محمد عزيز الوكيلي يسأل: ما الذي سيحدث بعد تحجيم إيران؟!

محمد عزيز الوكيل
بدأ الحديث، الآن، عمّاذا سيقع بعد الحرب الدائرة رحاها بين إيران من جهة، والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة ثانية، ونلاحظ أن المحللين لا يستطعون أن يضمّوا بالفم المليان دول الخليج العربي إلى نفس هذه الجهة الثانية، لأن الدول الخليجية أبدت سلوكا في غاية الغرابة، إذ أنها، رغم العداء التاريخي والشديد بينها وأمبراطورية فارس، والذي شمل كافة المستويات، ورغم الهجمات التي شنتها الصواريخ الإيرانية البالستية داخل ترابها الوطني، وفي عمق ذلك التراب، بمبرر وبدون مبرر، فإنها استمرت في التزامها بدور المتفرج، مكتفية بحك جيوبها استعداداً لتسديد الفاتورة كما هي العادة، بمجرد صدور إشارة بذلك من لدن “العم ترامب”، الذي لن يدخر وسعا في جعلها تدفع، وتجدد الدفع وتُعيده بلا هوادة، وأعتقد أن الشيكات الفلكية قد بدأ ملؤها في انتظار لحظات التسديد !!
الحال أنّ هذا ليس إلا تابلاً من توابل هذا المقال، الذي أردت تخصيصه لما يتوقعه العالم من حرب كهذه، يلعب دور البطولة المطلقة فيها كل من دونالد ترامب، ونتنياهو الذي تناقلت وسائل الإعلام والتواصل خبر مقتله في إحدى الغارات الصاروخية الإيرانية، لكنها تناقلت بعد ذلك مباشرة أنباءً مُناقِضةً تُكَذِّب مقتل نتنياهو لكنها لم تستطع نفي إصابته، على الأرجح، الشيء الذي يعززه اختفاؤه عن الأنظار، وخاصة أثناء انعقاد اجتماعات سلطات الأمن الإسرئيلية العليا، التي لم تنعقد قبل اليوم بدون رئاسته وإشرافه الشخصي والمباشر !!
حسناً… ما الذي يمكن ان يحدث بعد أن تضع هذه الحرب اوزارها؟
أول ما يتبادر إلى الذهن أن المنطقة برمتها لن يعود فيها مكان لِتَوَازُن الرعب الذي ظل قائما على امتداد عقود طوال بين إيران وإسرائيل وربما، بدرجة أقل، بين إيران ودول الخليج مجتمعة، منذ حربَيْ العراق الأولى والثانية… ولن أُفشِيَ سراً إذا لاحظتُ أن دول الخليج العربي، ومجلس تعاونها تحديداً، كانت تستفيد من توازن القوى بين إيران وإسرائيل، ليس بالدرجة التي تجعلها تحتمي بهذه الأخيرة، وإنما لتأمن على الأقل وقوع أي شطط في تعامل نظام خاميناي مع جغرافيا الخليج العربي، ما دامت إسرائيل وحليفها الأمريكي لن يسمحا بذلك تحت أي ذريعة !!
من جهة أخرى، وفي السياق ذاته، ظلت دول الخليج تستفيد كذلك من الوزن الثقيل لدولة فارس في تَقابُلها مع إسرائيل، لكي تتلكأ تلك الدول في التطبيع مع هذه الأخيرة، وهنا مربط الفرس… فبمحرد استتباب الغلبة لإسرائيل، بعد تركيع “الأمبراطورية الفارسية”، ستجد دول الخليج نفسها وجها لوجه مع الدولة العبرية، بما يعني توقع ممارسة هذه الأخيرة لقانون الغاب، كعادتها كلما تقوّت شوكتُها، وساعتئذ لن يجد عرب الخليج بُدّاً من القبول بتطبيع لم يكونوا في حقيقة الأمر رافضين إيّاه، بقدر ما كانوا يتلكّأون في انتظار الذي يأتي ولا يأتي… وها قد جاءهم ما كانوا ينتظرون (!!!).
الواقع الثاني الذي سيفرض نفسه هو الآخر، أن المنطقة لن تلبث أن تشهد تحولات جيواستراتيجية ستقطع مع المراحل السابقة، لأنه من الطبيعي أن يكون لهذه الحرب ما بعدها، ومن الطبيعي أيضاً أن يكون ما قبلها لا يشبه في شيءٍ ما سيأتي مستقبَلاً… وهذا لن تتبدد غيومُه إلا بعد فترة تطول أو تَقصُر على نهاية هذه المعمعة !!
ثم هناك حدث ثالث لابد أن يقع على صعيد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، من المرجح أنه سيسير باتجاه إعادة فتح ملف “مشروع الدولتين”، على اعتبار أن دول الخليج مدفوعةً بجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، ستطرح هذا الخيار كأحد الشروط الواجب استيفاؤها من أجل تكريس تطبيع واسع ومتقدّم بين العرب وإسرائيل، في إطار شرق يُعاد رسم خريطته الجيوسياسية والجيواستراتيجية على هذا الأساس.
وكما نرى، من خلال هذه التغييرات الثلاثة المحتملة، والمتوقَّع حدوثُها كنتيجة منطقية للحرب الراهنة، فإيران لم يعد لذكرها هنا أي وزن، وربما أفرزت المرحلة الجديدة المرتقبة تغييرات في الكيان الإيراني ذاته، من بينها على سببل المثال نيل إقليم الأهواز لاستقلاله أو تمتيعه بنظام متقدم للحكم الذاتي، أو أي شيء من هذا القبيل… أو تقسيم إيران بطريقة تضمن “عدم عودة حليمة لعاداتها القديمة”… هذا، بالإضافة لمطلب إيجاد حلول نهائية لمشاكل حدودية بين إيران وجيرانها كانت مؤجّلة بسبب هيمنة دولة فارس القوية على محيطها قبل الحرب الموشكة جذوتُها على الانطفاء، والتي ستفقد فارس فيها ريشَها بالكامل !!
هذه مجرد توقعات من وحي واقع الحالة الإيرانية والخليجية والإسرائيلية الراهنة… وإن الغدَ لَناظرُه قريب !!!
____________
محمد عزيز الوكيلي
إطار تربوي متقاعد.


