دور الضيافة للمتقاعدين: استثمار🚩👈🏼 استراتيجي أم إحسان مؤجّل؟
نقد السياسات العمومية أمام الشيخوخة الديموغرافية في المغرب

في الوقت الذي تتسارع فيه التحولات الديموغرافية والاجتماعية بالمغرب، وتتقدم فيه أعمار المواطنين، وتتراجع فيه قدرة الأسرة التقليدية على احتضان كبارها، تستمر السياسات العمومية في التعامل مع شيخوخة المجتمع بمنطق الإحسان الموسمي، لا بمنطق التخطيط الاستراتيجي، وكأن الدولة تُفاجأ في كل مرة بمعطيات إحصائية حذّرت منها التقارير الرسمية منذ سنوات.مع التحولات الديموغرافية والاجتماعية التي يعرفها المغرب اليوم، حيث يتوقّع أن يتجاوز عدد المتقاعدين ثلاثة ملايين بحلول 2030، وفق تقارير رسمية، وعلى خلفية ضغوط مالية تُثقل أنظمة التقاعد العامة، وهجرة الشباب نحو المدن الكبرى، وتفكك الأسرة التقليدية، تبدو الدولة وكأنها تُدير ظهرها لحقيقة اجتماعية جديدة تفرض عليها أن تفتح باب الاستثمار في دور الضيافة للمتقاعدين، كخيار استراتيجي لا مجرد ترف اجتماعي. فالإصرار على حصر رعاية كبار السن في منطق الإحسان والجمعيات الخيرية يكشف عجزاً في الخيال السياسي، وكسلاً في إنتاج بدائل مبتكرة.بالمقابل، هناك فرق جوهري بين دور التقاعد أو دور الضيافة الاستثمارية، والمؤسسات الخيرية التقليدية. فدور الضيافة ليست ملاجئ بئيسة تعتمد على تبرعات متقلبة أو مساعدات حكومية محدودة، بل مشاريع استثمارية ذات بعد اجتماعي، تولّد إيراداتها من خدمات مدفوعة تشمل إقامة لائقة، ورعاية صحية متخصصة، وترفيهاً ثقافياً، وأنشطة اجتماعية تحفظ كرامة المتقاعد واستقلاليته، مقابل اشتراكات تتناسب مع قدرته الشرائية. في دول مثل فرنسا وإسبانيا، لم تُنظر الدولة إلى هذه المؤسسات كترف للنخبة، بل كجزء من سياسة عمومية متكاملة لمرحلة الشيخوخة، ونجحت هذه النماذج في تحقيق عوائد تصل إلى ثمانية أو عشرة في المئة سنوياً، ضمن شراكات بين القطاعين العام والخاص، بينما لا يزال النقاش في المغرب أسير هاجس الكلفة والميزانية، وانعدام الجرأة التشريعية.يمكن للمغرب تفعيل هذا النموذج عبر تشريعات مشجعة تمنح إعفاءات ضريبية حقيقية، وتُسهّل مساطر الترخيص المُعطّلة حالياً، وعبر شراكات مع شركات التأمين والصناديق التقاعدية، وبناء مجمعات حديثة في مناطق سياحية كمراكش وأكادير والرباط، تجمع بين الرعاية والسياحة العلاجية. غير أن ما يحدث على الأرض هو العكس تقريباً؛ إذ تُترك الجمعيات الخيرية تواجه مصيرها في غياب تمويل قار، وتُترك أسر الطبقة المتوسطة وحيدة أمام عبء رعاية المتقاعدين، بينما تكتفي الدولة بخطابات إنشائية حول التضامن الاجتماعي.أما الجمعيات الخيرية، فتركز على الرعاية الأساسية للفقراء، وتعاني نقص تمويل مستدام، ولا تلبي احتياجات الطبقة المتوسطة المتقاعدة التي تشكل الشريحة الأكثر هشاشة في صمتها لا في فقرها المعلن. في حين توفّر دور الضيافة، إذا أُدمجت في رؤية عمومية واضحة، كرامة واستقلالية للمتقاعدين، وتخلق فرص عمل في قطاع عالمي واعد يُقدَّر بمليارات الدولارات، وفق تقديرات منظمات دولية. ومع ذلك، يظل النهج الرسمي قابعاً في مربع ردّ الفعل لا الفعل الاستباقي، ما يُعمّق العبء على الدولة، ويهدّد استدامة التماسك الاجتماعي، ويحوّل الشيخوخة من فرصة لبناء اقتصاد رعاية حديث إلى قنبلة اجتماعية مؤجلة.
وخاتمة نقول ،إن الإصرار على إدارة شيخوخة المجتمع بعقلية الإحسان القديم، لا بعقلية الاستثمار الاجتماعي الحديث، يُعتبر خطأً استراتيجياً مكلفاً. وعلى الدولة، بمختلف مؤسساتها، أن تغادر منطقة الراحة الخطابية نحو سياسات ملموسة، تجعل من دور الضيافة للمتقاعدين جزءاً من سياسة عمومية ملزمة، لا مجرد مشروع ثانوي يُترك لمبادرات مشتتة، في انتظار أزمة أكبر.
بقلم ح.فوزي


