كتاب البديل

تعالوا مرة أخرى “نحكي كُرَة” ما دامت دورتنا الإفريقية حديث الساعة من جديد!!

 

العالم من حولنا يغلي فوق صفيح مشتعل، والأنفس تزهق يومياً في بُؤَرِ صراعٍ تتعدد وتتوزّع على رقعة خريطة تأبى أن تهدأ، وبينما الناس، في أغلب بلدان العالمَيْن، “المتقدم” و”الآخَر”، منشغلون بما يجري ويدور بين روسيا وأوكرانيا، وبين إيران وحلفائها الخفيِّين ولكنْ المعروفين من جهة، وبين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية وبلدان الخليج من جهة ثانية، مع ميزة خاصة لهذه الأخيرة لأنها اختارت مقعد الفُرجة…

بينما الناس ينامون ويَصْحُون على وقع دوي المدفعيات والراجمات النارية في الخليج، وفي لبنان، واليمن، وبين أمواج المتوسط، وفي مضيق هُرمُز، وشرق أوروبا… يأبى بعض الغيورين، بالمعنى القدحي والسلبي للغيرة، حتى لا أصفها صراحةً بالحسد الأَسوَد، إلاّ أن يعودوا بنا إلى أجواء الدورة الخامسة والثلاثين لنهائيات كأس الأمم الإفريقية، التي أبدع المغرب في الإعداد لها بما يليق بالمقام، واستضافَها بأكثر مما يليق بأصول الاستضافة وقواعدها، لا ليشكرنا “ذلك البعض” على كرمنا الزائد بل المفرط في حقه، وإنما ليزيد في بث سمومه وادعاءاته الكاذبة، والدّنيّة، لا لشيء سوى لأن المغرب سلك الطريق القانونية والمنطقية والعقلانية ليسترجع حقّاً مشروعاً لا يُنكِره إلا مريض أو معتوه !!

وما دام “ذلك البعض”، يصر على فعله السوء تجاهنا فلا بأس من التوقف ها هنا لتذكيره بالذي وقع أمام أنظار الباحثين والدارسين، وأمام أعين وكاميرات المتتبعين لذلك الذي حدث في إبّانه، من كل أقطار العالم:

كلنا نذكر الأجواء الاحتفالية الرائعة التي مرت فيها فعاليات تلك الدورة، والشهادات العربية والإفريقية والأوروبية والعالمية التي أدلى بها الإعلاميون والتقنيون الرياضيون من مختلف المشارب مصحوبة بالثناء والإكبار…

ونذكر كيف تحول كل ذلك إلى كابوس مُريع، عندما اختار المنتخب السنغالي ومُسيّروه التقنيون والإداريون أن يُفسدوا ذلك العرس، العالمي بكل المعايير، لأن حَكَم مباراتهم النهائية ضد المنتخب المغربي لم يَحتسب هدفا سبقه خطأ واضح وجلي في حق اللاعب الظاهرة أشرف حكيمي، ثم لأنه احتسب بعد ذاك ضربة جزاء بسبب جذبةٍ عنيفة كادت تندكّ من جرّائها رقبةُ اللاعب المبدع إبراهيم دياز !!

ونذكر كيف أوقف السنغاليون المباراة، وكيف انسحبوا من الميدان بتعليمات صدرت إليهم عبر الهواتف النقالة من جهات سنغالية مختلفة، كانت ترفع شعاراً لا مكان له في عالم الكرة تحديدا والرياضة تعميماً، وهو “إما الانتصار، وإما إفساد الحفل وتقويضه فوق رؤوس مُنَظِّميه” !!

ونذكر كيف تخطّت تلك الجهات السنغالية ذلك، فأوعزت إلى جماهيرها المتشنجة و”المقرقبة بوسيلةٍ من الوسائل” بمهاجمة رقعة الملعب، وتكسير تجهيزاته، والاعتداء على حُرّاسه ومُستخدَميه، أمام ذهول جمهور مغربي قدم الدليل القاطع على تحضُّره وعُلُوِّ كَعبِه ونُبل أخلاقه لأنه صاحب الدار، ولأن الفاعلين المتنمّرين ضيوفُه (!!!).

كلنا نذكر، أيضاً، كيف اختار الجانب المغربي الحكمة والرزانة واللياقة، فتوسل إلى غريمه ان يعود إلى رقعة الملعب ويُكمل المباراة، وزاد على ذلك بأن أهداه ركلة الجزاء اللعينة، التي أفاضت كأس الحُسّاد والحاقدين، وتركه يرتع كيف يشاء تحت إشراف حَكَم مغلوب على أمره تلقّى هو الآخر تعليماتٍ صارمةً بِعدم تفعيل صلاحياته وسلطاته فوق رقعة الملعب، رغم أن قوانين اللعبة تجعله سيد الميدان بلا أدنى منازع !!

كل هذا نذكره نحن ويَذكره العالم من حولنا، ويذكر أننا اخترنا مخاطبة الاتحاد الإفريقي لكرة القدم بلغة القانون، رغم أنه اختار في البداية أن يخاطبنا بلغة التعليمات السرية والمدسوسة، وأن يضعنا على قدم المساواة مع المعتدين والمخرّبين، ولذلك لم يجد هذا الاتحاد في نهاية المطاف بُدّاً من الاستجابة لما يقضي به القانون، لأن أنظار العالم كانت وما زالت متجهة صوبه في انتظار ما ستقضي به لجنته الاستئنافية، فكان ما كان من إعادة الحق لصاحبه، ولا مجال لمزيد إطناب في هذا الذي انتهت إليه مداولات لجنة الاستئناف الإفريقية لأنه يستجيب للعقل والمنطق…

إلى هنا والأمر عادي، وطبيعي ومنطقي، بمعايير القوانين المنظمة لرياضة كرة القدم إفريقيا وعالمياً، بالرغم من امتناع السلطات في دولة السنغال، في بداية الأمر، عن الامتثال لأحكام اللجنة سالفة الإشارة، وهذا موقف يستطيع المرء أن يتفهمه، بحكم التأخير والإبطاء غير المبرَّرين وغير المقبولين في إحقاق حق كان لازماً وبديهياً أن يتم في إبّانه، وفوق أرضية الملعب في تلك الليلة العصماء، وليس بعد شهرين من الانتظار والترقُّب…

غير أنّ الذي أذهل الناس من حولنا، رغم أنه لم يفاجئنا نحن المغاربة لأننا “نعرف البئر ونعرف غطاه”، هو أن يمرض جيرانُنا من جراء ما صدر عن لجنة الاستئناف الكروية الإفريقية، ليس غيرةً على المنتخب السنغالي ودولة السنغال، وإنما، فقط لا غير، حسداً وحقداً وضغينة من عند أنفسهم تجاهنا نحن المغاربة بالذات !!

بيد أنّ الذي فاجأني شخصياً، وفاجأ معي بلا شك كل العالم، أن ينضمّ إلى جيران السوء المرضى إخوانٌ لنا في أرض الكنانة، نعم في مصر الشقيقة، مدفوعين بزخّة شديدة من المكر والشيطنة، إلى درجة إعلان أحد الفرق في الدوري المصري لكرة القدم انسحابه من الآن فصاعداً من البطولات، التي ستنظمها الكونفدرالية الإفريقية مستقبلاً، لا لشيء سوى لأن حق المغرب عاد إليه بقوة القانون، بلا دوشة ولا بهرجة ولا كسر أدمغة !!

أتدرون؟ أحياناً أفكّر في أن هؤلاء كان الأجدر بنا أن نعاملهم بمثل خُبْثهم، وأن نُقيم نحن الأوّلون الدنيا ولا نُقعدها بالصراخ والعويل والبكاء، وبالصخب الإعلامي الرسمي، والمؤسساتي والشعبي، حتى لا نترك لأحد أن يُعليَ صوته فوق أصواتنا، وأعتقد أننا لو كنا سلكنا هذا السبيل لأسكتناهم، ولَحشرناهم في الزاوية، لأن هؤلاء يتّضح بالتجربة أنه لا ينفع معهم سوى مثل هرجهم وجنونهم وأكثر !!

الغريب العجيب أن “إخواننا” المصريين وجدوا من بين مؤسساتهم الإعلامية مَن ينساق مع هذه الموجة المَرَضية، ولذلك لم تصل إلينا من الجمهورية المصرية أيُّ أصداءٍ تُعارض ذلك السلوك المشين، ولو بمجرد بيانات مُحتشمة… وكأنهم جميعهم على نفس الدرجة من السوء !!

نعم… لا شيء وصلنا من مصر بتاتاً غير ذلك الصداع، وكأنّ مصر بقدها وقديدها تحولت إلى “جزائر” جديدة … عجبي !!!
_____________

محمد عزيز الوكيلي

إطار تربوي متقاعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى