كتاب البديل

حين تخطئ الصورة… ويغيب الجسد: قراءة طبية في حدود التشخيص بالأشعة وأهمية الفحص السريري

 

بقلم الدكتور أحمد التاغي

بين تطور التكنولوجيا واستمرار الخطأ التشخيصي
يشهد الطب الحديث ثورة غير مسبوقة في وسائل التشخيص، حيث أصبحت تقنيات التصوير الطبي مثل الإيكوغرافيا (échographie)، والسكانير (Scanner)، والرنين المغناطيسي (IRM)، والتصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني (PET Scan) أدوات مركزية في كشف الأمراض وتحديد مراحلها بدقة متزايدة. غير أن هذا التطور، رغم أهميته، لم ينجح في القضاء على الأخطاء التشخيصية، التي ما تزال حاضرة في الممارسة اليومية، بل أحيانًا في حالات دقيقة وحساسة.

تتعدد أسباب هذه الأخطاء، ولا يمكن اختزالها في عامل واحد. فهي قد ترتبط بالمريض نفسه، من حيث حالته الجسدية (نحيف أو بدين)، أو استعداده للتعاون أثناء الفحص، أو ظروفه الصحية (صائم أو غير صائم، قلق أو مستقر). كما قد تكون مرتبطة بطبيعة المرض، سواء كان حميدًا أو خبيثًا، أو بمرحلته التي قد تجعل ظهوره واضحًا أو خفيًا.

إلى جانب ذلك، تلعب الأجهزة دورًا حاسمًا؛ فاختلاف جودتها، وحداثتها، ودقة إعداداتها، واستعمال مواد التباين من عدمه، كلها عوامل تؤثر على جودة الصورة الناتجة. كما أن العنصر البشري حاضر بقوة، سواء في مرحلة إنجاز الفحص من طرف تقني الأشعة، أو في مرحلة قراءة الصور من طرف الطبيب المختص.

السكانير بين حدود الآلة وحدود الإنسان

يُطرح سؤال جوهري كثيرًا: هل الخطأ في التشخيص سببه الجهاز أم الطبيب؟ والجواب العلمي يقتضي التمييز بين مستويين من القصور.

أولًا، هناك حدود تقنية مرتبطة بالجهاز نفسه. فبعض الآفات الصغيرة قد تكون دون قدرة الجهاز على الكشف، حتى وإن كان حديثًا. كما أن بعض الظروف التقنية مثل حركة المريض، أو وجود معادن في الجسم، أو السمنة المفرطة، قد تُحدث تشويشًا بصريًا (artefacts) يجعل الصورة مضللة. أضف إلى ذلك أن سوء ضبط إعدادات الجهاز، أو استعمال أجهزة قديمة، يقلل من دقة النتائج.

ثانيًا، وهو الأهم غالبًا، يتعلق بالعنصر البشري، أي الطبيب الذي يفسر الصور. فقراءة الصور الطبية ليست عملية ميكانيكية، بل هي فعل تحليلي مركب يتطلب خبرة واسعة ومعرفة دقيقة بالتشريح، والفيزيولوجيا، وعلم الأمراض، والسيميولوجيا الطبية. هنا قد تتدخل عدة عوامل: الإرهاق الناتج عن ضغط العمل، احتمال إغفال تفاصيل دقيقة، نقص المعطيات السريرية، أو حتى اختلاف التقدير بين طبيبين لنفس الصورة (variabilité inter-observateurs).
لذلك، فالصورة الطبية ليست حقيقة مطلقة، بل معطى يحتاج إلى تأويل علمي، وقد يستدعي أحيانًا رأيًا ثانيًا أو إعادة الفحص بتقنية أخرى.

الفحص السريري… الحلقة المنسية في زمن الآلة

في خضم هذا الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا، يبرز خلل عميق في الممارسة الطبية المعاصرة: تراجع أهمية الفحص السريري. فقد أصبح بعض الأطباء يميلون إلى طلب الفحوصات مباشرة، دون المرور الكافي عبر الاستماع للمريض أو فحصه جسديًا، وكأن الآلة أصبحت بديلاً عن الحواس الطبية.
غير أن الفحص السريري يظل حجر الزاوية في التشخيص. يبدأ هذا الفحص بجمع المعطيات الشخصية والاجتماعية للمريض: العمر، المهنة، الحالة العائلية، السوابق المرضية، وحتى الصدمات النفسية. ثم تأتي مرحلة الملاحظة الدقيقة (inspection)، حيث يمكن للطبيب أن يلتقط مؤشرات أولية: شحوب، اصفرار، هزال، سمنة…

بعدها، تُستعمل تقنيات أساسية لا غنى عنها: الجس (palpation)، والقرع (percussion)، والإصغاء (auscultation)، وهي أدوات علمية قائمة بذاتها، وليست مجرد خطوات تقليدية. كما أن الحوار مع المريض، والاستماع الجيد لشكاواه، يمثلان نصف التشخيص في كثير من الحالات.
إن الفحوصات الإشعاعية والبيولوجية سُمّيت “مكملة” (examens complémentaires) لأنها تأتي لتدعيم فرضية تشخيصية مبنية أساسًا على الفحص السريري، لا لتعويضه. فحين يغيب هذا الأساس، تتحول التكنولوجيا إلى أداة قد تضلل بدل أن تهدي.

في النهاية، يبقى التشخيص الطبي فنًا قبل أن يكون تقنية؛ فنّ يجمع بين العلم، والخبرة، والحس الإنساني. فالصورة قد تُظهر، لكنها لا تفسر وحدها، والآلة قد تلتقط، لكنها لا تفهم… وحده الطبيب، حين يُحسن الإصغاء إلى المريض، ويُتقن قراءة جسده، يستطيع أن يقترب من الحقيقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى