كتاب البديل

أزمة مثقفين.. أم مثقفو أزمة !!

محمد عزيز الوكيلي

أعتقد جازماً أن الوقت قد حان لطرح السؤال الحارق حول المشهد الثقافي المغربي، الذي فقد الكثير من وهجه وأَلَقِه، بل الكثير من أسمائه اللوامع، الذين شيّعناهم بخطى ثقيلة، وئيدة، وحزينة، إلى مواعيد أفولهم، دون أن ندري حقيقةً هل كنا بذلك نودّع مثقفينا الأكابر، أم كنا نصاحب ثقافتنا الوطنية برمّتها وبما لها وعليها إلى مثواها الأخير… لأن ما نراه اليوم، وما رأيناه بالأمس قبلَه، لا يبشر ثقافياً بأي خير !!

قال لي صديق أثق في حسه السياسي والأدبي: إن المعضلة الثقافية ترتبط بعروة لا تنفصم بأحزابنا السياسية، بعد أن تحولت إلى دكاكين انتخابية ليس إلاّ، ليلها ونهارها مكسوّان معاً بدخان كثيف… وجَعَل صديقي بدايةً لذاك التحوّل المأساوي، في علاقته المفترَضة بالعمل الحزبي، وحدّد إحداثيات تلك البداية الزمنية والسياسية، على حد قوله، يوم قَبِل المناضل محمد اليازغي، الكاتب الأول السابق لحزب الاتحاد الاشتراكي، منصباً وزارياً بدون حقيبة… وقد جعل هذا الصديق ذلك اليوم بمثابة بداية العد العكسي باتجاه ما وصلنا إليه اليوم، من واقع يمكن وصفه بكل أريحية بتعبير “موت السياسة والثقافة”، على الصعيدين النخبوي والجماهيري، مع الحرص على استكناه ذلك الخيط الرابط بين السياسي والمثقف، أو بين المثقف والسياسي، والذي يدل، بما لا يدع مجالاً للشك، على أن هذين العنصرين إن لم يشكّلا كيانا واحداً متفرِّداً، فإنهما، على الأقل، كانا يتبادلان مسؤولية حمل العبء ليس بالتناوب، وإنما بالتضافر والتكامل، إلى درجة بات معها من الصعوبة فصل وتمييز أحدهما عن الآخر !!

المرحومون عبد الخالق الطريس، والتهامي الوزاني، وعلال الفاسي، وعبد الله إبراهيم، وعبد الرحيم بوعبيد، وامحمد بوستة، ورضا كديرة، والأَخَوان الخطيب، والمحجوبي أحرضان، وعلي يعتة، وعبد الكريم غلاب، وعبد الجبار السحيمي، وخالد الجامعي، ومحمد باهي حرمة، والإدريسي القيطوني… وكثيرون غيرهم، من الأسماء اللوامع في السياسة والثقافة معاً، كانوا رغم اختلاف مشاربهم الفكرية والمذهبية والأيديولوجية يمنحون للوطن لسان حال يعبر عن خلجاته وانشغالاته وانتظاراته، ويقدمون عنه أبهى الصور سياسةً وثقافةً على السواء.

الأسماء كثيرة فعلاً، واللائحة زاخرة بكل تأكيد، وأرجو أن لا يؤاخذني أحد على إغفال ذكر بعضها، فالمقال والمقام لا يسمحان…

غير ان الذي ينبغي ان نضع الأصبع عليه لكونه جرحاً غائراً لا يَنْدَمِل، هو أننا ضاع منا سياسيونا الأكابر، وفي الآن ذاته أعلامُ ثقافتِنا المتراجعة إلى الوراء، الآن، في حركة انتكاسية لم تكن تدور بالبال قبل وقوع فأسها في الرأس، لنجد أنفسنا في ذات الآن محرومين من سياسيين وازنين، قادرين على مواكبة السير الحثيث الذي لا نلبث نكرّسه في مجالات الاقتصاد والتجارة والصناعة والسياحة، وفي مضمار مُساقرة الكبار ومنافستهم في مجالات كانت مبصومة حصرياً بأختامهم، كصناعة السيارات، والطائرات، والرقائق، والأسمدة الضامنة للأمن الغذائي الإنساني والعالمي… ومفتقدين لمثقفين كانوا إلى أمس قريب يعبرون عن ضمير الأمة الصاحي، يذودون عن الوطن وقضاياه المصيرية في كل المحافل، لنجد أنفسنا في نهاية المطاف سجناء نمط ثقافي غلب عليه الفولكلور، وغاب عنه إنتاج الفكر، وإنتاج المعرفة، وكذلك إنتاج المواقف الريادية كما كان عليه الأمر قبل سنين!!

فهل بسبب ذلك هرعنا إلى المضمار الرياضي، وتحديداً إلى “كرة القدم”، لنصنع فيها مجدا مستحَقّاً بكل المعايير، ولكنه مجد يوشك أن يضعنا عالميا في موقع كانت البرازيل تحتكره على مدار عقود طويلة؟!

فهل خطّطنا لنحل محل البرازيل في كرة القدم، علما بأن هذه الدولة الأمريكولاتينية لم يكن عندها مع كرة القدم غير رقصات السالسا، والصامبا، والمامبو بمختلف إيقاعاته، ولم يكن يلمع فيها تحت سماء الثقافة والفنون والآداب غير أسماء نادرة يكاد لا يذكرها أحد ؟!

صَمَتَ المرحوم عابد الجابري، وحاكاه في صمت الأموات مفكر من الأحياء هو عبد الله العروي، أطال الله في عمره، ونسج على منوال هذين الغائبين الوازنين آخرون لم تسمح مساحة هذا المقال بذكرهم بالإسم والصفة، فمن لديه في مفكرته غير ما ذكرته أعلاه من الأسماء؟.. مَن لديه غيرها؟.. ذاك هو السؤال!!!
___________.

محمد عزيز الوكيلي

إطار تربوي متقاعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى