ميساج

حين تنقلب موازين السلط… من يحكم من في زمن التفاهة؟

 

لسنا أمام جدل نظري، ولا تمرين أكاديمي في فصل السلط كما تدرّسه كتب القانون الدستوري، بل أمام واقع سياسي واجتماعي وثقافي مختلّ، تتداخل فيه السلط، وتتنازع فيه الأدوار، إلى حد أصبح فيه من الصعب تحديد من يحكم من، ومن يراقب من، ومن يصنع من.

في البناء الدستوري للدولة، وتحت رعاية الملك باعتباره الضامن الأسمى للتوازن والاستقرار، تُمارَس ست سلط فعلية داخل المجتمع، بعضها منصوص عليه صراحة، وبعضها فُرض بقوة الواقع والتكنولوجيا والتحولات الاجتماعية.

أولًا: السلط الثلاث الكلاسيكية… الشرعية بالنص

السلطة التنفيذية، ممثلة في الحكومة،
والسلطة التشريعية، ممثلة في البرلمان بغرفتيه،
والسلطة القضائية، ممثلة في العدل والنيابة العامة،

هي سلط شرعية بالنص الدستوري، يفترض فيها أن تُدبّر الشأن العام، وتشرّع القوانين، وتحمي الحقوق، وتحقق العدالة، وفق منطق الحكامة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

لكن هذه السلط، مهما امتلكت من صلاحيات قانونية، لا تُنتَج في فراغ، ولا تسقط من السماء، بل تُفرَز من رحم المجتمع، وتُصاغ صورتها وشرعيتها داخل فضاءات أخرى أكثر تأثيرًا وخطورة.

ثانيًا: السلطة الرابعة… حين خان الإعلام رسالته

سلطة الإعلام والصحافة كانت، ولا تزال نظريًا، ضمير الأمة، ورقيب السلط، وحارس الحقيقة. لكنها في كثير من تجلياتها اليوم، إما مُدجّنة، أو مُسيّسة، أو مُستَلبة بالمال والإشهار، أو غارقة في الإثارة الرخيصة.

حين يعجز الإعلام عن التنوير، وحين يستبدل التحقيق بالتهليل، ويستقيل من دوره الرقابي، فهو لا يكتفي بالصمت…
بل يساهم في إعادة إنتاج الرداءة.

ثالثًا: سلطة المجتمع المدني… قوة مشتتة بلا بوصلة

المجتمع المدني، الذي يفترض فيه أن يكون مدرسة للمواطنة، ومشتلًا للنخب، وجسرًا بين الدولة والمجتمع، يعيش بدوره حالة تشتت مقلقة.

جمعيات بلا رؤية، مبادرات بلا امتداد، نضال موسمي، وتنافس مرضي على الدعم والتموقع…

في هذا الوضع، يفقد المجتمع المدني قدرته على التأطير والتأثير، ويتحول من قوة اقتراح إلى ديكور ديمقراطي.

رابعًا: السلطة السادسة… حين تحكم التفاهة بلا دستور

هنا نصل إلى أخطر التحولات:
سلطة مواقع التواصل الاجتماعي.

سلطة بلا نص دستوري، بلا أخلاقيات واضحة، بلا محاسبة، وبلا حراسة معرفية.

هي اليوم أقوى سلطة فعلية، تصنع الرأي العام، وتدمّر السمعة، وتخلق النجومية، وتسقط القيم، وتعيد ترتيب الأولويات… لكنها تفعل ذلك غالبًا بمنطق:

التفاهة بدل الكفاءة،
الضجيج بدل الفكرة،
الانفعال بدل التحليل،
والسفاهة بدل النقاش العمومي الرصين.

خامسًا: النتيجة الحتمية… إعادة إنتاج نفس الرداءة

عندما تفشل السلطة الرابعة، ويتشظى المجتمع المدني، وتنفلت السلطة السادسة بلا ضابط،

فلا تنتظروا برلمانات مختلفة، ولا حكومات نوعية، ولا نخبًا جديدة.

سنُعيد في كل استحقاق انتخابي إنتاج نفس المنظومة: وجوه تتغير، أسماء تتبدل، لكن العقليات واحدة، والنتائج نفسها.

إنها ديمقراطية الشكل…
وفراغ المعنى.

خاتمة: بين الرعاية الملكية ومسؤولية المجتمع

في ظل رعاية ملكية حريصة على الاستقرار والإصلاح والتوازن، يبقى السؤال الحقيقي موجّهًا إلينا جميعًا:

هل نملك الشجاعة لإعادة الاعتبار للإعلام الجاد؟ هل نستطيع إنقاذ المجتمع المدني من التشتت؟ هل نجرؤ على تقنين سلطة التفاهة قبل أن تبتلع ما تبقى من الوعي؟

لأن الأوطان لا تُهدم فقط بالفساد، بل بالتفاهة حين تتحول إلى سلطة.

لطفك يا رب…
ودمتم في رعاية المولى.

✍️ بوشعيب حمراوي
كاتب وصحفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى