كتاب البديل

حصلنا على قرار مجلس الأمن المنتظَر... فماذا بعد؟

محمد عزيز الوكيلي

القرار الذي أصدره مجلس الأمن الدولي لصالح المغرب، بوصفه أعلى هيأة دولية تفصل في النزاعات بين الدول فيما بينها، وبينها والهيئات والحركات التحررية أو الانفصالية أو غيرها… ذلك القرار، ليس هدفاً في حد ذاته، ولا هو آخر مطافٍ في مسلسل استكمال وحدتنا الترابية، وإنما هو بداية لمسارات ومشاوير أخرى، من الطبيعي والمرتقَب، أن تكون لها منطلقاتٌ ونهاياتٌ متعدّدةٌ ومختلفة… فكيف ذلك؟

أولاً: على صعيدنا الوطني:
ينبغي، من الآن فصاعداً، أن يُحرّكَنا القرار الأممي للبدء، بإصرار أكبر، في التنزيل الأكثر اتساعاً وتقدُّماً لمبدأ “الجهوية الموسعة” أو “المتقدمة”، التي من بين أهدافها الأساسية، أن يتوفر المغرب على نمطٍ في مجال “التدبير الجهوي للشأن العام” هو أقرب إلى ما يمكن وصفه ب”الولايات المغربية المتحدة”، وقد أومأ إليها في ذات خطاب ملكي جلالةُ المغفور له الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه، مُذكِّراً بالذات، بنموذج “ألمانيا الاتحادية”، بحيث لا يكون هناك فرق شاسع بين الكيانات الجهوية من جهة، وكيان الحكم الذاتي الموشك على التحقُّق من جهة ثانية.

وبذلك، يتمكن المغرب من إدارة شؤونه العامة من خلال وحدات متوازنة ومتقاربة في استقلاليتها الإدارية، والمالية، والقضائية، ونُظُمها المتلائمة مع خصوصياتها، وبطبيعة الحال، مع استقلاليتها الاقتصادية وتميّزها الاجتماعي، الإثني والثقافي، مكرّساً بذلك مفهوم “التعدد والتنوع داخل الوحدة”، وهذه معادلة طالما ترددت في خُطَبِنا الداخلية، المتبادَلة فيما بين مثقفينا وقوانا الحية، وقد آن الساعةَ أوانُ وضعِها موضع التحقيق على أرض الواقع.

ليست هذه دعوة إلى تفكيك الكيان الوطني، كما في الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً، فذلك نمط لا يتناسب وثقافتنا السياسية وثوابتنا، وإنما هو لفتٌ للنظر إلى وجوب التكريس الفعلي لمشروع “الجهوية المتقدمة”، طِبقاً للمعايير التي أتى بها هذا المشروع منذ خروجه من مرحلة التنظير إلى دائرة التنفيذ، وذلك بهدف تحقيق حد أدنى من التوازن بين “إقليم الحكم الذاتي” المرتقَب، وبين “الجهات الإثنتى عشرة”، التي يمكن في إطار مشروع “الجهوية الموسعة” و”المتقدمة” أن تكون قادرة على تدبير شؤونها العامة، بما يكفل لها إقامة علاقات متوازنة بين بعضها البعض، ثم بينها وبين إقليم الحكم الذاتي المبشَّر به.

في هذا الاتجاه أيضاً، ستكون “العلاقة العضوية” بين إقليم الحكم الذاتي متماثلةً، أو شِبهَ متماثلةٍ، مع العلاقات ذاتها فيما بين جهات المملكة والسلطة المركزية.

صحيح أن الحكم الذاتي سيمكّن أقاليمنا الجنوبية من حيز أوسع من الاستقلالية، ولكن هذا الإقليم في صلته بالسلطة المركزية ينبغي أن يكون متكافئاً مع المكونات الجهوية، بحيث نكون، من هذا الجانب بالذات، كما لو تشكّلت لدينا 13 جهة، بدلا من 12 السابقة.

لا نحتاج هنا إلى التذكير بوجوب خروج الحكومة، أيُّ حكومة، من دائرة التدبير المتباطئ والمتقاعس لشؤون قطاعات حيوية ومصيرية بعينها، شهدت البلاد بسبب تواضُعِ مَردودياتِها أحداثاً جد مؤسفة، نرجو الله أن لا تتكرر…

وعلى الحكومة، أيُّ حكومة، أن تدرك أنها ستكون مطالَبةً بحدود عُليا من التدبير الأرشَد والأعقَل، ومن الحكامة الأجوَد، والتنسيق الأمثل… وبشكل أكبر وأوسع مما كان الأمر عليه قبل الدخول في المرحلة غير المسبوقة والقادمة!!

ثانيا: على الصعيد الخارجي:
لا ريب أننا، عند تقديمنا لمشروع الحكم الذاتي أمام المنتظّم الدولي، قد استفتينا مُسْبَقاً واستقرَأْنا عدداً من النماذج المعمول بها لدى غيرنا من الدول، وأعتقد شخصياً أننا وضعنا في حُسباننا نموذجاً معيَّناً يتلاءم مع خصوصياتنا التاريخية، والجغرافية، ومع ثقافتنا المتميِّزة بالتعدد والتنوع والثراء، كما أننا بلا ريب، أيضاً، خططنا لما ينبغي إدخاله على النموذج الأصلح من التعديلات والتحسينات الكفيلة بجعله “نموذجا مغربياً” بكل المقاييس، وبالتالي، فإن هذا من شأنه أن يكيّف من الآن فصاعداً علاقاتنا الخارجية، بما يضمن لنا الاستفادة كما في السابق من كل علاقاتنا ومعاملاتنا مع الدول الشقيقة والصديقة، بما يكفل لنا جني ثمار التعاون، سواء الثنائي أو متعدد الأطراف أو الدولي، بشكل متوازن يُفيد منه المغاربة بكافة انتماءاتهم “الجيوترابية” و”الجيوديموغرافية”.

أردت بهذه الإشارة، فقط لا غير، أن ألفت الانتباه إلى أن على حكومتنا عامةً، ودبلوماسيتنا خاصةً، أن تضع في حسبانها، بمجرد تنفيذ المشروع الإداري والترابي الجديد، أنها تتخاطب من منطلق بنية هيكلية جديدة وغير مسبوقة… حتى لا نسمع في قادم الأيام مَن يشتكي من أيّ إهمال لإقليم الحكم الذاتي، في دائرة تعامُل المملكة مع أشقائها وأصدقائها وشُركائها، في أي مجال من مجالات التعامُل السياسي والدبلوماسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والخدماتي… بلا أدنى استثناء، إن هي حافظت على وتيرتها التدبيرية السابقة، التي أثارت وما زالت تثير الكثير من الاستياء في مختلِف الأوساط.

ثم هناك على الصعيد الخارجي، أيضاً، ذلك السلوك الذي نتوقعه من خصوم وحدتنا الترابية، الذين يبدو أن قرار مجلس الأمن، وكذلك إرادة المنظومة الدولية، لم يغيّرا في غضون اليومين الأخيرين أي شيء في لغتهم التحاملية، والعدائية، بل لقد ازدادت العداوة والعدوانية عند بعضٍ منهم “حَبَّتَيْن”، كما يقول إخوانُنا في أرض الكنانة، حتى أن المرء يكاد لا يتبيّن وقوع أي تغيير في بهلوانياتهم وهرطقاتهم المعهودة، بل شرعوا في بث سموم من نوع “جديد/قديم” عبر وسائلهم الإعلامية الرسمية، وغير الرسمية، حتى أن وكالة أنبائهم تحولت، منذ صدور القرار الأممي، إلى خادمة رسمية للبوليساريو وجمهوريته الفضائية، لأنهم أيقنوا بأن استمرارهم في مجاهرتنا العداء صراحةُ لم يعد ممكنا إلاّ في حالة واحدة، وهي إعلان الحرب علينا رسمياً، الأمر الذي لن يقدروا عليه لسببين:
أولهما، خوفهم من ردود فعل المجتمع الدولي، التي قد تزيدهم عزلةً وانكفاءً؛
وثانيهما، أنهم يعلمون الآن، علم اليقين، بأن القوات المسلحة الملكية المغربية أعدت لهم كل العُدّة، وأنها في كامل الأُهْبَة والاستعداد لرد الصاع صاعين، تماماً كما كان الأمر في المواجهات المباشرة السابقة، مع توقُّع تمتيع المغرب راهناً ومستقبلاً بدعم دوليّ سياسي ودبلوماسي، مادي ومعنوي، بمجرد انطلاق أولى شرارات الحرب… لا قدر الله ذلك!!

لقد حققنا من خلال القرار الأممي ليوم 31 أكتوبر نصراً ساحقاً بكل تأكيد، ولكنه لا ينبغي أن يُنسِيَنا او يُلهِيَنا عما ينتظرنا من “جهاد أكبر” على كل الجبهات… نسأل الله المزيد من التوفيق والسداد.
____________

محمد عزيز الوكيلي

إطار تربوي متقاعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى