانةٍ
ضدَّ السؤالِ والمحاسبة!
لا تختبئوا خلفَ الوطن
أيُّها السادة…
لا تجعلوا نقدَ أدائِكم
عداوةً للوطن.
ولا تجعلوا مساءلةَ قراراتِكم
تشكيكًا في المؤسسات.
ولا تُلبسوا أخطاءَكم
ثوبَ المصلحةِ العليا.
فالوطنُ لا يُختزلُ
في وزيرٍ أو منتخب،
ولا تُقاسُ محبتُهُ
بعددِ المصفّقين.
الوطنُ أكبرُ من الحكومات،
وأبقى من الولايات،
وأسمى من الحساباتِ الضيّقة.
ومن يحبُّ الوطنَ حقًّا
لا يخشى المحاسبة،
ولا يهربُ من النقد،
ولا يعتبرُ المنصبَ ملكيةً أبدية.
في وطني أيضًا
مسؤولونَ أوفياء،
ومنتخبونَ شرفاء،
ونساءٌ ورجالٌ
يعملونَ في صمت.
لا تُغرِيهم القصور،
ولا تُسكتُهم الامتيازات،
ولا يبيعونَ الضميرَ
مقابلَ استمرارِ الكراسي.
لهؤلاءِ
كلُّ التقدير.
ولمن قصّرَ وخانَ الالتزام،
كلُّ الحقِّ في المساءلة،
وكلُّ الواجبِ في المحاسبة!
حينَ يتكلّمُ التاريخ
سيأتي يومٌ
تُفتحُ فيه دفاترُ الحصيلة،
وتُقارنُ الوعودُ بالنتائج،
والميزانياتُ بالمنجزات،
والصلاحياتُ بالمسؤوليات.
لن يسألَ التاريخُ
عن حجمِ سياراتِكم،
ولا عن مساحاتِ قصورِكم،
ولا عن عددِ المرافقينَ والحُرّاس.
سيسألُ عن المدرسةِ
التي لم تُبنَ،
والمستشفى الذي لم يُجهَّز،
والطريقِ الذي لم يُصلَح،
والشبابِ الذين أرهقَهم الانتظار.
سيسألُ عن الذينَ
وثقوا بكم،
وانتخبوكم،
وعلّقوا على كلماتِكم
أحلامَ أطفالِهم.
وسيسألُكم:
ماذا فعلتم بالأمانة؟
ولن يكفيَ جوابٌ
صيغَ بعنايةٍ
في مكتبِ العلاقاتِ العامة.
فالتاريخُ لا يحتاجُ
إلى بلاغات،
بل إلى حقائق.
قصورٌ في الخفاء… وقصورٌ في الوفاء
فابنوا ما شئتم
من القصورِ المشروعة،
لكن لا تبنوا ثرواتِكم
على حسابِ الحقوق.
وتولّوا ما شئتم
من المسؤوليات،
لكن لا تجعلوا الكراسيَ
أكبرَ من الواجبات.
وقولوا ما شئتم
من الكلماتِ الجميلة،
لكن اتركوا للأفعالِ
حقَّ إثباتِ صدقِها.
فالوفاءُ في السياسةِ
ليسَ ولاءً للأشخاص،
ولا إخلاصًا للكراسي،
ولا طاعةً عمياءَ للزعماء.
الوفاءُ التزامٌ يُحترم،
ووعدٌ يُنجز،
ومسؤوليةٌ تُؤدّى،
وحقٌّ يُصان،
وأمانةٌ لا تُخان.
قصورٌ في الخفاء…
وقصورٌ في الوفاء…
وبينَ القصورِ والقصور،
يبقى المواطنُ
واقفًا على عتبةِ الأمل،
يسألُ سؤالًا بسيطًا
لا يحتاجُ إلى لجنةٍ أو تقرير:
متى يصبحُ العيشُ الكريمُ
واقعًا لا شعارًا؟
متى يُقاسُ المسؤولُ
بما أنجزَ
لا بما وعد؟
ومتى يُصبحُ الكرسيُّ
تكليفًا يُحاسَبُ صاحبُهُ،
لا تشريفًا يتباهى به؟
فما أخطرَ أن ترتفعَ القصورُ
في الخفاء،
وأن يتعمّقَ القصورُ
في الالتزامِ والأداء!
وما أقسى أن يرى المواطنُ
أحلامَهُ تتضاءل،
بينما يرى قصورَ بعضِ من وعدوهُ
تتطاولُ نحوَ السماء!
فالخيانةُ الكبرى للأمانة
ليستْ فقط في ما أُخذَ من الوطن،
بل أيضًا في ما لم يُقدَّمْ له،
رغمَ القدرة،
ورغمَ الالتزام،
ورغمَ القسمِ والوفاء!
والوطنُ لا ينتظرُ
من المسؤولِ أن يبنيَ قصرًا لنفسِه،
بل أن يتركَ بعدَ رحيلِه
أثرًا يليقُ بالوطن،
وكرامةً تليقُ بالمواطن،
ووفاءً يليقُ بالأمانة.



