الصحة و التغذيةبديل الثقافة و الفن

جبروت الإنسان… حين ينسى العقل رسالته

 

عندما أرى الدابةَ تدبّ فوق الأرض الفانية دون إيذاء البشر، وتتحاشى استفزازاته دون أدنى نضال أو مقاومة لطغيانه، أستصغر العقل البشري وأعيد طرح السؤال المربك: من منا العاقل؟

سؤال لا يُراد به السخرية، بل المحاسبة. لأن الكائن الذي مُنح العقل ليعمر الأرض، هو ذاته الذي حوّلها إلى ساحة استباحة، واعتبر نفسه مركز الكون، وما عداه هامشًا قابلًا للإزالة.
الإنسان، في لحظات غروره، لا يرى في باقي الكائنات سوى موارد، أو عوائق، أو فرجة عابرة. يقتل ليتغذّى، ثم يقتل ليرفه، ثم يقتل لمجرّد أن كائنًا ضعيفًا تجرأ وقطع طريقًا رسمه البشر لأنفسهم.

يرفع الانسان في وجه الحياة شهادة ملكية بشرية، تمنح له أحقية المرور والعبور، قررها البشريون، وباركها منطق القوة لا ميزان العدالة.
المفارقة القاسية أن أغلب الكائنات، حين تُستفز، تنسحب. لا تنتقم، لا تخزّن الحقد، لا تُشيّد فلسفات تبرر القتل. تتحاشى المواجهة، وتبحث عن بقعة آمنة. بينما الإنسان، بعقله المتضخم، يلاحقها إلى آخر مخبأ، ثم يتباهى بانتصارٍ على أعزل.

وحين ندرك أن من يعيش قرنًا من السعادة والثراء كمن يعيشه في حلم ليلة، سنفهم عبثية هذا الطغيان. سنعيد برمجة أنفسنا من أجل معنى أعمق، من أجل سعادة لا تُقاس بالسيطرة، ولا تُؤسس على الإقصاء، سعادةٍ في مكان لا يعترف بالزمان، حيث تُقاس القيمة بقدر الرحمة لا بسطوة القهر.

إن الجبروت ليس في القوة، بل في إساءة استعمالها. والطغيان ليس في الوجود، بل في ادعاء الأحقية المطلقة. العقل الحقيقي لا يقاس بعدد ما يسيطر عليه الإنسان، بل بعدد ما يحميه، لا بعدد ما يقتله، بل بعدد ما يُبقيه حيًا.

فإن كان العقل قد وُهب ليحفظ التوازن، فما نراه اليوم—من تدميرٍ وإبادةٍ ونفيٍ للكائنات والطبيعة —ليس عقلًا، بل انحراف العقل عن رسالته.
ولعل أول خطوة نحو استعادة إنسانيتنا، أن نتعلم من صمت الكائنات والطبيعة ، من انسحابها النبيل، من اكتفائها بالحياة دون ادعاء السيادة. عندها فقط، قد نستحق اسم العاقل.

حكمة الصمت… وسؤال العقل بين الفناء والبقاء

باقي الكائنات تدرك—بفطرتها—أن الأرض فانية مهما طال العمر، وأن كل مسار فوقها مؤقت، ينتهي كما بدأ: أثرًا يذوب في التراب. لا تخوض معركة وهم الخلود، ولا تُرهق نفسها بتكديس ما سيُترك حتمًا. تعيش بقدر الحاجة، وتمضي بقدر ما كُتب لها، في انسجامٍ صامت مع قانون الوجود.

أما الإنسان، فيُخاصم هذه الحقيقة. يعرفها نظريًا، لكنه يهرب منها عمليًا. يعلم أن الأيام تُطوى يومًا بعد يوم، وسنة بعد سنة، كما تُطوى نهائيًا عند الموت، ومع ذلك يفرط في الاهتمام بحياةٍ زائلة، ويجعلها معركة دائمة، صراخًا ومناورةً وتزاحمًا، كأنها الأبد الوحيد.
هنا يتجدد السؤال: من العاقل إذن؟

أمن ينتظر بصمتٍ وسلام موعد الذهاب إلى الحياة الدائمة، أم من يصرخ ويتنافس ويتدافع من أجل حياة فانية، يعلم يقينًا أنه ما إن تخطفه يد الموت حتى يترك كل شيء—المال، الجاه، المناصب—ولا يبقى معه إلا ما أعدّه لما بعدها؟

العاقل ليس من يربح سباق الدنيا، بل من يفهم طبيعتها. ليس من يملأ يديه بما يفلت، بل من يملأ روحه بما يبقى. فالدنيا صفحة تُطوى، والآخرة كتاب يُفتح. وكل ما نراه من لهاثٍ محموم ليس إلا محاولة لتأجيل الاعتراف بالحقيقة، لا لتغييرها.

الكائنات الأخرى لا تملك خطابات فلسفية، لكنها تملك سلامًا داخليًا. لا تخطط للخلود، ولا تبني مجدًا على أنقاض غيرها. تمضي في الحياة خفيفة، لأنها لا تحمل وهم الدوام. والإنسان—حين يثقل كاهله بهذا الوهم—يفقد البوصلة، ويخلط بين العيش والمعنى.
إن ما يُؤخذ عند الرحيل ليس ما جمعناه، بل ما صرنا عليه. وما يُنقذ الإنسان ليس صوته العالي في سوق الفناء، بل هدوؤه العميق وهو يستعد للبقاء.
فالعاقل حقًا هو من عاش الدنيا كجسر، لا كمسكن؛ ومن تعامل مع الزمن كعابر سبيل، لا كمالك طريق.

بقلم : بوشعيب حمراوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى